عقائد الشيعة الإمامية / الشيخ الطوسي

 

فصل في ذكر بيان ما يؤدي النظر فيه إلى معرفة الله تعالى

لا يمكن الوصول إلى معرفة الله تعالى إلا بالنظر في حدوث ما لا يدخل تحت مقدور المخلوقين

في إثبات حدوث الأجسام

الاقتصاد - الشيخ الطوسي - ص 20 - 25

لا يمكن الوصول إلى معرفة الله تعالى إلا بالنظر في حدوث ما لا يدخل تحت مقدور المخلوقين، وهو الأجسام والأعراض المخصوصة، كالألوان والطعوم والأراييح والقدرة والحياة والشهوة والنفار وما جرى مجرى ذلك.

فأما ما يدخل جنسه تحت مقدور القدر كالحركات والسكنات والاعتمادات والأصوات، فلا يمكن بالنظر فيها الوصول إلى معرفة الله تعالى.

والكلام في حدوث الأجسام أظهر، لأنها معلومة ضرورة لا يحتاج فيها في العلم بوجودها إلى الدليل بل إنما يحتاج إلى الكلام في حدوثها، ثم بيان أن لها محدثا يخالفها فيكون ذلك علما بالله، ثم الكلام في صفته.

ولنا في الكلام في حدوث الأجسام طريقان: أحدهما: أن ندل على أنها ليست قديمة، فيعلم حينئذ أنها محدثة، لأنه لا واسطة بين القدم والحدوث.

والطريق الثاني: أن نبين أنها لم تسبق المعاني المحدثة، فيعلم أن حكمها حكمها في الحدوث.

(وبيان الطريق الأول) هو أن الأجسام لو كانت قديمة لوجب أن تكون في الأزل في جهة [من جهات] العالم، لأن ما هي عليه من الحجم والجثة يوجب ذلك. ثم لا يخلو كونها في تلك الجهة إما أن تكون للنفس أو لمعنى قديم أو لمعنى محدث أو الفاعل.

فإذا بين فساد جميع ذلك علم أنها لم تكن قديمة ولا يجوز أن تكون في الأزل في جهة الفاعل، لأن من شأن الفاعل أن يتقدم على فعله، ولو تقدم فاعلها عليها لكانت محدثة، لأن القديم لا يمكن أن يتقدم عليه غيره، والمعنى المحدث لا يوجب صفة في الأزل. وكونها في الجهة للنفس يوجب استحالة انتقالها، لأن صفات النفس لا يجوز تغيرها وزوالها، والمعلوم ضرورة صحة انتقالها، فبطل أن يكون كذلك للنفس. ولا يجوز أن تكون كذلك لمعنى قديم، لأنها لو كانت كذلك لوجب إذا انتقل الجسم أن يبطل ذلك المعنى، لأن وجوده فيه على ما كان يوجب كونه في الجهتين، وذلك محال.

والانتقال لا يجوز على المعنى، لأنه من صفات الجسم. فقد بطل جميع الأقسام، وفي بطلان جميعها بطلان كونها قديمة وثبوت كونها محدثة، لأنه لا واسطة بين الأمرين على ما بيناه.

(وبيان الطريقة الثانية) أن نبين أربعة فصول:

أحدها أن في الأجسام معان غيرها، والثاني أن نبين أن تلك المعاني محدثة، والثالث أن نبين أن الجسم لم يسبقها في الوجود، والرابع أن ما لم يسبق المحدث يجب أن يكون محدثا.

والذي يدل على الفصل الأول: إنا نعلم أن الجسم يكون على صفات من اجتماع وحركة فتتغير إلى أن يصير مفترقا وساكنا، فلا بد من أمر غيره، لأنه لو لم يكن أمر لبقي على ما كان عليه. ولا يجوز أن يكون ذلك الأمر نفس الجسم، ولا ما يرجع إليه من وجود أو حدوث أو جسمية، لأن جميع ذلك يكون حاصلا مع انتقاله من جهة إلى غيرها، فكيف يكون هو المؤثر في تغير الصفات.

ولا يجوز أن يكون ذلك لعدم معنى، لأن عدم معنى لا اختصاص له بجسم دون جسم ولا بجهة دون غيرها، وكان يجب أن تتغير الأجسام كلها وتنتقل إلى جهة تغيرها، وذلك باطل. ولا يجوز أن يكون كذلك بالفاعل، لأنه: إن أريد بذلك أنه فعل فيه معنى أوجب تغيره وانتقاله، فذلك وفاق وهو المطلوب.

وإن أرادوا أن الفاعل جعله على هذه الصفات ولم يفعل معنى فذلك باطل، لأن من شأن ما يتعلق بالفاعل من غير توسط معنى أن يكون القادر عليه قادرا على إحداث تلك الذات. ألا ترى أن من قدر على إحداث كلامه قدر على أن يجعله على جميع أوصافه من أمر ونهي وخبر وغير ذلك، وكلام الغير لما لم يكن قادرا على إحداثه لم يكن قادرا على جعله أمرا ونهيا وخبرا. والواحد منا يقدر على أن يجعل الجسم متحركا أو ساكنا أو مجتمعا أو متفرقا ولا يقدر على إحداثه، فدل ذلك على أن هذه الصفات غير متعلقة بالفاعل، فلم يبق بعد ذلك شئ يعقل إلا أنه صار كذلك لمعنى.

والذي يدل على حدوث ذلك المعنى أن المجتمع إذا فرق أو المتحرك إذا سكن لا يخلوا أن يكون ذلك المعنى الذي كان فيه باقيا كما كان أو انتقل عنه أو عدم. ولا يجوز أن يكون موجودا كما كان، لأن ذلك يوجب كونه مجتمعا متفرقا متحركا ساكنا، لوجود المعنيين معافيه في حالة واحدة، وذلك محال.

ولا يجوز أن يكون انتقل عنه، لأن الانتقال من صفات الجسم دون العرض، ولأنه لو انتقل لم يخلو إما أن يكون انتقل مع جواز ألا ينتقل أو وجب انتقاله. ولو كان انتقاله جائزا لاحتاج إلى معنى كالجسم، وذلك يؤدي إلى إثبات معان لا نهاية لها، ولو وجب انتقاله لأدى إلى وجوب انتقال الجسم، والمعلوم أن الجسم لا يجب انتقاله إن لم ينقله ناقل، فلم يبق من الأقسام إلا أنه عدم.

ولو كان قديما لما جاز عدمه، لأنه قديم لنفسه، وصفات النفس لا يجوز خروج الموصوف عنها. ألا ترى أن السواد لا يجوز بياضا ولا الجوهر عرضا ولا الحركة اعتمادا وغير ذلك، لأن هذه الأشياء على ما هي عليه لنفسها فلا يجوز عليها التغيير. فلما ثبت عدمها على أنها لم تكن قديمة، وإذا لم تكن قديمة وجب كونها محدثة.

والذي يدل على الفصل الثالث وهو أن الجسم لم يخل منها هو أنه معلوم ضرورة أن الأجسام للعالم لا تخلو من أن تكون مجتمعة أو مفترقة أو متحركة أو ساكنة، فثبت بذلك أنها لا تخلو من الاجتماع والافتراق.

ومن قال إن الأجسام كانت هيولي لا مجتمعة ولا مفترقة. ربما أشار بذلك إلى أنها كانت معدومة فسماها موجودة، كما يقولون موجود بالقوة وموجود في العلم، وذلك عندنا ليس بوجود في الحقيقة. ومتى أرادوا ذلك كان خلافا في العبارة لا يعتد به.

وأما الفصل الرابع فالعلم به ضرورة، لأن من المعلوم أن كل ذاتين وجدا معا ولم تسبق إحداهما الأخرى، فإن حكمهما حكم واحد [في الوجود] ألا ترى أنا إذا فرضنا ميلاد زيد وعمرو في وقت واحد فلا يجوز مع ذلك أن يكون أحدهما أسبق من الآخر لأن ذلك متناقض، وكذلك إذا فرضنا أن الجسم لم يسبق المحدث ولم يخل منه علمنا أن حكمه حكمه في الحدوث.

وقول من قال: إن فيها معان لا نهاية له شيئا قبل شيء لا إلى أول باطل لأن وجود ما لا نهاية له محال، لأنه كان يصير من شروط وجود كل واحد منها أن يتقدم قبله ما لا نهاية له، فلا يصح وجود شيء منها البتة، والمعلوم خلافه.

على أن القائل بذلك قد ناقض، لأنه إذا قال إنها محدثة اقتضى أن لها أولا، فإذا قال بعد ذلك لا أول لها اقتضى ذلك قدمها، وذلك متناقض. وأيضا فإذا قال الجسم قديم أفاد ذلك وجوده في الأزل، [فإذا سلم أنه لا يخلو من معنى فقد أثبت فيه معنى في الأزل]، والمعنى الموجود في الأزل يكون قديما، فيكون في ذلك رجوع عن كونها محدثة.

أو يقول فيما لم يزل لم يكن فيها معنى فيكون فيها رجوع في أن الجسم لم يخل من معنى، وذلك فاسد. فقد بان بهذه الجملة حدوث الأجسام، ثم تدل فيما بعد على أن لها صانعا يخالفها.

وأما الطريقة الثانية فهو أن نبين أن ههنا معان كالألوان والطعوم والقدرة والحياة والشهوة والنفار وكمال العقل، ونبين أن أحدا من المخلوقين لا يقدر على شيء منها، فيعلم عند ذلك أن صانعها مخالف لها.

وبيان ذلك: أن الواحد منا قد يدعوه الداعي إلى تبيض الأسود أو تسود الأبيض أو يحيي ميتا أو يقدر عاجزا أو يكمل عقل من لا عقل له، وهو قادر متصرف غير ممنوع والدواعي متوفرة، ويبالغ في ذلك ويجتهد في تحصيله مع احتمال المحل لذلك فيتعذر ولا يتحصل لا لوجه معقول إلا أنه ليس بمقدور له، فيعلم عند ذلك أن صانعها مخالف لها ومباين لنا، فيكون ذلك علما بالله على الجملة. فإذا عرف بعد ذلك صفاته وما يجوز عليه وما لا يجوز حصل علمه به على طريق التفصيل.