عقائد الشيعة الإمامية / الشيخ الطوسي

 

فصل في أنه تعالى واحد لا ثاني له في القدم

 

الله تعالى واحد لا ثاني له في القدم

الاقتصاد - الشيخ الطوسي - ص 44 - 47

لو كان مع الله تعالى قديم ثان لوجب أن يكون مشاركا له في جميع صفاته، لمشاركته له في القدم التي هي صفة ذاته التي باين بها جميع الموجودات لأن جميع أوصافه -من كونه عالما وقادرا وحيا وموجودا ومريدا وكارها ومدركا- [يشاركه غيره من المحدثات قديما ولا يشاركه في القدم، فبان أنه يكون قديما] يخالف المحدثات.

والشيء إنما يخالف غيره بصفته الذاتية وبها يتماثل ما تماثله، كما أن ما شارك السواد في كونه سوادا ويخالف غير السواد من أن السواد يخالف البياض والحموضة وغيرهما أيضا بكونه سوادا [ويشارك سوادا آخر بكونه سوادا]، فعلم بذلك أن الاشتراك في صفة الذات يوجب التماثل، وكان يجب من ذلك مشاركة القديمين في كونهما قادرين عالمين حيين وفي جميع صفاتهما. ثم لا يخلو أن يكون مقدورهما واحدا أو متغايرا، فإن كان واحدا جاز أن يدعو أحدهما الداعي إلى إيجاد مقدوره والثاني يصرفه عن إيجاده، فيؤدي ذلك إلى وجوب وجوده، لدعاء من دعاه الداعي إلى إيجاده ووجوب انتفائه لصارف من صرفه عن إيجاده، وذلك محال.

فإن كان مقدورهما متغايرا لم يمتنع أن يدعو أحدهما الداعي إلى إيجاد فعل ويدعو الثاني بصرفه عن إيجاده ووجوب صارف صرفه عن إيجاده، وذلك محال. [وإن كان مقدورهما متغايرا لم يمتنع أن يدعو أحدهما الداعي إلى إيجاد فعل ويدعو الآخر إلى إيجاد ضده].

ثم لا يخلو أن يوجدا أو لا يوجدا أو يوجد أحدهما، فإن وجدا أدى إلى اجتماع الضدين وذلك محال، وإن لم يوجدا أدى إلى ارتفاع الفعل عنهما لا لوجه منع معقول، وإن وقع أحدهما أدى إلى ارتفاع الفعل عن أحدهما لا لمنع معقول. لأنه لا يمكن أن يقال أن أحدهما أكبر مقدورا، لأن كل واحد منهما يجب أن يكون مقدوراته غير متناهية.

في الرد على الثنوية القائلين بالنور والظلمة والمجوس القائلين بالله والشيطان والنصارى القائلين بالتثليث

فإذا ثبت ذلك بطل إثبات قديمين، وإذا بطل وجود قديمين بطل قول الثنوية القائلين بالنور والظلمة، وبطل قول المجوس القائلين بالله والشيطان وبطل قول النصارى القائلين بالتثليث.

على أن قول الثنوية يبطل من حيث دللنا على حدوث الأجسام، والنور والظلمة جسمان، ولأنهما أثبتوهما من حيث اعتقدوا أن الخير يضاد الشر، ولا يجوز أن يصدرا من فاعل واحد. وذلك باطل، من حيث أن الخير من جنس الشر، لأن أخذ مال الغير غصبا هو ظلم وشر وأخذه قضاءا لدين حسن وعدل وهما من جنس واحد، ولطمة اليتيم ظلما شر ولطمته تأديبا حسن، ولو كانا ضدين لجاز أن يصدرا من فاعل واحد، لأن القادر يقدر على الشيء وعلى جنس ضده، وهذا بعينه هو شبهة المجوس، والكلام عليهم واحد.

على أن قولهم أجمع يبطل المدح والذم، لأن المطبوع لا يستحق مدحا ولا ذما، كالنار في الاحراق والثلج في التبريد. ويؤدي إلى قبح الاعتذار لأن الاعتذار حسن لا يقع عندهم من الظلمة وما يعتذر منه قبيح لا يقع عندهم من النور، فيكون الاعتذار من غير فاعل الإساءة، وذلك قبيح في العقول.

وأما النصارى فمن خالف منهم في نبوة نبينا فالكلام معهم في النبوة سيجئ، ومن قال بقول النصارى من القول بالتثليث والاتحاد والنبوة فقولهم باطل، لأن قولهم ثلاثة أقانيم جوهر واحد متناقض، لأن في إثباته واحدا نفيا لما زاد عليه وفي إثبات التثليث إثباتا لما نفى بعينه، وذلك محال. وقولهم بالاتحاد وأن الثلاثة صارت واحدا محال، وكذلك قولهم صار الناسوت إلها والمحدث قديما كل ذلك محال. ولو جاز ذلك لجاز أن يصير الواحد مائة وأن يصير القديم محدثا، وكل ذلك فاسد، فيبطل ما قالوه. وأما قولهم بالبنوة فحقيقة الابن من ولد على فراشه أو خلق من مائه، وكلاهما يستحيلان عليه تعالى، ومجاز ذلك يطلق فيمن يجوز أن يولد على فراشه أو يخلق من مائه.

ألا ترى أنهم يقولون (يبنا فلان بفلان) إذا كان أصغر منه، ولا يقولون (يبنا شاب شيخا) ولا (يبنا الانسان بهيمة) لما لم يجز أن يكون مخلوقا من مائه، فمجاز هذه اللفظة يجوز على من يجوز عليه حقيقتها وحقيقتها مستحيل في الله تعالى، فمجازها مثل ذلك.

وقولهم (ابن الله) لمشاركته له في المشيئة، يوجب أن يكون الأنبياء كلهم أبناء الله، لأنهم يوافقونهم في المشيئة وهم لا يقولونه.

فبان بذلك فساد هذه المذاهب، وثبت أنه تعالى واحد لا يشاركه أحد في القدم.

قول من عبد الأصنام أو الكواكب باطل

فأما من عبد الأصنام أو الكواكب فقولهم باطل، لأن عبادة من لا يستحقها قبيحة في العقول. والعبادة إنما تستحق بأصول النعم التي هي خلق الخلق وجعله حيا وقادرا وإكمال عقله وخلق الشهوة فيه التي بها ينتفع وينال الملاذ وخلق المشتهيات وغير ذلك.

وكل ذلك لا يقدر عليه غير الله، فيجب أن تقبح عبادته.

على أن هذه الأشياء جمادات ومسخرات، وكيف يصح منها فعل ما يستحق به العبادة. وقولهم {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} باطل، لأن التقرب إلى الله بالقبائح قبيح في العقول. وليس يجري ذلك مجرى تعظيما للبيت الحرام والحجر وسجودنا إليه، وذلك أنا نسجد لله تعالى ونتقرب إليه لا إلى البيت والحجر، وإنما تعبدنا الله بذلك ورغبنا فيه.

فنظير ذلك أن ثبت بشرع مقطوع به التقرب إلى الله والسجود له بالتوجه إلى هذه الأشياء، والقوم لا يذهبون إليه، فبطل تشبيههم بما قلناه وبان الفرق بينهما.