عقائد الشيعة الإمامية / الشيخ الطوسي

 

فصل في الكلام في العدل

 

الغرض بالكلام في العدل الكلام في تنـزيه الله تعالى عن فعل القبيح والاخلال بالواجب

الاقتصاد - الشيخ الطوسي - ص 47 - 53

الغرض بالكلام في العدل الكلام في تنزيه الله تعالى عن فعل القبيح والاخلال بالواجب، فإذا حصل العلم بذلك حصل العلم بالعدل.

والطريق الموصل إلى ذلك أن نبين أنه تعالى قادر على القبيح ثم نبين بعد ذلك أنه لا يفعله بعد أن نبين تقدم معنى الفعل وانقسامه ثم نعود إلى الغرض. وحقيقة الفعل ما وجد بعد أن كان معدوما. ولا يخلو الفعل من أن يكون له صفة زائدة على حدوثه أم لا يكون له صفه زائدة، فما ليس له صفة زائدة هو كلام الساهي والنائم وحركات أعضائه التي لا تتعداه، وما له صفة زائدة على حدوثه إما أن يكون حسنا أو قبيحا، فالحسن هو كل فعل إذا فعله العالم به أو المتمكن من العلم به مختارا لا يستحق عليه الذم.

وهو على ضربين: أحدهما له صفة زائدة على حسنه، والآخر لا صفة له زائدة على حسنه. فما لا صفة له زائدة على حسنه هو الموصوف بأنه مباح إذا علم فعله أو دل عليه، وما له صفة زائدة على حسنه فهو كل فعل يستحق به المدح على بعض الوجوه.

وهو على ضربين: أحدهما إذا لم يفعله استحق الذم على بعض الوجوه، والآخر لا يستحق الذم إذا لم يفعله على حال. فالأول موصوف بأنه واجب على ثلاثة أقسام: أحدها واجب مضيق كالصلاة المفروضة وكرد عين الوديعة، والثاني يكون مخيرا فيه كالكفارات الثلاث في اليمين، والثالث من فروض الكفايات إذا قام به بعض سقط عن الباقي كرد السلام والجهاد والصلاة على الأموات.

وما هو ندب على ضربين: أحدهما يكون نفعا واصلا إلى الغير فيوصف بأنه إنعام وإحسان إذا قصد ذلك، والآخر لا يتعداه فلا يوصف بأكثر من أنه ندب. وأمثلة ذلك في أفعالنا وأفعاله قد ذكرناها في شرح الجمل والمقدمة وغير ذلك من كتبنا.

والقبيح هو كل فعل إذا وقع من عالم بقبحه أو متمكن من العلم بقبحه استحق عليه الذم على بعض الوجوه. والعلم بقبح القبائح ووجوب الواجبات [يكون عقليا وشرعيا: فالعقليات كالعلم بقبح الظلم والجهل والكذب العاري من نفع أو ضرر والعبث وغير ذلك، والواجبات] كالعلم بوجوب رد الوديعة والانصاف وقضاء الدين والعلم بحسن الاحسان وغير ذلك. وأما ما يعلم بالشرع فكلما لا يمكن معرفته بالعقل كالعبادات الشرعية من الصلاة والزكاة والصوم والحج وغير ذلك، وكقبح شرب الخمر والزنا وغير ذلك، فإنه لا مجال للعقل في العلم بذلك.

والذي يدل على ما قلناه من أن العلم بما تقدم هو العقل دون الشرع، هو أن كل عاقل مفطور العقل يعلم قبح الظلم وقبح الجهل والكذب والعبث، فلو لا أن طريق ذلك العقل لما وجب شمول العلم لجميع العقلاء، ولكان يقف على من علم صحة السمع.

وفي علمنا باشتراك جميع العقلاء من موحد وملحد ومقر بالنبوات وجاحد لها في العلم بذلك دليل على أن طريق ذلك العقل.

وقولهم (إنهم علموا ذلك لمخالطتهم للعقلاء من أهل الشرع) باطل، لأنه لو كان كذلك لعلموا قبح كل ما علمه أهل الشرع من قبيح شرب الخمر والزنا وغير ذلك، وفي العلم بالفرق بينهما دليل على فساد ما قالوه.

ومتى قالوا: إن العقلاء لا يعلمون ذلك أو يعتقدونه اعتقادا ليس بعلم. لزمهم أن يقولوا لا يعلمون المشاهدات أيضا، لأن في الناس من قال طريق ذلك السمع، ولزم عليه قول السوفسطائية وأصحاب العنود في نفيهم العلم بشيء من الأشياء ونسبتهم ذلك كله إلى الظن والحسبان، وذلك باطل بالاتفاق. فأما الذي يدل على أنه تعالى قادر على القبيح، فهو ما ثبت من كونه خالقا لكمال العقل والعلم بالمشاهدات، ومن شأن القادر على الشيء أن يكون قادرا على جنس ضده، فيجب أن يكون قادرا على ضد هذه العلوم من الجهل، والجهل قبيح.

وأيضا فالقبيح من جنس الحسن، بدلالة أن قعود الإنسان في دار غيره غصبا من جنس قعوده فيها بإذن مالكها، وأحدهما قبيح والآخر حسن.

والقديم تعالى قادر على الأجناس كلها، ومن كل جنس على ما لا نهاية له، لأنه قادر لنفسه على ما مضى، ولا اختصاص له بقدر دون قدر ولا بجنس دون جنس.

وأيضا فهو تعالى قادر على تعذيب الكفار بلا خلاف وهو حسن، فإذا أسلم الكافر قبح عقابه ولم يخرج إسلامه إياه تعالى عن كونه قادرا، فبان بذلك أنه قادر على القبيح. فإذا ثبت ذلك فالذي يدل على أنه لا يفعله علمه بقبح القبائح وعلمه بأنه غني عنه، والعالم بقبح القبيح وبأنه غني عنه لا يجوز أن يختاره.

ألا ترى أن من خير بين الصدق والكذب في باب الوصول إلى غرضه وهو عالم بقبح الكذب وحسن الصدق لا يجوز أن يختار الكذب على الصدق مع تساويهما في الغرض، ولا علة لذلك إلا كونه عالما بقبح الكذب وبأنه غني عنه بالصدق فيجب أن يكون تعالى لا يفعل القبيح لثبوت الأمرين.

على أنه لو جازت عليه الحاجة لما جاز أن يفعل القبيح، لأنه يقدر من جنسه من الحسن على ما لا يتناهى. ألا ترى أن المخير بين الصدق والكذب مع تساوي الغرض قد بينا أنه لا يختار الكذب مع جواز الحاجة إليه، لأنه يستغني عنه بالحسن الذي هو الصدق.

وكذلك القديم لا قبيح إلا وهو يقدر من جنسه من الحسن على ما لا يتناهى، فلا يجوز أن يختاره مع علمه بقبحه.

والقديم تعالى لا يريد القبائح على وجه، لأنه لا يخلو أن يريده لنفسه أو بإرادة قديمة أو محدثة، وقد بينا أنه ليس بمريد لنفسه ولا بإرادة قديمة فبطل ذلك. ولو أراده بإرادة محدثة لكان هو الفاعل لها، لأنه لا يقدر أن يفعل إرادة لا في محل سواه. ولو كان هو الفاعل لها لكان فاعلا للقبيح، لأن إرادة القبيح قبيحة، بدلالة أن من علمها إرادة القبيح علم قبحها ومن لم يعلمها كذلك لم يعلم قبحها، وذلك يؤدي إلى أن يكون فاعلا للقبيح، وقد دللنا على أنه لا يجوز أن يكون فاعلا للقبيح على حال.

وأيضا فقد ثبت بلا خلاف أنه ناه عن القبيح، وقد بينا أن النهي لا يكون نهيا إلا بكراهية المنهي عنه، ولو كان مريدا للقبيح لأدى إلى أن يكون مريدا للشئ كارها له، وذلك باطل. وأيضا فلو أراد القبيح لكان محبا له، راضيا به، لأن المحبة والرضا هي الإرادة إذا وقعت على وجه مخصوص، وأجمعت الأمة على خطأ من أطلق ذلك على الله تعالى وقد قال الله تعالى {ما الله يريد ظلما للعباد} و {ما الله يريد ظلما للعالمين} و {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}. ومن أعظم العسر الكفر والقبائح المؤدية إلى العقاب، وقد قال الله تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ومعناه أراد منهم العبادة لأن هذه اللام لام الغرض لأنها لو كانت لام العاقبة لكان كذبا لوجودنا كثيرا من الجن والإنس غير عابدين لله تعالى. وقوله {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا} إلى قوله {إن أنتم إلا تخرصون} واضح في أنه لا يريد القبيح لأنه كذب من أضاف ذلك إلى الله، ومن أنه اتباع للظن دون العلم، وآيات القرآن شاهدة بذلك وهي أكثر من أن تحصى. وقوله {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} اللام ههنا لام العاقبة كما قال {فالتقطه آل فرعون ليكون عدوا وحزنا} ولم يلتقطوه إلا ليكون قرة عين لهم. وقوله {لو شئنا لآتينا كل نفس هداها} إخبار عن قدرته أنه قادر. على أن يلجئ الخلق إلى الهدى والإيمان، لكن لا يفعل ذلك لأنه ينافي التكليف وينتقض الغرض به، وجرى ذلك مجرى قوله {إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين}.

وكذلك كل آية يتعلقون بها فالوجه فيها ما قلناه في هذه الآية، نحو قوله {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} وقوله {ولو شاء الله لهدى الناس جميعا} وما يجري مجرى ذلك من الآيات، فالوجه فيها ما ذكرناه. فلا نطول بذكرها، وقد بينا الوجه فيها جميعه في تفسير القرآن مستوفى لا يحتمل ذكره ههنا.

وقولهم (لو أراد من خلقه الإيمان والطاعة وما لا يقع للحقه بذلك وهن وضعف ونقص، لأن الملك إذا أراد من رعيته ما لا يقع دل على ضعفه) باطل، لأن الأمر بخلاف ما قالوه في الشاهد، لأن السلطان متى أراد من رعيته ما يعود نفعه عليهم لا عليه فلم يقع أو وقع خلافه لا يلحقه ضعف ولا نقص، وإنما يجوز أن يقال ذلك فيما يعود نفعه عليه من نصرته والدفاع عنه مما يستضر بفوته، والقديم تعالى لا يريد إلا ما بكون نفعه للخلق دونه تعالى لاستحالة النفع عليه.

وكيف يشتبه الحال في ذلك ونحن نعلم أن سلطان الاسلام يكره من اليهودي الزمن المقعد الدخول إلى كنيسة ويريد منه الاسلام والدخول في المساجد ومع ذلك فإنما يقع منه دخول الكنيسة دون المسجد، ولا عاقل يقول إن سلطان الاسلام ضعف بذلك. ثم يلزمهم أنه إذا وقع من الكافر خلاف ما أمر الله به أن يلحقه ضعف، لأن الشاهد لا يفصل بين الموضعين.

ولا خلاف أن الله أمر الكافر بالإيمان، ومع هذا فلم يقع ذلك منه، فيجب على أصلهم أن يلحقه ضعف. فبأي شيء فصلوا بين الأمرين فهو فصلنا في الإرادة. وأيضا فالمعلوم ضرورة أن النبي عليه السلام أراد من الكفار كلهم الإيمان ولم يلحقه باستمرارهم على الكفر وهن ولا ضعف ويلزمهم على ذلك أن يكون الله تعالى أمرهم بأن يضعفوه ويوهنوه من حيث أمرهم بما لا يريده منهم على قولهم، وذلك باطل بالاتفاق. وقولهم (لو فعل العبد ما كره الله تعالى لكان قد فعل ما أباه وذلك لا يجوز) باطل، لأن الآباء ليس بكراهية، لأن الآباء هو المنع والامتناع، ولهذا يتمدحون بأن يقولوا (فلا ن يأبى للضيم) أي يمتنع منه، ولا مدحه في أنه يكره الضيم لأن الضعيف أيضا يكرهه.

وتعلقهم بأن المسلمين قالوا (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) وذلك يمنع من أنه أراد الإيمان من الكافر ولم يرد الكفر منه غير صحيح لأن هذا الإطلاق غير مسلم، لأن جميع أهل العدل يمتنعون من إطلاقه.

ثم إن المسلمين أيضا يقولون (لا مرد لأمر الله ولا محيص منه)، وعلى قولهم الكافر قد رد أمر الله، ومتى منعوا من ذلك منعنا مثله وإن تأولوا أولنا.

ولو سلم ذلك لكان المعنى ما شاء الله من فعل نفسه كان وما لم يشأ من فعل نفسه لم يكن أو ما شاء الله من فعل غيره وألجأ إليه كان.

ومتى قالوا لو شاء الله جميع الطاعات لكان القائل إذا حلف أنه يقتضي دينه غدا إنشاء الله إذا لم يقضه يحنث، وأجمعوا على خلافه. قيل: في الناس من قال إنه يحنث وهو أبو علي ومن قال لا يحنث قال المشيئة دخلت اتفاقا للكلام دون أن تكون شرطا ولأجل ذلك تدخل في الماضي وإن كان الشرط لا يدخل في الماضي.

فإن قيل: هل أفعال العباد بقضاء الله وقدره أم لا؟ قلنا: القضاء في اللغة على أربعة أقسام: أحدها: بمعنى الخلق والأحداث، {فقضاهن سبع سماوات في يومين} أي خلقهن وأحدثهن. والثاني: أن يكون بمعنى الحكم، كقوله {الله يقضي بالحق} ومنه اشتقاق القاضي. والثالث: بمعنى الأمر والالزام، كقوله {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} أي أمر وألزم. والرابع: بمعنى الأعلام والأخبار، كقوله {وقضينا إلى بني إسرائيل} أي أعلمناهم وأخبرناهم.

ولا يجوز أن يكون قضى أفعال العباد بمعنى أحدثها، لأن فعل العبد لا يخلو أن يكون قبيحا أو حسنا، فما هو قبيح لا يجوز أن يكون فعلا له، لأنا قد بينا أنه لا يفعل القبيح، وما هو حسن لا يجوز أيضا أن يفعله لأنه فعلنا، والفعل الواحد لا يكون من فاعلين على ما نبينه.

ولا يجوز أن يكون قضاء أفعالهم بمعنى حكم أو أمر وألزم، لأن أحدا من الأمة لا يقول إن الله ألزمنا فعل المعاصي أو حكم علينا بأن نفعلها.

وأما القضاء بمعنى الإعلام والإخبار فإنه يجوز أن يقال على ضرب من التقييد، لأن الله تعالى أخبر وأعلم مالنا في فعل الطاعة من الثواب وما علينا بفعل المعاصي من العقاب، فجاز أن يضاف إلى الله تعالى القضاء على هذا الوجه.

وأيضا فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: يقول الله تعالى: "من لم يرض بقضائي ولم يشكر نعمائي ولم يصبر على بلائي فليتخذ ربا سوا"  فلو كانت المعاصي بقضاء الله وأحداثه لوجب الرضا بها، وذلك خلاف الإجماع.

والقول في القدر على مثل ذلك، لأن القدر يستعمل بمعنى الأحداث والخلق كما قال {وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين} فعلى هذا لا يجوز أن تكون المعاصي بقدر الله، لمثل ما قلناه في القضاء.

وقد يستعمل بمعنى التقدير كما قال تعالى {فقدرنا فنعم القادرون} فعلى هذا يجوز أن يقال: أفعالنا بقدر الله، بمعنى أنه قدر ما علينا من الثواب أو العقاب، فينبغي أن يقيد القول في ذلك ولا يطلق به.

فإن قيل: مضى في الكلام أن الواحد منا محدث لأفعاله وموجد لها، فما الذي يدل على ذلك. قلنا: الدليل على ذلك وجوب وقوعها بحسب دواعينا وأحوالنا وانتفائها بحسب صوارفنا وكراهتنا، فلولا أنها فعلنا لما وجب ذلك كما لا يجب ذلك في طولنا وقصرنا وخلقنا وهيأتنا، ولا تجب أيضا في أفعال غيرنا لما لم تكن متعلقة بنا.

وإنما قلنا بوجوب وقوعها بحسب دواعينا وأحوالنا لأن الواحد منا متى دعاه الداعي إلى القيام أو القعود ولا صارف له عن ذلك ولا مانع، فإنه لا بد أن يقع ما دعاه الداعي إليه، وليس كذلك ما لا تعلق له به كطوله وقصره.

ولا فرق بينهما إلا أنها محدثة بنا ومتعلقة بجهتنا.

ومتى قيل إن ذلك بالعادة، كان ذلك باطلا بالوجوب الذي اعتبرناه، لأن ما يستند إلى العادة لا يجب وقوعه على كل حال. ويلزم على ذلك أن يكون انتفاء السواد بالبياض وحاجة العلم إلى الحياة وما جرى مجراه من الواجبات كله بالعادة، وذلك باطل بالاتفاق. على أن تعلق الفعل بالفاعل لا بد أن يكون معقولا قبل إسناده إلى فاعل معين، ولا يعقل في تعلقه بالفاعل آكد من وجوب تعلقه بدواعيه وأحواله، وهذا حاصل معنى، فينبغي أن يكون كافيا في تعلقه بنا وهو في غيرنا مجوز، ولا يترك المعلوم إلى المجوز على ذلك. ومتى قيل إن أفعالنا تحتاج إلينا في كونها كسبا دون الحدوث. قلنا ذلك باطل، لأن الذي يتجدد عند دواعينا وأحوالنا هو الحدوث لا غير دون شيء من صفاته، فينبغي أن يكون هو من جهة الحاجة دون غيره هو الذي يتجدد عند وجود الحركة كونه متحركا، وكان كونه متحركا هو المحوج إلى الحركة دون غيره والكسب الذي يدعونه غير معقول، فكيف تعلق الحاجة به ويترك الحدوث الذي هو أمر معقول معلوم، والكسب ليس بمعقول ولا معلوم.

فإن قيل: كيف لا يكون معقولا والانسان يفصل بين أن يمشي مختارا وبين أن يسحب على وجهه. قلنا: الفرق يرجع إلى ما قلناه من أن مشيه مختارا متعلق به وبإيثاره، وإذا سحب على وجهه كانت الحركة فيه ضرورية فلذلك فرق بينهما.

فإن قيل: يتجدد عند دواعينا صفات من حسن وقبح وحلول في محل وكونه غرضا وغير ذلك، فلم قلتم أن الذي يتعلق بنا الحدوث دون شيء من ذلك؟ قلنا: أما الحسن والقبح فقد يخلو كثير من الأفعال منهما، نحو كلام الساهي والنائم وحركة أعضائه التي لا يتعداه وحلوله في المحل ليس له به صفة، وإنما يفيد أنه من قبيل ما لا يجب بقاؤه كبقاء المحل. ثم كثير من الأفعال يخلو من محل كالجوهر والغناء وإرادة القديم وكراهته ولا يخلو فعل من حدوث فينبغي أن يكون جهة الحاجة الأمر الشائع في سائر الأفعال وسائر القادرين.

واستقصاء ما يورد على هذا الدليل وشعبه قد استوفيناه في شرح الجمل، وفيما ذكرناه كفاية إنشاء الله. وإنما قلنا: إنما هو مقدور لنا لا يجوز أن يكون مقدورا له لأن ذلك يؤدي إلى كونه موجودا معدوما، لأنا لو فرضنا أن الواحد منا دعته الدواعي إلى إيجاده وجب حدوثه من جهته وإذا لم يرده الله تعالى يجب أن لا يوجد، مجتمع في فعل واحد وجوب حدوثه ووجوب انتفائه، وذلك محال فوجب بطلانه على كل حال. ومما يدل أيضا على أن الواحد منا محدث لأفعاله، أنه يحسن مدحنا على بعض الأفعال وذمنا على بعض، لأن من فعل الطاعة يحسن مدحه ومن فعل الظلم يحسن ذمه، ولا يحسن مدحه ولا ذمه على طوله وقصره وحسنه وقبحه، وإنما كان كذلك لأن الأول متعلق بنا والثاني غير متعلق بنا لا بشيء سواه. وأيضا فإنه يحسن أن يأمر بعضنا بالقيام والقعود وينهاه عنه ولا يحسن أن يأمره. بالطول والقصر ولا ينهاه عنهما، وإنما كان كذلك لأن الأول مقدور له فحسن أمره والثاني غير مقدور له فلم يحسن أمره به ولا نهيه عنه.

فبان بجميع ذلك أن الواحد فاعل، والقرآن يؤكد ذلك، لأنه قال {جزاءا بما كانوا يعملون} و {جزاءا بما كانوا يكسبون} و {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} وقال {ومن يعمل سوءا يجز به}  و {من يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا} وغير ذلك من الآيات التي أضاف الفعل فيها إلينا، [فمن نفا الفعل عنا فقد خالف العقول والقرآن. ومتى قيل: أضافه إلينا] من حيث كان كسبا لنا قلنا: إن الكسب ليس بمعقول، فلا يجوز له أن يعول عليه. على أن عندهم إن المتولد لا كسب للعبد فيه [عندهم، والظلم لا كسب للعبد] فيه لأنه متعد عن محل قدرته لأنه يوجد في المظلوم، وعندهم إنما تعدى محل القدرة عليه لا كسب للعبد فيه فكيف يمكنهم حمل الآية عليه.

ومتى قالوا: إن الكسب الذي هو الظالم في الظلم كالقتل الذي ليس بمستحق عليه والضرب الذي ليس بمستحق عليه وإنه في القاتل والضارب دون المقتول والمضروب. كان ذلك مكابرة للعقول، ويلزم على ذلك أن يكون البناء في الباني دون المبني والنساجة في الناسج دون الثوب المنسوج، وذلك تجاهل من بلغ إليه لا يحسن كلامه. وقوله {والله خلقكم وما تعملون} المراد به الأجسام، لأن الذي كانوا يعبدون الأصنام دون أفعالهم فيها، فعنفهم الله تعالى بأن قال: {أتعبدون ما تنحتون} من الأجسام {والله خلقكم وما تعملون} [من الأجسام التي تنحتون منها الأصنام، وتقدير الكلام وما يعملون] فيه.

على أنه يضاف المعمول فيه إلى أنه عمل الصانع، فيقال هذا الباب عمل النجار وهذا البناء عمل الباني وهذا الخاتم عمل فلان، فيضيفون المعمول فيه إلى العامل، وذلك مجاز. فهذا القدر الذي ذكرناه فيه كفاية واستيفاؤه مذكور في الموضع الذي ذكرناه.