عقائد الشيعة الإمامية / الشيخ الطوسي

 

في الرد على المخالف في بعثة الرسل من البراهمة الذين خالفوا في حسن بعثة الرسل

 

والمخالف في بعثة الرسل طوائف: منهم البراهمة الذين خالفوا في حسن بعثة الرسل، ومنهم اليهود وهم فرق: منهم من خالف في جواز النسخ عقلا، ومنهم من خالف في النسخ سمعا، ومنهم من أجاز النسخ وخالف في نبوة نبينا عليه السلام.

ولنا في الكلام على هؤلاء طريقان:

أحدهما- أن يدل على أن الله تعالى بعث أنبياء وصحت نبوتهم، فلولا أنه كان حسنا لما ثبت ذلك لأنه تعالى لا يفعل القبيح.

ومتى تكلمنا على هذا الفصل فينبغي أن نتكلم في صحة نبوة نبينا عليه السلام، لأنه المهم الذي نحتاج إليه لتعلق مصالحنا بشرعه دون من بعدوا من الرسل الذين نسخ شرعهم.

ومتى ثبت لنا نبوته عليه السلام بطلت جميع الأقوال، قول من خالف في حسن البعثة أو خالف في جواز النسخ عقلا أو شرعا أو خالف في نبوة نبينا، فصار الكلام في ذلك أولى من غيره.

والطريقة الثانية- أن نتكلم على فرقة فرقة بكلام يخصهم، فنتكلم أولا في حسن البعثة ليبطل مذهب البراهمة ثم نتكلم في نبوة نبينا عليه السلام.

 

في حسن بعثة الرسل ووجوبها

يجب إظهار المعجزات على يد الرسل

والذي يدل على الفصل الأول من هذه الأقسام وهو الكلام في حسن البعثة هو أنهم يؤدون إلينا ما هو مصلحة لنا في التكليف العقلي، ولا يمكننا معرفة ذلك بالعقل.

ولا يمتنع أن يعلم الله أن في أفعال المكلف ما إذا فعله دعاه إلى فعل الواجب العقلي أو صرفه عن القبيح العقلي، أو ما إذا فعله دعاه إلى فعل القبيح أو الاخلال بالواجب، فيجب أن يعلمنا ذلك، لأن الأول لطف لنا والثاني مفسدة، ويجب عليه تعالى إزاحة علة المكلف في فعل اللطف على ما مضى القول فيه.

ولا يمكن إعلام ذلك إلا ببعثة الرسل الذين يعلمونا ذلك، لأنه لا يمكننا الوصول إليه بضرورة العقل ولا باستدلال، ولا يحسن خلق العلم الضروري بذلك لأنه ينافي التكليف، فلم يبق بعد ذلك إلا بعثة الرسل ليعرفونا ذلك.

وعلى هذا الوجه متى حسنت البعثة وجبت، ولا ينفصل الحسن من الوجوب. وإنما قلنا (لا يحسن خلق العلم الضروري بذلك) لأنا بينا أن معرفة الله تعالى إنما تكون لطفا إذا كانت كسبية، والعلم بالشرائع فرع على العلم بالله، فلا يجوز أن يكون الفرع ضروريا والأصل كسبيا، فيكون الفرع أقوى من الأصل.

ويجوز أن يبعث الله تعالى نبيا ليؤكد ما في العقول وإن لم يكن معه شرع، ولا يكون ذلك عبثا، لأنه لا يمنع أن يكون نفس بعثته لطفا للمكلفين.

فعلى هذا يجب إظهار المعجزات على يده، لأنا فرضنا أن في بعثته لطفا ولو لم يكن في بعثته لطف لما كان أيضا عبثا، كما لا يكون نصب أدلة كثيرة على شئ واحد عبثا وإن كان الدليل الواحد كافيا في هذا الباب.

وأما النظر في معجزة فإن كان معه شرع أو كان نفس بعثته لطفا فإنه يجب علينا، وإن لم يكن كذلك بل بمجرد ما في العقل فإنه يحسن النظر في معجزه وإن لم يجب. ومتى التزمنا على ذلك جواز إظهار المعجزات على يدي الأئمة والصالحين فإنا نلتزمه، وسنتكلم عليه فيما بعد إنشاء الله.

ويحسن بعثة الأنبياء لأمور أخر، نحو تعريفنا القطع على عقاب الكفار، وليعرفونا بعض اللغات، وليعرفونا الفرق بين السموم القاتلة والأغذية، وكثيرا من مصالح الدنيا على ما بيناه وفرعناه في شرح الجمل، وإن لم يكن جميع ذلك واجبا، لإمكان الوصول إلى هذه الأشياء من غير جهة الأنبياء، على ما بيناه في الشرح.

وقول البراهمة: إن النبي لا يخلو أن يأتي بما يوافق العقل أو بما يخالفه فإن أتى بما يوافقه فالعقل فيه كفاية، وإن أتى بما يخالفه فما يخالف العقل [لا يلتفت إليه لأنه قبيح بالاتفاق. باطل، لأنا نقول: الشرع لا يأتي إلا بما يوافق العقل] على طريق الجملة لا على طريق التفصيل، وتفصيله لا يمكن معرفته بالعقل، فيبعث الله تعالى نبيا ليعرفنا تفصيل ذلك.

فأما ما يعلم مفصلا بالعقل فلا يحتاج إلى بعثة الأنبياء فيه، وإنما قلنا ذلك لأن العقل دال على وجه الجملة على أن ما دعا إلى فعل واجب مثله وما صرف عن قبيح يجب فعله، وما يدعوا إلى قبيح أو إخلال بواجب يجب تجنبه.

وإذا كان هذا معلوما جملة ويحصل ذلك في بعض الأفعال التي لا نعلم بالعقل كونه كذلك ويجب إعلامنا ذلك ولا يتم ذلك إلا ببعثة رسول على ما بيناه. وإنما يكون منافيا لما في العقل أو نفي السمع ما أثبته العقل أو أثبت ما نفاه والأمر بخلافه.

ومثل ذلك ما نعلمه عقلا وجوب دفع المضار عن النفس وقبح الظلم على طريق الجملة، ثم يرجع في حصول بعض المضار في كثير من الأفعال إلى التجربة والعادات أو إلى الخبر، فلا نكون بذلك مخالفين لما في العقل. وكذلك القول في السمع.

وقولهم: إن الصلاة والصوم والطواف قبائح في العقل، لا يجوز أن يتغير كما لا يجوز أن يتغير قبح الظلم والكذب وغير ذلك. باطل، لأن القبائح في العقل على ضربين: أحدهما لا يجوز تغييره كالظلم والكذب والمفسدة والجهل وغير ذلك، ولا يجوز أن يرد السمع بخلافه.

والثاني ما يجوز أن يتغير من حسن إلى قبح ومن قبح إلى حسن كالضرر الذي متى عري من استحقاق نفع أو دفع ضرر كان قبيحا ومتى حصل بعض هذه الأمور كان حسنا.

والصلاة والصوم وجميع العبادات إنما يقبح في العقل متى خلت من فائدة ومنفعة وغرض، فإذا عرض فيها نفع وغرض صحيح فإنما يخرج من القبح إلى الحسن وإذا كان السمع ورد بأن لنا في هذه العبادات منافع وجب أن يحسن، لأنا لو علمنا ذلك بالعقل لعلمنا حسنه.

ولا طريق إلى معرفة النبي إلا بالمعجز، والمعجز في اللغة عبارة عمن جعل غيره عاجزا، مثل المقدور الذي يجعل غيره قادرا إلا أنه صار بالعرف عبارة عما يدل على صدق من ظهر على يده واختص به، والمعتمد على ما في العرف دون مجرد اللغة.

 

في تعريف المعجز الذي هو طريق إلى معرفة النبي

والمعجز يدل على ما قلناه بشروط: أولها أن يكون خارقا للعادة، والثاني أن يكون من فعل الله أو جاريا مجرى فعله، والثالث أن يتعذر على الخلق جنسه أو صفته المخصوصة، والرابع أن يتعلق بالمدعي على وجه التصديق لدعواه.

وإنما اعتبرنا كونه خارقا للعادة لأنه لو لم يكن كذلك لم يعلم أنه فعل للتصديق دون أن يكون فعل بمجرى العادة. ألا ترى أنه لا يمكن أن يستدل بطلوع الشمس من مشرقها على صدق الصادق ويمكن بطلوعها من مغربها، وذلك لما فيه من خارق العادة.

واعتبرنا كونه من فعل الله لأن المدعي إذا ادعى أن الله تعالى يصدقه بما يفعله فيجب أن يكون الفعل الذي قام مقام التصديق من فعل من طلب منه التصديق وإلا لم يكن دالا عليه، وفعل المدعي كفعل غيره من العباد لأنه لا يدل على التصديق، وإنما يدل فعل من ادعى عليه التصديق.

فإن قالوا: ليس لو كان القرآن من فعل النبي عليه السلام لدل على صدقه وكذلك نقل الجبال وطفر البحار يكون معجزا، وإن كان جميع ذلك من فعل المدعي للنبوة.

قلنا: لو كان القرآن من فعله وخرق العادة بفصاحته لكان المعجز في الحقيقة اختصاصه بالعلوم التي يأتي منه بها هذه الفصاحة وتلك العلوم من فعل الله، وكذلك طفر البحار ونقل الجبال إنما يكون المعجز اختصاصه بالقدر الذي خلقها الله تعالى فيه التي يمكن بها من ذلك، وتلك من فعله تعالى ولم يخرج عما قلناه.

هذا على مذهب من يقول بالصرفة، وأما من يعتبر مجرد خرق العادة فقط فإنه يقول: إن ذلك الكلام الخارق للعادة أو حمل الجبال هو المعجز، لأنه لو لم يكن كذلك لما مكن الله تعالى منه.

وإنما اعتبرنا أن يكون متعذرا في جنسه أو صفته لأنا متى لم نعلمه كذلك لم نأمن أن يكون من فعل غير الله، وقد بينا أنه لا بد أن يكون من فعله وسوينا بين تعذره في جنسه وصفته، لأن تعذر الجنس إنما دل من حيث كان ناقصا للعادة لا من حيث كان مختصا به تعالى، وكذلك إذا كان متعذرا [في صفته] وإن كان جنسه مقدورا تصديقا لهذا المدعى.

وإنما يعلم كونه خارقا للعادة بالرجوع إلى العادات المستقرة المستمرة، وذلك معلوم عند العقلاء، فإذا انتقضت بذلك لم يخف على أحد.

ألا ترى أن أحدنا لا يشك في طلوع الشمس من مشرقها ولا يعرفون خلقا ولد إلا من وطي، فإذا شاهدوا طلوعها من مغربها أو خلق حي من غير ذكر أو أنثى علموا أنه خارق للعادة. وعلى هذا افتتاح العادات لا تكون عادة. ومتى خلق الله تعالى خلقا ابتداءا من مصلحته معرفة الشرائع ولم تعرف العادة لم يحسن أن يكلف حتى يبقيه غير مكلف زمانا يعرف فيه العادات، فإذا عرفها حينئذ كلفه وبعث إليه من يمكنه أن يستدل على صدقه بانتقاض ما عرف من العادات قبل تكليفه.

والعادة قد تكون عامة، وقد تكون خاصة، وقد تكون في بعض البلاد دون بعض. فعلى هذا الاعتبار بانتقاض من تلك العادة عادة له، وإنما نعلم أنه من فعله إذا عرفنا تعذره علينا على كل حال مع ارتفاع الموانع المعقولة كالحياة والقدرة وخلق الجسم، أو يقع على وجه مخصوص لا يقدر عليه أحد من الخلق كنقل الجبال وفلق البحر.

والكلام الخارق للعادة بفصاحته، إنما نعلم اختصاصه بالمدعي بأن نعلمه مطابقا لدعواه، فإن ادعى الدلالة على تصديقه طلوع الشمس من مغربها فطلعت فذلك غاية المطابقة، ويجري مجرى أن يصدقه بكلام يتضمن تصديقه فعلم أنه بكلامه، لأنه لا فرق في الشاهد. فمن ادعى على غيره أنه رسوله بين أن يقول ذلك الغير صدقت وبين أن يقول المدعي الدليل على صدقي أنه يفعل فعلا من الأفعال لم تجر عادته بذلك، ثم يفعل ذلك الغير ما اقترحه، فإنا نعلم أنه صدقه.

وليس لأحد أن يقول في التصديق بالقول مواضعة متقدمة وهو صريح في التصديق، وليس في الفعل الذي التمسه مواضعة، فكيف يعلم أنه قصد التصديق وذلك الكلام وإن كان فيه مواضعة متقدمة ففي الفعل ما يجري مجرى المواضعة وهو طلب شيء مخصوص، فهذا يجري مجرى مواضعة متقدمة في ذلك على التصديق.

لأنا قد بينا أنه لا يكون دالا لمساواته له في كونه خارقا للعادة. وإنما قلنا أنه لا بد أن يختص بالمدعي، لأنا إن لم نراع ذلك لم يعلم اختصاصه به ولا تعلقه.

وجوزنا مع هذه المطابقة أن لا يكون فرقا بين التصديق بالقول وبين فعل ما يلتمسه المدعي إذا لم تجربه عادة، والعقلاء لا يفرقون بينهما.

ومتى قيل: إن أحدنا يعلم قصده ضرورة بفعله، فيعلم أنه صدقه إذا فعل عقيب الدعوى، وليس كذلك القديم تعالى، لأنه لا يعلم قصده ضرورة.

قلنا: لا نعلم قصد أحدنا ضرورة بالتصديق بفعل ما يطابق الدعوى من تصديق بكلام أو فعل ملتمس به على وجه مخصوص، ومع هذا يعلم أنه صدقه ولو لم يكن صدقه لكان قبيحا، فقد ساوى القديم في هذا الباب.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يفعل تعالى ما يخرق العادة للمصلحة دون التصديق فلا يمكنهم أن يعلموا أنه فعل للتصديق. قلنا: لا يجوز أن يفعل تعالى ما يخرق العادة إلا للتصديق، كما لا يجوز أن يقول قولا يتضمن التصديق ولا يقصد التصديق بل يفعله للمصلحة.

ولا فرق بين القول والفعل في ذلك، ولذلك لو قال الواحد منا لمن ادعى عليه أنه أرسله صدقت ولا يقصد تصديقه كان مقبحا وإن قصد إلى وجه آخر.

ألا ترى أنه لو قال عقيب ذلك أردت بذلك تصديق الله لم يعذره العقلاء في ذلك بل يستقبحون منه ما فعله ويذمونه عليه. ولا يجب في مدع النبوة أن يعين ما يلتمسه من المعجز وإن كان لو عين لكان أبلغ، بل يكفي أن يلتمس ما يدل على صدقه على الجملة، فإذا فعل الله تعالى عقيب ذلك ما يكون خارقا للعادة دل على صدقه كدلالة ما عينه، لأن المعين إنما دل على صدقه من حيث كان خارقا للعادة ومطابقا للدعوى ومختصا به ومفعولا عقيب الدعوى، وكل ذلك حاصل فيما ليس بمعين، فيجب أن يكون دالا على صدقه.

ولا يلزم في مدعي النبوة أن يطلب المعجز بلسانه، لأن ادعاء النبوة يتضمن وجوب تصديقه بالمعجز على مجرى العادة، فإن ادعى لفظا جاز كما لو عين المعجز جاز وإن لم يكن ذلك واجبا على ما بيناه.

 

 

إذا كان فائدة المعجز تصديق من ظهر على يده فيجب جواز ظهوره على يد بعض الأئمة والصالحين إذا ادعوا الإمامة والصلاح وكانوا صادقين

لا وجه لقبح ظهور المعجز على يدي من ليس بنبي إذا كان صادقا من كونه كاذبا أو ظلما أو عبثا أو مفسدة

وإذا كان فائدة المعجز تصديق من ظهر على يده فيجب جواز ظهوره على يد بعض الأئمة والصالحين إذا ادعوا الإمامة والصلاح وكانوا صادقين، فإنه إذا كان مقتضاه تصديق من ظهر على يده فإن كان ذلك مدعيا للنبوة علمنا نبوته وإن كان مدعيا للإمامة علمنا بها صدقه وإن ادعى صلاحا فمثل ذلك، لأنه لا بد من دعوى يقترن بها.

وأيضا فلا وجه لقبح ظهور المعجز على يدي من ليس بنبي إذا كان صادقا من كونه كاذبا أو ظلما أو عبثا أو مفسدة.

وهذه هي وجوه القبح المعقولة في العقل، فإن ادعوا وجها غير ذلك فليبينوه لنتكلم عليه.

وليس يمتنع أيضا أن يعترض في ظهور المعجز على يدي من ليس بنبي وجه من وجوه المصلحة واللطف، فيجب إظهار ذلك.

ومتى قيل: إن المعجز يدل على النبوة على طريق الإبانة بخلاف سائر الأدلة. قلنا: المعجز يدل على إبانة الصادق ممن ليس بصادق، فإن كان مدعيا للنبوة علمناه نبيا، وإن ادعى إمامة أو صلاحا علمنا صدقة فيه وعلمناه كذلك.

هذا إذا سلمنا أنه يدل من جهة الإبانة، وقد بيناه في شرح الجمل، لأنه ليس كذلك وأجبنا على كل ما يسأل عن ذلك لا نطول بذكره الكتاب. ويجوز من إظهار المعجزات ما لا يؤدي إلى كونها معتادة، فينتقض وجه دلالتها. فلا يلزم على ذلك إظهارها على كل صالح وكل صادق.

ولا يلزم أن نقول في من لم يظهر على يده معجز أنه ليس بإمام ولا صالح كما يجب أن نقطع على أنه ليس بنبي، لأن المعجز إنما يبين مدعيا صادقا من مدع غير صادق.

 

 

الإمام إذا لم يدع الإمامة والصالح إذا لم يدع الصلاح لا يجب إظهار المعجز على يده وإذا لم يظهر لا يجب نفي الصلاح عنه ولا نفي الإمامة

لا يلزم أن يظهر الله على يد كل إمام معجزا لأنه يجوز أن يعلم إمامته بنص أو طريق آخر

والإمام إذا لم يدع الإمامة والصالح إذا لم يدع الصلاح لا يجب إظهار المعجز على يده، وإذا لم يظهر لا يجب نفي الصلاح عنه ولا نفي الإمامة، بل لا يمتنع أن نعلمه إماما أو صالحا بغير المعجز. وليس كذلك النبي، لأنه لا طريق لنا إلى معرفته إلا بالمعجز، فإذا لم يظهر على يده المعجز قطعنا على كذبه إن كان مدعيا، وإن لم يدع علمنا أنه ليس بنبي، لأنه لو كان نبيا لوجب بعثته ووجب عليه ادعاؤه ولوجب ظهور المعجز عليه. فبان الفرق بين النبي والإمام والصالح.

فعلى هذا لا يلزم أن يظهر الله على يد كل إمام معجزا، لأنه يجوز أن يعلم إمامته بنص أو طريق آخر، ومتى فرضنا أنه لا طريق إلى معرفة إمامته إلا المعجز وجب إظهار ذلك عليه وجرى مجرى النبي سواء، لأنه لا بد لنا من معرفته كما لا بد لنا من معرفة النبي المتحمل لمصالحنا.

ولو فرضنا في نبي علمنا نبوته بالمعجز أنه نص على نبي آخر لأغنى ذلك عن ظهور المعجز على يد النبي الثاني، بأن نقول: النبي الأول أعلمنا أنه نبي كما يعلم بنص إمام على إمامته ولا يحتاج إلى معجز.

وليس لأحد أن يقول: تجويز إظهار المعجز على يد من ليس بنبي ينفر عن النظر في معجز النبي. وذلك أن المعجز لا يكون إلا عقيب الدعوى، فإن كانت الدعوى للنبوة وجب النظر فيما يدعيه من المعجز، فإن كان صحيحا قطعنا [على صدقه وإن لم يكن صحيحا قطعنا] على كذبه.

ولا يجوز أن يكون نبيا ولا إماما إذا ادعى الإمامة فمثل ذلك وليس ههنا موضع يظهر المعجز مع ادعائه النبوة ويجوز كونه إماما، فيكون فيه تنفير.

على أن تجويزنا كونه إماما ليس بأكثر من تجويزنا كونه محرفا كذابا، ومع ذلك يلزمنا النظر في معجزه فكيف يقال أن ذلك منفرا عنه.

 

 

يجب النظر في معجز مدعي النبوة والإمامية ولا يلزم  النظر في معجز مدعي الصلاح

فأما وجوب النظر في معجزه فإن كان مدعيا للنبوة فإنه يلزمنا ذلك لأنا لا نأمن كونه صادقا، وكذلك إن ادعى كونه إماما يلزمنا مثل ذلك، لأن لنا في معرفة الإمام مصالح وربما لا نعلم كثيرا من الشريعة إلا بقوله، وإن كان مدعيا للصلاح لا يجب علينا النظر في معجزه وإن كان لا يحسن ذلك، لأن وجه وجب النظر في معجزه ولأنه لا يلزمنا معرفة كونه صالحا.

ولا يلزمنا جواز إظهار المعجز على يد الفساق المتهتكين والكفار إذا كانوا صادقين، لأن المعجز عند أكثر أصحابنا يدل على عصمة من ظهر على يده، ومن لم يعتبر العصمة جوز إظهارها على مؤمن يستحق الثواب بإيمانه وإن كان فاسقا بجوارحه بعد أن لا يكون سخيف المنزلة دني الرتبة، من حيث أن المعجز يقتضي علو المنزلة وعظم الرتبة، وذلك لا يوجد في هؤلاء وإن كانوا مؤمنين.

 

 

يجب أن يكون النبي معصوما من القبائح صغيرها وكبيرها قبل النبوة وبعدها على طريق العمد والنسيان وعلى كل حال

ويجب أن يكون النبي معصوما من القبائح صغيرها وكبيرها قبل النبوة وبعدها على طريق العمد والنسيان وعلى كل حال.

يدل على ذلك أن القبيح لا يخلو أن يكون كذبا فيما يؤديه عن الله أو غيره من أنواع القبائح، فإن كان الأول فلا يجوز عليه، لأن المعجز يمنع من ذلك، لأنه ادعى النبوة على الله وصدقه بالعلم المعجز جرى ذلك مجرى أن يقول له صدقت، فلو لم يكن صادقا لكان قبيحا، لأن تصديق الكذاب قبيح لا يجوز عليه تعالى.

وأما الكذب في غير ما يؤديه وجميع القبائح الأخر فإنا ننزههم عنها لأن تجويز ذلك ينفر عن قبول قولهم.

ولا يجوز أن يبعث الله نبيا ويوجب علينا اتباعه وهو على صفة تنفر عنه، ولهذا جنب الله تعالى الأنبياء الفظاظة والغلظة والخلق المشينة والأمراض المنفرة لما كانت هذه الأشياء منفرة في العادة.

ومرادنا بالتنفير هو أن يكون معه أقرب إلى أن لا يقع منه القبول ويصرف عنه وإن جاز أن يقع على بعض الأحوال، كما أن ما يدعو إلى الفعل قد لا يقع معه الفعل.

ألا ترى أن التبشير إلى وجه الضيف داع إلى حضور طعامه وربما لم يقع معه الحضور، والعبوس ينفر وربما وقع منه الحضور وإن كان ذلك لا يقدح في كون أحدهما داعيا والآخر صارفا، ولا يقع القبول من الواعظ الزاهد ويقع من الماجن السخيف ولا يخرج ذلك السخف من كونه صارفا والزهد من كونه داعيا.

ودليل التنفير يقتضي نفي جميع القبائح عنهم صغيرها وكبيرها، والفرق بينهما مناقضة.

وقولهم (حط الصغائر بتنقيص الثواب) ليس بصحيح إذا سلمنا الاحباط لأنها وإن نقصت الثواب فهي فعل قبيح وإقدام عليه ومع ذلك يزيل ثوابا حاصلا وفي ذلك من مرتبة عالية إلى ما دونها، وذلك لا يجوز على الأنبياء كما لا يجوز أن يعزلوا عن النبوة بعد حصولها.

ثم يلزم عليه تجويز الكبائر قبل النبوة، لأن حطها نقصان الثواب، لأن عقابها قد زال بالتوبة والنبوة، وذلك لا يقوله أكثر من خالفنا.

وأما ما يستدل من الظواهر التي يقتضي ظاهرها وقوع المعصية من الأنبياء نحو قوله تعالى {وعصى آدم ربه فغوى} فقد بينا الوجه فيه في التفسير واستوفاه المرتضى في التنزيه لا يحتمل ذكر ذلك ههنا.

بل نقول: الظواهر تبنى على أدلة العقول ولا تبنى أدلة العقول على الظواهر، وإذا علمنا بدليل العقل أن القبيح لا يجوز عليهم تأولنا الآيات إن كانت لها ظواهر وإن كان أكثرها لا ظاهر له على ما بين هناك.

وأما الذي به يعلم أنه لا يجوز عليه الكتمان مما بعث لأدائه فهو أنا لو جوزنا ذلك أدى إلى نقض الغرض في إرساله، فنؤل ما حمله وكلف أداه إلى من هو مصلحة له حتى يكون مزيحا لعلتهم، فإذا علم أنه لا يؤدي انتقض الغرض ولم تحصل إزاحة العلة في معرفة المكلفين.

وليس ذلك بمنزلة تكليف من علم الله أنه يكفر، لأن الغرض بتكليفه لا يتعداه. ثم الغرض تعريضه لمنافع الثواب، فإذا لم يفعل أتي من قبل نفسه. وتكليف النبوة الغرض فيه متعلق بغير النبي، وإن كان فيه غرض يرجع إليه فعلى وجه التبع، فلا يجوز أن يكون الأمر على هذا ومع هذا فلا يؤديه، لأن ذلك يخل بإزاحة علة المكلفين في تكليفهم، وذلك لا يجوز.

 

في الرد على المخالف في بعثة الرسل من اليهود ممن خالف في جواز النسخ عقلا أو سمعا وممن أجاز النسخ وخالف في نبوة نبينا عليه السلام

وأما الكلام في النسخ فقد حكينا أن الخلاف المشهور فيه مع اليهود الذين منعوا النسخ، وهم ثلاث فرق: منهم من منع النسخ عقلا، ومنهم من منعه سمعا، ومنهم من أجازه ومنع من صحة نبوة نبينا عليه السلام.

ونحن نتكلم عليهم واحدا بعد أن نبين حقيقة النسخ.

 

 

النسخ في الشريعة عبارة عن كل دليل شرعي دل على أن مثل الحكم الثابت بالنص الأول زائل في المستقبل على وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الأول مع تراخيه عنه

والنسخ في الشريعة عبارة عن كل دليل شرعي دل على أن مثل الحكم الثابت بالنص الأول زائل في المستقبل على وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الأول مع تراخيه عنه.

وذكرنا (المثل) دون (العين) لأنه لو نهاه عن نفس ما أمره به لكان ذلك قبيحا إما بأن يكون بداء أو فيه وجه آخر من وجوه القبح.

وخصصنا أدلة الشرع بذلك لأن ما يزيل وجوب الفعل في المستقبل من العجز أو فقد الآلة أو ما يجري مجرى ذلك لا يوصف بأنه نسخ وإن كان مزيلا لوجوب الفعل من حيث اختص هذا الوجه بأدلة الشرع.

وشرطنا التراخي لأن ما يقترن باللفظ من ذكر الغاية الدالة على زوال الوجوب عندها لا يوصف بأنه ناسخ.

ألا ترى أن قوله {ثم أتموا الصيام إلى الليل} لا يقال (إلى الليل) ناسخ لصوم النهار، وكذلك لو قال الزموا السبت إلى وقت كذا لم يكن ما بعد ذلك الوقت ناسخا لما قبله وإن سقط الغرض فيه، ولو قال ذلك مطلقا ثم دل بعد ذلك على سقوط لزومه سمي ذلك نسخا للتراخي الذي قدمناه.

 

 

الدليل على جواز النسخ في الشرع هو أن كل دليل على حسن التعبد بالشرع فهو بعينه دال على جواز النسخ

فإذا ثبت حقيقة النسخ في الشرع فالدليل على جوازه هو أن كل دليل على حسن التعبد بالشرع فهو بعينه دال على جواز النسخ، لأن ما دل على جواز التعبد بالشرع ما قدمناه من المصلحة المتعلقة بالعبادة واللطف فيها. وهذا بعينه قائم في النسخ، لأنه لا يمتنع أن يصير ما كان مصلحة في وقت مفسدة في وقت آخر وما هو مفسدة في وقت يصير مصلحة في غيره، وما هو مصلحة لزيد يصير مفسدة لعمرو وما يكون مصلحة لعمرو يصير مفسدة لزيد.

فإذا كان ذلك غير ممتنع فلو فرضنا حصوله لمن هو عالم بالعواقب وجب أن يعلمنا ذلك وينسخ عنا ما تغير الحال فيه، كما وجب أن يعلمنا ذلك في ابتداء العبادة. وأي فرق بين أن يقول افعلوا هذه العبادة إلى وقت كذا واتركوا بعدها وبين أن يقول افعلوا مطلقا ثم يعلمنا بعد ذلك الوقت الذي تغيرت المصلحة فيه، وهل تجويز أحدهما إلا كتجويز الآخر.

ومتى قالوا: إن ذلك يؤدي إلى البداء.

 

 

البداء ما جمع شروطا أربعة: أحدها أن يكون المأمور به هو المنهي عنه بعينه وثانيها أن يكون الوجه واحدا وثالثها أن يكون الوقت واحدا ورابعها أن يكون المكلف واحدا

قلنا: ليس ذلك بداء، لأن البداء ما جمع شروطا أربعة: أحدها أن يكون المأمور به هو المنهي عنه بعينه، وثانيها أن يكون الوجه واحدا، وثالثها أن يكون الوقت واحدا، ورابعها أن يكون المكلف واحدا.

والنسخ بخلاف ذلك لأن الفعل المأمور به غير المنهي عنه، لأن إمساك السبت في زمن موسى عليه السلام هو غير ما تناوله النهي عن إمساكه في زمن نبينا صلى الله عليه وآله، وإذا تغاير الفعلان لم تتكامل شروط البداء.

وكذلك إذا كان الوقتين متغايرين. ولو كان ذلك بداءا لوجب أن يكون إماتة الله الخلق بعد إحيائهم وإغناؤهم بعد فقرهم وصحتهم بعد مرضهم يكون بداءا، فإذا لم يكن كذلك لتغير المصلحة فيه فالنسخ مثله.

ويلزم عليه أيضا أن لا تختلف شرائع الأنبياء وقد علمنا اختلافها ولم يكن ذلك بداء، لأنه كان في شرع آدم جواز تزويج الأخت من الأخ وفي شرع إبراهيم إباحة تأخير الختان إلى وقت الكبر وفي شريعة إسرائيل جواز الجمع بين الأختين، وكل ذلك مخالف لشرع موسى عليه السلام. وقولهم (إن ذلك يؤدي إلى كون الشيء حسنا قبيحا) ليس بصحيح، لأنه إنما يقتضي مثل الحسن قبيحا ولا يمتنع في المثلين ذلك، وذلك أكثر من أن يحصى.

وأما من أجاز النسخ عقلا ومنع منه سمعا فالكلام عليه من وجهين:

أحدهما- أن نقول: ما الذي يدل على صحة هذه الدعوى وأن موسى عليه السلام قال شريعتي لا تنسخ، فإن رجعوا إلى نقلهم الذي هو خبر الآحاد فإن ذلك لا يقبل فيه خبر واحد، وإن ادعوا التواتر فالتواتر يوجب العلم الضروري فكان ينبغي أن نعلم مع اختلاطنا بهم أن موسى عليه السلام قال ذلك، كما أنا لما نقلنا عن نبينا عليه السلام أن شريعته لا تنسخ علم ذلك المخالف والموافق، فإن اليهود لا يدفعون أن من دين محمد أن شرعه لا ينسخ وإنما خالفوا في صدق قوله.

على إنه ذكر الشيوخ أن نقل اليهود غير متصل بموسى، لأنهم انقرضوا وقتلهم بخت نصر حتى لم يبق منهم إلا نفر لا يقطع بنقلهم العدد ولا يؤمن عليهم الكذب.

ولو سلمنا أن موسى عليه السلام قال شريعتي لا تنسخ لا بد أن يكون ذلك مشروطا إذا لم تعتبر المصلحة أو ينسخها من ثبتت نبوته، وأما مع تغير المصلحة وثبوت نبوته فهي صادقة فلا بد من نسخها.

والطريقة الثانية- أن يدل على نبوة نبينا عليه السلام، فإذا ثبتت نبوته علمنا بطلان دعواهم أن موسى قال شرعي لا ينسخ، لأنه لو كان صحيحا لما ثبتت نبوة من ينسخها.

فإن قيل: لم صرتم بأن تدلوا على نبوة نبيكم فيعلموا بطلان دعوانا فأولى منا إذا دللنا على صحة خبرنا فيعلم بطلان دعواكم في صحة نبوة نبيكم.

قلنا: نحن أولى بذلك، لأن النظر في معجز النبي عليه السلام يبنى على أمور عقلية لا يدخلها احتمال الاشتباه، لأنه مبني على ظهور القرآن وتحدي العرب وأنهم لم يعارضوه، وذلك كله معلوم ضرورة.

والعلم بأن هذه صورته يكون معجزا ودالا على النبوة طريقه اعتبار العقل الذي لا يدخله الاحتمال، وليس كذلك الكلام في الخبر، لأن الخبر كلام والكلام لا تدخله الحقيقة والمجاز والعمل بظاهره تركه.

والخبر الذي يدعونه مبني على صحته، وصحته لا تعلم إلا بعد العلم بأن صفة التواتر فيه ثابتة في جميع أسلاف اليهود وكل زمان.

ثم إذا ثبت فهو كلام تدخله الحقيقة والمجاز والخصوص والعموم والشروط والعدول عن ظاهره.

فعلم بذلك أن النظر في معجز النبي عليه السلام أولى، لأن في العلم بصحته بطلان ما سواه، وإن لم يعلم صحة تكليف النظر في تصحيح خبرهم.

وأما من أجاز النسخ عقلا وشرعا ومنع من صحة نبوة نبينا عليه السلام فالوجه فيه أن يدل على صحة نبوة نبينا لبطل قوله.