عقائد الشيعة الإمامية / الشيخ الطوسي

 

الواجبات الشرعية

 

الواجبات الشرعية فرع على معرفة الله تعالى ومعرفة رسوله

الاقتصاد - الشيخ الطوسي - ص 98 - 101

وأما الواجبات الشرعية فإنها فرع على معرفة الله تعالى ومعرفة رسوله، فهي متأخرة لا محالة. والخوف الذي يقف وجوب النظر عليه يحصل بأشياء: (أحدها) أن ينشأ بين العقلاء ويسمع اختلافهم وتخويف بعضهم لبعض فلا بد أن يخاف من ترك النظر في أقوالهم إذا ترك حب الشوق التقليد وأنصف من نفسه وعمل بموجب عقله، أو يتنبه على ذلك من قبل نفسه إذا رأى إمارات لائحة وجهات الخوف معترضة فلا بد أن يخاف.

وهذا يجوز أن يكون حكم الذي خلقه الله وحده، فإن لم يتفق ذلك أخطر الله تعالى ما يتضمن جهة الخوف وإمارته والتنبيه عليها إما بكلام يسمعه داخل أذنه أو يفعله في الهواء أو يبعث إليه من يخوفه، وكل ذلك جائز. فإذا حصل الخوف وجب النظر.

والذي يتضمن الخاطر هو التخويف من إهمال النظر، ولا بد أن يتنبه على أمارة الخوف، لأن الخوف الذي لا أمارة له لا حكم له، غير أنه يجب تنبيهه على جهة وجوب المعرفة ليعلم الحسن بهذا التخويف، لأن من هدد غيره على أكل طعام بعينه بالقتل يجب عليه الامتناع من أكله ولا يعلم قبح الامتناع ولا حسنه فإذا قال لا تأكله فإن فيه سما وينبهه على جهة أمارة كون السم فيه علم حسن إيجاب الامتناع من الأكل.

فعلى هذا يجب أن يتضمن الخاطر أنك تجد في نفسك آثار الصنعة، فلا تأمن أن يكون لك صانع صنعك ودبرك أراد منك معرفته لتفعل الواجب عليك في عقلك وتنهى عن القبيح وأنت تجد في عقلك قبح أفعال فيها لك نفع عاجل ووجوب أفعال عليك فيها مشقة عاجلة، وتعلم استحقاق الذم على القبيح فإن الذم مما يضرك ويغمك فلا تأمن من أن تستحق مع الذم زائدا على العقاب والألم، ومعلوم أن استحقاق أحدهما أمارة لاستحقاق الآخر.

ثم نقول: متى لم تعرف الله بصفاته وأنه قادر على مجازاتك على القبيح بالعقاب كنت إلى فعل القبيح أقرب ومن تركه أبعد، وإذا عرفته تكون من فعل القبيح أبعد وإلى فعل الواجب أقرب، فيجب عليك حينئذ النظر مع هذا التنبيه على ما ذكرناه.

وكل خاطر يعارض هذا الخاطر ويؤثر فلا بد أن يمنع الله منه وما لا يعارضه ولا يؤثر فيه لا يجب المنع منه، لأن للعاقل طريقا إلى دفعه بعقله. ومعرفة الله تعالى واجبة على كل مكلف، لأن ما هو لطف للمكلف من العلم باستحقاق الثواب والعقاب لا يتم إلا بها، وذلك عام في جميع المكلفين، فيجب أن يكون معرفته واجبة على كل مكلف.

وإنما قلنا أن اللطف في التكلف لا يتم إلا معها لأن من المعلوم ضرورة أن من علم استحقاق العقاب على المعاصي زائدا على استحقاق الذم كان ذلك صارفا له عن فعل القبيح، وكذلك من علم استحقاق الثواب على الطاعة زائدا على المدح كان ذلك داعيا إلى فعله، وإذا كان العلم باستحقاق الثواب والعقاب لا يتم إلا بعد العلم بالله تعالى على صفاته من كونه قادرا عالما وجبت معرفته بهذه الصفة. فيعلم كونه قادرا ليعلم أنه قادر على عقابه وثوابه، ويعلم أنه عالم ليعلم بمبلغ المستحق، ويعلمه حكيما ليعلم أنه لا يخل بواجب من الثواب ولا يفعل القبيح من عقاب غير مستحق. فاللطف في الحقيقة هو العلم باستحقاق الثواب والعقاب.

إلا أنه لا يتم ذلك إلا بعد معرفته تعالى على صفاته وجبت معرفته على صفاته، ولما كانت معرفته لا يوصل إليها إلا بالنظر وجب النظر. والمعرفة الضرورية لا تقوم في ذلك مقام الكسيبة، لأنها لو قامت مقامها لفعلها في الكافر، ونحن نعلم أن كثيرا من الكفار يموت على كفره، فعلم أن الضرورية ليست لطفا.

ومن ادعى أن الكفار عارفون كابر، لأن المعلوم ضرورة موت كثير من الخلق كأبي جهل وأبي لهب على كفرهم. وأيضا كان يجب أن يفعل فينا ونحن نعلم من أنفسنا أنا لسنا مضطرين إلى معرفة الله، فبطل أن تكون الضرورية لطفا.

وقيل إنها لو كانت لطفا لكانت الكسبية آكد، لأن من تكلف مشقة ليبلغ بها غرضا لا يكون تمسكه بذلك الشئ إذا وصل إليه كتمسكه إذا حصل له الشيء من غير مشقة، وشبه ذلك بمن تكلف بناء دار وأنفق عليها ماله وأفنى زمانه لا يكون في تمسكه بها كمن وهبت له تلك الدار، وكذلك من سافر في طلب العلم وتحمل المشاق لا يكون حكمه في التعليم حكم من يقصده العلماء ويقعدون قدامه، والعلم بذلك ضروري.

وإذا كانت المكتسبة آكد وجبت دون الضرورية.

فإن قيل: لو كانت المعرفة لطفا لما عصى أحد. قلنا: اللطف لا يوجب الفعل وإنما يدعو إليه ويقوى الداعي إليه ويسهله فربما وقع عنده الفعل وربما يكون معه أقرب وإن لم يقع، والنوافل إنما لم تكن واجبة لأنها مسهلة للواجبات مؤكدة للداعي. وعندي أنها إنما لم تجب لأنها لطف في المندوبات العقلية، فهي تابعة لما هي لطف فيه. ويجب أن يبقي الله تعالى المكلف قدرا من الزمان يتمكن فيه من تحصيل كمال المعارف به وصفاته وتوحيده وعدله وبعده زمانا يمكنه فعل واجب أو ترك قبيح، لأن الغرض بإيجاب المعرفة كونها لطفا في الواجبات العقلية فلا بد من ذلك.