عقائد الشيعة الإمامية / الشيخ الطوسي

 

فصل في الكلام في الآجال والأرزاق والأسعار

 

الأجل والوقت عبارتان عن معنى واحد والوقت هو الحادث أو ما تقديره تقدير الحادث الذي تعلق حدوث غيره به

الاقتصاد - الشيخ الطوسي - ص 101 - 107

الأجل والوقت عبارتان عن معنى واحد، والوقت هو الحادث أو ما تقديره تقدير الحادث الذي تعلق حدوث غيره به. لأنا نجعل طلوع الهلال وقتا لقدوم زيد فإن كان عالما بطلوع الهلال وغير عالم بقدوم زيد فإن كان عالما بقدوم زيد وغير عالم بطلوع الهلال جاز أن يوقت طلوع الهلال بقدوم زيد.

وما تقديره تقدير الحادث هو أن يقال قدم زيد حين قضى عمرو نحبه، لأن (قضى نحبه) أمر متجدد فجرى مجرى حادث. وعلى هذا لا يجوز التوقيت بالقديم والباقيات، لأنها لا حادثة ولا جارية مجرى الحادث.

فإذا ثبت ذلك فأجل الدين هو وقت حلوله واستحقاقه وأجل الإجارة عند انقضاء المدة المعقود عليها، وأجل الموت هو وقت حصول الموت فيه، وأجل القتل هو وقت حصول القتل، فإذا كان لا وقت لموته وقتله إلا واحدا وهو الذي حدث فيه موته أو قتله وكذلك الأجل.

فعلى هذا إذا علم الله تعالى أنه لو لم يقتل فيه لعاش إليه لا يسمى أجلا، لأن الموت أو القتل لم يقع فيه وبالتقدير لا يسمى أجلا كما لا يسمى بالتقدير وقتا إذا لم يقع فيه الموت أو القتل.

فعلى هذا لا يكون للانسان أجلان وأكثر، ولا يسمى بذلك إلا مجازا كما لا يسمى بالتقدير شيء رزقا ولا ملكا إذا لم يرزق ولم يملك.

ألا ترى أنه إذا علم الله من حال زيد أنه لو بقاه لرزقه أولادا وأموالا وولي ولايات لا يقال إن له أولادا وأموالا وولايات وإن كان لو وصل إليها لوصف بذلك.

وقوله {وهو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده}. لا يدل على إثبات أجلين، لأنه تعالى لم يصرح بأنهما أجلان لأمر واحد. ويحتمل أن يكون أراد بالأجل الأول أجل الموت في الدنيا والأجل الآخر حياتهم في الآخرة، والحياة لها أجل كأجل الموت. وهذا يكون عاما في جميع الخلق وما قالوه لا يكون إلا خاصا لأنه ليس لكل أحد أجلان عند المخالف بل ذلك لبعضهم دون بعض. وقوله تعالى {لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين} وقوله {يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى} لا حجة فيه لأنه لا يمتنع أن يسمى المقدور بأنه أجل مجازا، وإنما منعنا منه حقيقة بدلالة ما قدمناه.

فأما من قتل فالصحيح أنه لو لم يقتل لكان يجوز أن يعيش ولا يقطع على بقائه ولا على موته على ما يذهب إليه طائفتان مختلفتان. وإنما قلنا ذلك لأن الله تعالى قادر على إحيائه وإماتته، ولا دليل على القطع على أحدهما، فيجب أن يجوز كلا الأمرين ويشك فيه، لأنه لا يمتنع أن تتعلق المصلحة بكل واحد من الأمرين.

ويلزم من قال بوجوب الموت لو لم يقتل أن كل من مات بسبب من جهة الله من غرق أو هدم وما أشبههما، إنه لو لم يكن ذلك لمات لا محالة. ويلزم أن يكون من ذبح غنم غيره بغير إذنه محسنا إليه ولا يكون مسيئا لأنه بالذبح قد جعله بحيث ينتفع بها ولو لم يذبحها لماتت ولم ينتفع بها فكان ينبغي أن يمدحه ولا يذمه، ولا يقبل العقلاء عذره إذا قال لو لم أذبحها لماتت فما أسأت إليه، بل كلهم يذمونه ويقولون أسأت إليه. ولا يلزمنا إذا جوزنا موتها مثل ذلك، لأن بالتجويز لا يخرج عن كونه مسيئا وإنما بالقطع يخرج.

ويجري ذلك مجرى تجويزنا فيمن سلب مال غيره وغصبه إياه أن يكون الفقر أصلح له في دينه من الغنى، ولا يقتضي تجويزنا ذلك حين سلب المال لأجل التجويز، وكذلك لا ينبغي أن يقطع على أنه لو لم يقتل لعاش لا محالة، لأنه لولا يمتنع أنه لو لم يقتل لاقتضت المصلحة إماتته، فالشك هو العرض. ولا يخرج هذا التجويز القاتل من كونه ظالما، لأنه أدخل ضررا غير مستحق على غيره لا لدفع ضرر ولا اجتلاب نفع، وهذا حقيقة الظلم.

والقديم تعالى إذا أماته لا يقطع على أنه أدخل عليه ألما، ومتى أدخله عوضه عوضا يخرجه من كونه ظلما. وليس كذلك إذا قلناه، لأن ذلك الألم قبيح لا محالة. والعوض الذي ينتصف الله منه في مقابلته يعذر ولا يخرجه من كونه ظلما.

فإن قيل: فيمن قتل خلقا عظيما أو ذبح غنما كثيرة في حالة واحدة فهل تجوزون موتهم في حالة واحدة أو بقاءهم، فإن أجزتم موتهم في حالة واحدة فالعادة بخلاف ذلك وإن لم تجيزوه بطل قولكم في التجويز.

قلنا: لا يجوز أن يتفق قتل الخلق العظيم في وقت يعلم الله تعالى أن الصلاح احترام جميعهم لولا القتل، وليس ذلك بمبطل لما قلناه، لأن الكلام في كل مقتول معين أن يجوز بقاؤه وموته على حد واحد، لأن الواحد ومن يجري مجراه يجوز أن يتفق مثله في وقت كان يجوز أن تقتضي المصلحة إماتته لولا القتل كما يجوز اتفاق الصدق من الواحد والاثنين في خبر بعينه وإن لم يكن ذلك في الجماعة جائزا.

 

الرزق هو ما صح الانتفاع به للمرزوق على وجه ليس لأحد منعه أو ما هو بالانتفاع به أولى

وأما الرزق فهو ما صح الانتفاع به للمرزوق على وجه ليس لأحد منعه أو ما هو بالانتفاع به أولى.

والدليل على ذلك: أن ما اختص بهذه الصفة سمي رزقا وما لا يكن كذلك لا يسمى رزقا. ولا يصح الرزق عليه تعالى، لاستحالة المنافع عليه. والبهائم مرزوقة لجواز الانتفاع عليها، وكل شيء ليس لنا منعها منه فهو رزقها نحو شرب الماء من النهر الكبير أو ما تأخذ بفيها من الكلأ المباح.

وقيل ذلك لا يسمى زرقا لها، لأن لنا منعها منه بالسبق لها إليه، ومتى سمي الكلأ والماء قبل التناول بأنه رزق لانسان أو بهيمة كان مجازا، ومعناه أنه يصير رزقا له إذا تناوله.

والملك والرزق يتداخلان في الشاهد ولا ينفصلان، والقديم يوصف بأنه مالك ولا يوصف بأنه مرزوق، لما قلناه من استحالة المنافع عليه، فصار من شرط تسميته رزقا صحة الانتفاع به، وليس ذلك من شرط تسميته بالملك. وفي الناس من قال الملك منفصل من الرزق لأنهم يقولون في الكلأ والماء أنه رزق للبهائم ولا يسمونه بأنه ملك لها.

والصحيح الأول، وإنما لا يسمى رزق البهيمة ملكا لأن من شرط تسميته بالملك أن يكون عاقلا أو في حكم العاقل من الأطفال والمجانين. وقالوا أيضا: من أباح طعامه لغيره يوصف بأنه رزق له ولا يقال أنه ملكه قبل تناوله.

قلنا: لا فرق بينهما، لأن قبل تناوله فهو رزقه وملكه وليس له منعه منه كالكلأ والماء، ويجوز تسمية الولد بأنه رزق، وكذلك العقل لا يمتنع أيضا تسميته بأنه ملك والمعنى أن له الانتفاع بولده وبعقله، فلا فرق بينهما.

وحقيقة الملك أن من يقدر على التصرف في شيء ليس للآخر منعه منه فهو مالك له، ويسمى الله تعالى بأنه مالك يوم الدين لهذا المعنى، ولذلك يوصف الإنسان بأنه يملك داره وعبده لأنه يقدر على التصرف فيهما وليس لأحد منعه فيه، ولذلك لا تسمى دار غيره بأنها ملكه وإن كان قادرا على التصرف فيها لأن للغير منعه منها.

فإذا ثبت ذلك فالحرام ليس برزق لنا، لأن الله تعالى منع عنه بالحظر ويجب علينا المنع منه مع الامكان، ولو كان الحرام رزقا للزم أن يكون أموال الناس رزقا للغاصبين والظالمين ويلزم فيمن وطئ زوجة غيره أن يكون ذلك رزقا له كما أنه إذا وطئ زوجة نفسه يكون كذلك.

وقد أمر الله تعالى بالاتفاق من الرزق في قوله {وأنفقوا مما رزقناكم} ومدح عليه بقوله {ومما رزقناهم ينفقون} ولا خلاف في أنه ليس له أن ينفق من الحرام، وإذا أنفق لا يستحق المدح بل يستحق الذم. ويصح أن يأكل الإنسان رزق غيره كما يصح أن يأكل مال غيره.

والرزق يضاف إلى الله تعالى تارة وأخرى إلى العباد، فإذا أريد بالرزق الجسم الذي يصح الانتفاع به أو بطعمه أو رائحته فمعلوم أن ذلك من خلق الله تعالى فيضاف إليه لا محالة، ومتى عبر به عن تصرفنا فيه على الوجه الذي ينتفع به فإنه أيضا يضاف إليه تعالى، لأنه لولاه لما صح منا التصرف والانتفاع به، لأنه مكن منه بالقدرة والآلات، ولو لم يكن إلا خلق الحياة والشهوة لكفى لأنهما الأصل في المنافع، فإضافته إليه تعالى من هذا الوجه واجبة.

وأما ما يضاف إلى الواحد منا فيجوز أن يهبه له أو يوصى له وما يجري مجراه، فإنه يقال رزقه. ومن ذلك قولهم إن رزق السلطان جنده ولا يقال فيما يملك بالمعاوضة بالبيع أنه رزق من البائع، لأنه قد أخذ عوضه، ولا يقال في الميراث أنه رزق من الميت لأن سبب ذلك من غير جهته وبغير اختياره، وكذلك لا يقال أن الغنائم رزق من الكفار لأنها بغير اختيارهم، بل كل ذلك رزق من الله تعالى الذي حكم به.

 

السعر عبارة عن تقدير البدل فيما يباع به الأشياء ولا يسمى نفس البدل بأنه سعر

وأما السعر فإنه عبارة عن تقدير البدل فيما يباع به الأشياء، ولا يسمى نفس البدل بأنه سعر، فلا يقولون فيمن معه دراهم ودنانير أن معه أسعارا وإن كانت أثمانا للمبيعات وبوصف تقديرها بذلك فيقال هذا المتاع بكذا وكذا درهما. ولا يلزم على ذلك قيم المتلفات أن يسمى سعرا، لأنا تحرزنا منه بقولنا (فيما يباع به الأشياء).

وفي الناس من شرط في حد السعر أن يكون ذلك على جهة التراضي، احترازا من قيم المتلفات. وذكر البيع على ما قلناه يغني عن ذلك. والسعر يكون غالبا ويكون رخيصا، فالرخص هو انحطاط السعر عما جرت به العادة في وقت ومكان مخصوص، لأن انحطاط سعر الثلج في الجبال الباردة لا يسمى رخيصا وكذلك في زمان الشتاء، فلذلك اعتبرنا الوقت والمكان. والغلاء هو زيادة السعر على ما جرت به العادة والوقت والمكان واحد لمثل ما قلناه في الرخص.

ويضاف الرخص والغلاء إلى من فعل سببهما، فإن كان سببهما من جهة الله أضفنا إليه، وإن كان سببهما من جهة العباد أضيفا إليهم، فما يكون سببه من الله تعالى في الرخص فهو تكثير الحبوب وتقليل الناس وتنقيص شهواتهم للأقوات فيرخص عند ذلك فيضاف إلى الله تعالى، وسبب الغلاء عكس ذلك من تقليل الحبوب وتكثير الناس وتقوية شهواتهم للأقوات، فيغلو فيضاف عند ذلك إلى الله. وما يكون سببه من العباد في الرخص فنحو جلب الغلات وبيعها أو حمل الناس على ذلك والزامهم إياهم بنقصان من السعر، وعكس ذلك الغلاء بأن يحتكروا الغلات ويمنعوا من جلبها ويسعروها بأثمان غالية على العباد، فتنسب عند ذلك الغلاء والرخص إلى العباد الذين سببوا ذلك.