عقائد الشيعة الإمامية / الشيخ الطوسي

 

الكلام في الإمامة

فصل في الكلام في وجوب الإمامة

 

المخالف في وجوب الإمامة سمعا شاذ لا يعتد به لشذوذه لأنه لا يعرف قائلا به

المخالف في وجوب الإمامة طائفتان: إحداهما تخالف في وجوبها عقلا، والأخرى تخالف في وجوبها سمعا.

فالمخالف في وجوبها سمعا شاذ لا يعتد به لشذوذه لأنه لا يعرف قائلا به. وعلماء الأمة المعروفون مجموعون على وجوب الإمامة سمعا.

 

 

لا يقول بوجوب الإمامة عقلا غير الإمامية والبغداديين من المعتزلة وجماعة من المتأخرين

والخلاف القوي في وجوب الإمامة عقلا، فإنه لا يقول بوجوبها عقلا غير الإمامية والبغداديين من المعتزلة وجماعة من المتأخرين، والباقون يخالفون في ذلك ويقولون المرجع فيه إلى السمع.

 

 

في الكلام في وجوب الإمامة عقلا

ولنا في الكلام في وجوب الإمامة عقلا طريقان: إحداهما أن نبين وجوبها عقلا سواء كان هناك سمع أو لم يكن، والثانية أن نبين أن مع وجود الشرع لا بد من إمام له صفة مخصوصة لحفظ الشرع باعتبار عقلي.

والذي يدل على الطريقة الأولى: إنه قد ثبت أن الناس متى كانوا غير معصومين ويجوز منهم الخطأ وترك الواجب إذا كان لهم رئيس مطاع منبسط اليد يردع المعاند ويؤدب الجاني ويأخذ على يد السفيه والجاهل وينتصف للمظلوم من الظالم كانوا إلى وقوع الصلاح وقلة الفساد أقرب، ومتى خلوا من رئيس على ما وصفناه وقع الفساد وقل الصلاح ووقع الهرج والمرج وفسدت المعايش. بهذا جرت العادة وحكم الاعتبار، ومن خالف في ذلك لا يحسن مكالمته لكونه مركوزا في أوائل العقول.

بل المعلوم أن مع وجود الرؤساء وانقباض أيديهم وضعف سلطانهم يكثر الفساد ويقل الصلاح، فكيف يمكن الخلاف فيه.

وليس لأحد أن يقول: إنما يحصل من الصلاح عند الرؤساء أمور دنياوية ولا يجب اللطف لأجلها وليس فيها أمر ديني يجب اللطف لأجله، وذلك إنما يحصل عند الرؤساء أمر ديني، وهو قلة الظلم ووقوع الفساد ومن تغلب القوي على الضعيف، وهذه أمور دينية يجب اللطف لأجلها وإن حصل فيها أمر دنياوي فعلى وجه التبع.

ولا يبلغ الخوف من الرؤساء إلى حد الالجاء، لأنه لو بلغ حد الالجاء لما وقع شئ من الفساد، لأن مع الالجاء لا يقع فعل ما ألجئ إليه، وكان يجب أن لا يستحق [تارك القبيح وفاعل الواجب مدحا لأن ما يقع على وجه الالجاء لا يستحق به] مدحا، والمعلوم أن العقلاء يستحقون المدح بفعل الواجب وترك القبيح مع وجود الرؤساء. ولا يقدح فيما قلنا وقوع كثير من الفساد عند نصب رئيس بعينه، لأنه إنما يقع الفساد لكراهتهم رئيسا بعينه، ولو نصب لهم من يؤثرونه ويميلون إليه لرضوا به وانقادوا له، وذلك لا يقدح في وجوب جنس الرئاسة.

ولا يلزم أيضا نصب رؤساء جماعة، لأن بهذه الطريقة إنما يعلم وجوب جنس الرئاسة، فأما عددهم وصفاتهم فإنا نرجع إلى طريقة أخرى غير اعتبار وجوب الرئاسة في الجملة.

والعقل كان يجوز نصب أئمة كثيرين في كل زمان، وإنما منع السمع والاجماع من أنه لا ينصب من يسمى إماما في كل زمان إلا واحدا ويكون باقي الرؤساء من قبله.

والذي يقطع به أن الرئاسة لطف في أفعال الجوارح التي يظهر قلتها بوجود الرؤساء وكثرتها بعدمهم، وأما أفعال القلوب فلا طريق لنا إلى كون الرئيس لطفا فيها، ولا يلزم إذا كان الإمام لطفا في بعض التكاليف أن لا يكون لطفا أصلا لأن أحكام الألطاف تختلف فبعضها عام من كل وجه وبعضها خاص وبعضها عام من وجه وخاص من وجه آخر، فلا ينبغي أن يقاس بعضها على بعض. ألا ترى أن المعرفة عامة في جميع التكاليف إلا ما تقدمها في زمان مهلة النظر.

وأما العبادات الشرعية فليس يخفى الاختصاص فيها، لأن الصلاة تجب على قوم دون قوم فإن الحائض لا تجب عليها، والزكاة لا تجب على من لا يملك النصاب والصوم لا يجب إلا على من يطيقه فأما من به عطاش أو قلة صبر عن الطعام لفساد مزاج فلا يجب عليه، وكذلك جميع العبادات فلا يجب قياس بعضها على بعض فأما خلق الأولاد والصحة والسقم والغنى والفقر فالأمر في اختصاصه ظاهر.

ومن هو معصوم مأمون منه القبيح وترك الواجب لا يحتاج إلى إمام يكون لطفا له في ذلك وإن احتاج إليه من وجوه أخر، نحو أخذ معالم الدين عنه وغير ذلك.

واللطف في الحقيقة هو تصرف الإمام وأمره ونهيه وتأديبه، فإن حصل انزاحت به العلة.

وحسن التكليف وإن لم يحصل بأمر يرجع إلى المكلفين لا يجب سقوط التكليف عنهم، لأنهم يؤتون في ذلك. من قبل نفوسهم لا من قبل خالقهم. وإنما يجب على الله تعالى خلق الإمام وإيجابه علينا طاعته ليتمكن من التصرف، فإذا لم يمكنه لم يجب سقوط التكليف عنا، لأنا نكون أتينا من قبل نفوسنا.

فإذا ثبتت هذه الجملة فلا يلزم إذا كان الإمام غائبا أن يسقط التكليف عنا لأنا أتينا من قبل نفوسنا بأن أخفناه وأحوجناه إلى الاستتار، ولو أطعناه ومكناه لظهر وتصرف فحصل اللطف.

وكل من لم يظهر له الإمام فلا بد أن تكون العلة ترجع إليه، لأنه لو رجع إلى غيره لأسقط الله تكليفه، وفي بقاء التكليف عليه دليل على أن الله تعالى أزاح علته وبين له ما هو لطف له فعل هو أم لم يفعل، كما نقول: إن الصلاة لطف لكل مكلف فمن لم يصل لم يجب سقوط تكليفه لأنه أتي من قبل نفسه، وكذلك ههنا.

ولا يلزم على جواز الغيبة جواز عدمه، لأنه لو كان معدوما لما أمكننا طاعته ولا تمكينه فلا تكون علتنا مزاحة وإذا كان موجودا أمكن ذلك فإذا لم يظهر تكون الحجة علينا وإذا كان معدوما تكون الحجة على الله تعالى، فبان الفرق بين وجوده غائبا وبين عدمه، فالوجود أصل لتمكيننا إياه ولا يمكن حصول الفرع بلا حصول الأصل. وأولياء الإمام ومن يعتقد طاعته فاللطف بمكانه حاصل لهم في كل وقت عند كثير من أصحابنا، لأنهم يرتدعون بوجوده من كثير من القبائح، ولأنهم لا يأمنون كل ساعة من ظهوره وتمكينه فيخافون تأديبه كما يخافونه وإن لم يكن معهم في بلدهم بينهم وبينه بعد، بل ربما كانت الغيبة أبلغ، لأن معها يجوز أن يكون حاضرا فيهم مشاهدا لهم وإن لم يعرفوه بعينه.

وفيهم من قال: إنه إذا لم يظهر لهم فالتقصير يرجع إليهم أو لما يعلم الله تعالى من حالهم أنه لو ظهر لهم لأشاعوا خبره أو شكوا في معجزه بشبهة تدخل عليهم فيكفرون به فلذلك لم يظهر لهم.

ولا يجوز أن تكون للإمامة بدل يقوم مقامها في باب اللطف كما لا يجوز مثله في المعرفة، وإن جاز كثير من الألطاف أن يكون له بدل.

وإنما قلنا ذلك لأنه لو كان بدل لم يمتنع أن يفعل الله ذلك البدل فيمن ليس بمعصوم، فيكون حاله مع فقد الرئيس كحاله مع وجوده في باب الانزجار عن القبيح والتوفر على فعل الواجب، والمعلوم ضرورة خلافه على ما بيناه.

والكلام في تفريع هذا الباب استوفيناه في تلخيص الشافي وشرح الجمل وفيما ذكرناه ههنا كفاية.

(وأما الطريقة الثانية) وهو أنه لا بد من إمام بعد ورود الشرع أنه إذا ثبت أن شريعة نبينا عليه السلام مؤبدة إلى يوم القيامة وإن من يأتي فيما بعد يلزمه العمل بها كما لزم من كان في عصر النبي عليه السلام فلا بد من أن تكون علتهم مزاحة [كما كانت علة من شاهد النبي مزاحة في زمانه، ولا تكون العلة مزاحة] إلا بأن تكون الشريعة محفوظة، فلا تخلو من أن تكون محفوظة بالتواتر أو الإجماع أو الرجوع إلى أخبار الآحاد والقياس أو بوجود معصوم عالم بجميع الأحكام في كل عصر يجري قوله مثل قول النبي عليه السلام، فإذا أفسدنا الأقسام كلها إلا وجود معصوم ثبت أنه لا بد من وجوده في كل وقت ولا يجوز أن تكون محفوظة بالتواتر، لأنه ليس جميع الشريعة متواتر بها بل التواتر موجود في مسائل قليلة نزرة، فكيف يعمل بها في باقي الشريعة.

على أن ما هو متواتر يجوز أن يصير غير متواتر، بأن يترك في كل وقت جماعة من الناقلين نقله إلى أن يصير آحادا، إما لشبهة تدخل عليهم أو اشتغال بمعاش وغير ذلك من القواطع ولا مانع من ذلك أو يعتمدوا تركه لأنهم ليسوا معصومين لا يجوز عليهم ذلك.

ولا يجوز أن تكون محفوظة بالاجماع، لأن الإجماع ليس بحاصل في أكثر الأحكام بل هو حاصل في مسائل قليلة والباقي كله فيه خلاف فكيف يعول عليه.

على أن الإجماع إن فرضنا أنه ليس فيهم معصوم -على ما يقولونه- فليس بحجة، لأن حكم اجتماعهم حكم انفرادهم، فإذا كان كل واحد منهم ليس بمعصوم فكيف يصيرون باجتماعهم معصومين، ولو جاز ذلك جاز أن يكون كل واحد منهم لا يكون مؤمنا فإذا اجتمعوا صاروا مؤمنين، أو يكون كل واحد منهم يهوديا فإذا اجتمعوا صاروا مؤمنين، أو يكون كل واحد منهم يهوديا فإذا اجتمعوا صاروا مسلمين، وذلك باطل.

ومتى قيل: في العقل وإن كان الأمر على ما قلتموه، فإن أدلة الشرع لزمتنا من جواز اجتماعهم على خطأ من آيات وأخبار. قلنا: لا دلالة في شيء من الآيات والأخبار على ما تدعونه وبيننا وبينكم السير والاعتبار، وقد استوفينا الكلام في ذلك في أصول الفقه وتلخيص الشافي وشرح الجمل لا نطول بذكره ههنا.

فأما أخبار الآحاد والقياس فلا يجوز أن يعمل عليهما عندنا، وقد بينا ذلك في أصول الفقه وغيره من كتبنا، فلم يبق من الأقسام إلا وجود معصوم يجري قوله كقول النبي عليه السلام.

فإن قيل: يلزم على هذا أن يكون من لا يعرف الإمام لا يعرف أحكام الشرع، والمعلوم خلافه.

قلنا: من لا يعرف الإمام لا يجوز أن يعرف من الشريعة إلا ما تواتر النقل به أو دل دليل قاطع عليه من ظاهر قرآن أو اجتمعت الأمة عليه، فأما ما عدا ذلك فإنه لا يعلمه وإن اعتقده فإنما يعتقده اعتمادا ليس بعلم، فلم يخرج من موجب الدلالة.

والشرع يصل إلى من هو في البلاد البعيدة وفي زمن النبي أو الإمام بالنقل المتواتر الذي من ورائه حافظ معصوم، ومتى انقطع دونهم أو وقع فيه تفريط تلافاه حتى يصل إليهم وينقطع عذرهم.

فأما إذا فرضنا النقل بلا حافظ معصوم من وراء الناقلين فإنا لا نثق بأنه وصل جميعه، وجوزنا أن يكون وقع فيه تقصير أو كتمان لشبهة أو تعمد، وإنما نأمن وقوع شئ منه لعلمنا أن من ورائه معصوما متى وقع خلل تلافاه.

وهذه حالنا في زمن الغيبة، فإنا متى علمنا بقاء التكليف وعلمنا استمرار الغيبة علمنا أن عذرنا منقطع ولطفنا حاصل. لأنه لو لم يكن حاصلا لسقط التكليف أو أظهر الله تعالى الإمام ليبين لنا ما وقع فيه من الخلل فلا يمكن التسوية بين نقل من وراءه معصوم وبين نقل ليس من وراءه ذلك، فيسقط الاعتراض.