عقائد الشيعة الإمامية / الشيخ الطوسي

 

فصل في ذكر أحكام المكلفين في القبر والموقف والحساب وغير ذلك مما يتعلق بالوعيد

 

عذاب القبر

الاقتصاد - الشيخ الطوسي - ص 135 140

أجمعت الأمة على عذاب القبر لا يختلفون فيه، وما يحكى عن ضرار بن عمرو من الخلاف فيه لا يعتد به لأنه سبقه الإجماع وتأخر عنه وإن اختلفوا في وقت عذاب القبر: فقال جمهور الأمة من أصحاب الحديث أنه حين الدفن، وقال قوم يجوز أن يكون عند قيام الساعة. والظواهر لا يمكن الاستدلال بها على ثبوت عذاب القبر، لأنها مجملة نحو قوله {ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} وغير ذلك، وقد بينا القول فيها في شرح الجمل.

وأنكر قوم عذاب القبر، فقالوا هو محال، ومنهم من قال هو قبيح. وقولهما يبطل بحصول الإجماع على ثبوته وأنه واقع، وذلك يدل على جوازه وحسنه أيضا، فالميت إذا أعيد حيا جاز أن يعاقب، فلا وجه لإحالته. فأما من أحاله ربما ظن أنه يعاقب وهو ميت، وهذا لا يقوله أحد.

وأما ضيق القبر عن العقاب فإنه يجوز أن يوسعه الله تعالى حتى يمكن ذلك، وإن كان المتولي لذلك الملائكة فلا يحتاجون إلى سعة موضع.

وإذا كان العقاب مستحقا فإنه يجوز أن يكون في تقديم بعضه مصلحة للمكلفين من البشر والملائكة، فيقدم منه بعضه في الدنيا كالحدود وبعضه في القبر، لما في الإخبار به من المصلحة في دار التكليف. ومتى قال لا حال ينبش فيها الميت إلا ويوجد على ما هو عليه، فأما من قال ليس لعذاب القبر وقت لا يلزمه ذلك، ومن قال هو عقيب الدفن يقول لا يمتنع أن لا يعقل إذا أردنا نبش القبر لما فيه من المصلحة. ومتى قيل: لو عوقب لوجب أن يكون عاقلا قادرا على الكلام فكان يسمع كلامه. قلنا: كمال العقل لا بد منه، فلا يجب أن يكون قادرا على الكلام إما بأن لا يكون فيه قدرة أصلا أو يكون ممنوعا منه.

 

الملكان النازلان على الميت

وأما الملكان النازلان عليه فإنما سميا منكرا ونكيرا اشتقاقا من استنكار المعاقب لفعلهما أو نفوره عنهما، وليس بمشتق من الانكار.

 

المحاسبة والمسألة في الموقف

وأما المحاسبة والمسألة في الموقف -وإن كان الله تعالى عالما بأحوالهم لأنه عالم لنفسه- لا يمتنع أن يكون في تقديمه غرض، لأن بالمحاسبة والمسألة وشهادة الجوارح يظهر الفرق بين أهل الجنة والنار ويتميز بعضهم من بعض فيسر بذلك أهل الجنة ويكثر بذلك نفعهم، ويكون لنا في العلم به مصلحة في دارا التكليف.

والاجماع حاصل على المحاسبة والقرآن يشهد به لقوله تعالى {وكفى بنا حاسبين}. وكذلك شهادة الجوارح ونشر الصحف مجمع عليه، والقرآن شاهد به، لكن المسألة وإن كانت عامة فهي على المؤمنين سهلة وعلى الكافرين صعبة، لما فيها من التبكيت والمناقشة.

 

كيفية شهادة الجوارح

وأما كيفية شهادة الجوارح فقال قوم بينها الله تعالى متى يشهد، وقيل إن الله تعالى يفعل فيها الشهادة وأضافها إلى الجوارح مجازا، وكلا الأمرين مجاز.

وقيل إن الشاهد هو العاصي نفسه يشهد على نفسه بما فعله ويقربه ويكون ذلك حقيقة، وقيل إنه تظهر فيه أمارة تدل على الفرق بين العاصي والمطيع. وكل ذلك جائز.

 

الميزان

فأما الميزان فقال قوم إنه عبارة عن العدل والتسوية والقسمة الصحيحة كما يقولون كلام فلان موزون وأفعاله موزونة. وهذا وجه حسن يليق بفصاحة الكلام.

وقال قوم: المراد به الميزان والكفتين، وإن الأعمال وإن لم يصح وزنها والصحف التي فيها هذه الأعمال يصح وزنها.

وقيل: إنه يجعل النور في إحدى الكفتين والظلمة في الأخرى، ويكون لنا في الإخبار عن ذلك مصلحة في التكليف.

 

الصراط

وأما الصراط فقد قال قوم إنه طريق أهل الجنة والنار، وإنه يمهد لأهل الجنة ويتسهل لهم سلوكه ويضيق على أهل النار ويشق عليهم سلوكه. وقال آخرون المراد به الحجج والأدلة المفرقة بين أهل الجنة والنار المميزة بينهم.

 

أهل الآخرة فالتكليف عن جميعهم زائل مثابين كانوا أو معاقبين

فأما أهل الآخرة فالتكليف عن جميعهم زائل مثابين كانوا أو معاقبين، وإنما كان كذلك لأنهم لو كانوا مكلفين لجاز منهم وقوع التوبة فيسقط عقابهم، وذلك يمنع منه الإجماع. ويمنع أيضا من استحقاق ثواب أو عقاب لإجماعهم على أنه ليس بدار استحقاق، ولأن من شأن الثواب أن يكون خالصا صافيا من أنواع الشوب والكدر، والتكليف ينافي ذلك، فعلى هذا قوله {كلوا واشربوا} صورته صورة الأمر والمراد به الإباحة المحضة.

وقال قوم: إنه أمر لا يزيد في سرورهم إذا علموا أن الله يريد منهم ذلك، إلا أنهم لا يختلفون أن ذلك ليس على وجه التكليف وأنه لا مشقة عليهم في ذلك.

 

شكر أهل الآخرة لنعم الله تعالى

وأما شكرهم لنعم الله تعالى فما يرجع إلى الاعتقاد فهم مضطرون إليه، لأن معارفهم ضرورية فهي خارجة عن التكليف، وما يرجع إلى اللسان فيجوز أن يكون لأهل الجنة فيه سرور، ومعارف أهل الآخرة ضرورة، وهم ملجأون إلى أن لا يفعلوا القبيح، ولا بد أن يعرفوا الله تعالى، لأن المثاب لا بد أن يعلم أن الثواب واصل إليه على الوجه الذي يستحقه، ولا يصح ذلك إلا مع كمال العقل والمعرفة بالله تعالى وحكمته، ليعلم أن ما فعله به هو الذي استحقه.

والقول في المعاقب مثله، لأن من شرط الثواب أن يصل إلى مستحقه مع الاعظام والاكرام من فاعل الثواب [لأن الاعظام من غير فاعل الثواب] لا يؤثر فيه، والاعظام لا يعلم إلا مع القصد إلى التعظيم، ولا يجوز أن يعلم قصده من لا يعلمه.

وكذلك القول في العقاب، ووصوله على سبيل الاستخفاف والإهانة. ولأن المثاب يجب أن يعلم أن ما فعل به يستحقه، ومتى لم يعلم ذلك جوز أن يكون تفضلا فيعتقده فيكون معرضا لجهل، وكذلك لا يتم إلا بعد معرفة الله تعالى.

وكذلك أهل النار متى لم يعلموا أن ما يصل إليهم يستحقونه جوزوا أن يكون ظلما، وربما اعتقدوه كذلك، فيكونون معرضون للجهل، وذلك لا يجوز ولقائل أن يقول: العاقل يعلم قبح اعتقاد لا يأمن كونه جهلا فهو إذا لم يعلم الثواب مستحقا أو العقاب وجب عليه التوقف ولا يقدم.

فإذا وجبت معرفة الله تعالى فلا يخلو أن يعرفه ضرورة، أو يكون عن نظر مختار، [أو ملجأ إلى فعله، أ وتذكر نظر، أو بأن يلجأ الفاعل إلى نفس المعرفة من غير تقدم نظر]. ولا يجوز أن تكون واقعة عن نظر مبتدأ، لأن ذلك تكليف ومشقة، وقد بينا أنه ليس هناك تكليف. ولا يجوز أن يكونوا ملجئين إلى النظر، لأن الالجاء إلى النظر مع إمكان الالجاء إلى المعرفة عبث، ولأن ذلك أيضا فيه مشقة. وما يمنع من الالجاء إلى نفس المعرفة يمنع من الالجاء إلى سبب المعرفة.

ولا يجوز أن يقع عن تذكر نظر، لأن المتذكر يجوز أن يدخل عليه شبهة فيلزمه حلها، وفي ذلك رجوع إلى التكليف الذي بينا فساده. وليس لأحد أن يقول: لا تعترض الشبهات في الآخرة مع مشاهدة تلك الآيات والأحوال، وذلك أن جميع ذلك لا يمنع من دخول الشبهة وأن تكون المعرفة مكتسبة، كما أن من شاهد المعجزات لم يمنع من ذلك في دار الدنيا. ولا يجوز أن يقع الالجاء إلى نفس المعرفة، لأن الالجاء إلى أفعال القلوب التي لا يعلمها إلا الله لا يجوز أن تقع إلا من الله.

وإذا وجب أن يكون الملجأ إلى العلم عارفا بالله فقد استعصى بتقدم المعرفة عن الالجاء إليها. وقد قيل: إن الالجاء إلى العلم إنما يكون بأن يعلم أنه متى خاف اعتقادا غيره منع منه، فإقدامه على الاعتقاد الذي وصفنا حاله لا يكون لأجله الاعتقاد علما، فلم يبق من الأقسام إلا أن تكون المعرفة ضرورية.

 

لا يجوز أن يكون أهل الآخرة مضطرين إلى أفعالهم

ولا يجوز أن يكون أهل الآخرة مضطرين إلى أفعالهم على ما حكي عن أبي الهذيل، لأن الاضطرار إلى الأفعال ينقص من لذتها، لأن التخير في الأفعال أبلغ في باب اللذة والسرور.

وأيضا فإن الترغيب في الثواب هو على الوجه المألوف وذلك يكون مع التخير في الأفعال.

وإذا ثبت ذلك في المثاب وجب مثله في المعاقب، لأن أحدا لا يفرق بينهما. على أن الله تعالى أخبر بأنهم يأكلون ويشربون ويفعلون، فأضاف الفعل إليهم، وذلك يوجب اختيارهم. وقال {وفاكهة مما يتخيرون}، وذلك صريح بما قلناه.

فإذا ثبت أنهم مخيرون ولم يجز أن يكونوا مكلفين لما مضى فيهم، فهم ملجأون إلى ترك القبيح، بأن يخلق الله فيهم العلم بأنهم متى راموا القبيح منعوا منه.

ويمكن أن يقع الالجاء بأن يعلمهم الله بأنهم مستغنون بالحسن عن القبيح فلا يكون لهم داع له إلى فعل القبيح ملجأ، وذلك أن الالجاء لا يجوز إلا على من يجوز عليه المنافع والمضار، وإذا لم يجز على القديم لم يصح فيه معنى الالجاء.