عقائد الشيعة الإمامية / الشيخ الطوسي

 

فصل في ذكر الكلام في الاستطاعة وبيان أحكامها

 

الكلام في الاستطاعة

الاقتصاد - الشيخ الطوسي - ص 59 - 61

الواحد منا قادر على الفعل، بدلالة صحة الفعل منه وتعذره على غيره من الأحياء مع مساواتهما في جميع الصفات، ولا بد من أن يكون من صح منه الفعل مفارقا لمن تعذر عليه، وهذه المفارقة تستند إلى جملة الحي دون أجزائها لأن صحة الفعل راجع إليها.

فبطل بذلك قول من قال: إن ذلك يرجع إلى الصحة أو الطبع أو اعتدال الأمزجة على اختلاف أقوالهم. لأن جميع ذلك يرجع إلى المحل دون الجملة. وهذه الصفة تستند إلى معنى، لأنها تتجدد مع جواز أن لا تتجدد مع تساوي الأحوال والشروط، وبهذه الطريقة أثبتنا المعاني، فيجب من ذلك أن يكون الواحد منا قادرا بقدرة وهذه القدرة تتعلق بالشيء وبمثله وبخلافه وبضده، بدلالة أن الواحد منا متى كان قادرا صح أن يتصرف في جميع ذلك.

ألا ترى أن من قدر على أن يتحرك يمنة قدر أن يتحرك يسرة، والحركة في الجهتين متضادين، وكذلك من قدر على الحركة قدر على الاعتماد والصوت والتأليف وهذه الأشياء مختلفة، وكذلك من قدر على الاعتقادات قدر على سائر أجناسها وقدر على الإرادة والكراهة وهذه الأشياء مختلفة ومتضادة.

فدل ذلك على أن القدرة تتعلق بالشيء وبمثله وبخلافه وضده إذا كان له ضد. وأيضا لو لم تتعلق القدرة بالشيء وبضده وبخلافه لم يقع الفعل بحسب دواعيه وأحواله، بل كان يجب أن يقع بحسب ما يوجد فيه من القدرة، فكان لا يمتنع أن من يدعوه الداعي إلى القيام يقع منه القعود ومن دعاه الداعي إلى الحركة وقع منه الاعتماد، والمعلوم خلاف ذلك.

والقدرة ليست موجبة للفعل بل يختار الفاعل بها الفعل، بدلالة أن مقدور القدرة تابع لدواعيه واختياره، فلو كانت موجبة لبطل ذلك.

والقدرة قبل الفعل دون أن تكون مصاحبة له، بدلالة أن القدرة يحتاج إليها ليخرج بها الفعل من العدم إلى الوجود، فلو وجد مقدورها لاستغنى عنها.

وأيضا فالفعل في حال البقاء يستغني عن القدرة بلا شك، ولا علة لذلك إلا وجوده، فينبغي أن يستغني عنها في أول حال وجوده أيضا.

وأيضا فقد دللنا على أن القدرة قدرة على الضدين وذلك محال، فإذا ثبت ذلك فالقادر على الكفر قادر على الإيمان والقادر على الطاعة قادر على المعصية وإنما يختار أحدهما فإن اختار الكفر فبسوء اختياره، ولو كان الكافر غير قادر على الإيمان لما حسن تكليفه بالإيمان، لأن تكليف ما لا يطاق قبيح وأجمعت الأمة على أنه مكلف بالإيمان.

وإنما قلنا إن تكليف ما لا يطاق قبيح، لأنه مركوز في العقل قبح تكليف الأعمى نقط المصاحف والمقعد العدو والعاجز حمل الأجسام الثقال ونقلها والعلم بقبح ذلك ضروري لاجتماع العقلاء على ذلك، ولا علة لذلك إلا أنه تكليف بما لا يطاق. ومن ارتكب حسن ذلك لم يحسن منا مكالمته، وإنما ينبه على غلطه بضرب الأمثال كما تضرب الأمثال السوفسطائية وأصحاب العنود الذين دفعوا العلم بالمشاهدات والضروريات، وإلا فالاحتياج لا يمكن معهم لأن الاحتجاج إنما يصح فيما يغمض ليرد إلى ما يتضح، فمن دفع الضروريات لا يمكن احتجاجه بالرد إلى ما هو أوضح منه، لأنه لا شئ أوضح من الضروريات فمن دفعها سد الباب على نفسه.

والمراد بقولنا (تكليف ما لا يطاق) هو كلما يتعذر معه الفعل سواء كان ذلك لعدم القدرة أو عدم الآلة، فإن الكل يتساوى في قبح التكليف وإن اختلفت.