عقائد الشيعة الإمامية / الشيخ الطوسي

 

الكلام في ذكر أعيان الأئمة عليهم السلام

 

الدليل على إمامة أمير المؤمنين

 

مما يدل على أن الإمام بعد النبي بلا فصل أمير المؤمنين عصمته و كونه أكثر ثوابا عند الله وأعلم الأمة بالشرع

الاقتصاد - الشيخ الطوسي - ص 196 - 198

الإمام بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

يدل على ذلك أنه إذا ثبت بما قدمناه من الدلالة أن من شرط الإمام أن يكون مقطوعا على عصمته فالأمة بين قائلين: فكل من قال شرط الإمام العصمة قطع على أن الإمام بعد النبي علي عليهما السلام، ومن خالف في إمامته خالف في أن من شرط الإمام أن يكون معصوما، وليس فيهم من قال الإمام يجب أن يكون معصوما وقال الإمام غيره، فالقول بذلك خروج عن الإجماع، ومتى نازعوا في أن من شرط الإمام العصمة كلموا بما تقدم.

فإن قيل: ومن أين تعلمون أن عليا عليه السلام معصوم.

قلنا: إذا ثبت أنه الإمام بالاعتبار الذي ذكرناه قطعنا على عصمته، لما ثبت من أن الإمام يجب أن يكون معصوما.

فإن قيل: فقد صرتم لا تعلمون عصمته إلا بعد أن تعلموا إمامته، ولا تعلموا إمامته إلا بعد أن تعلموا عصمته، فقد بنيتم كل واحد منهما على صاحبه، فلا يصح أن تعلموا واحدا منهما.

قلنا: ليس الأمر على ذلك، لأنا إنما علمنا إمامته بطريقة القسمة، إذ بنينا على أن من شرط الإمام أن يكون معصوما على الجملة -أي إمام كان ولم نعينه- فإذا علمنا بذلك إمامته علمنا عصمته على التعيين، والكلام في الجملة غير الكلام في التعيين.

ومثل ذلك إذا علمنا أن من شرط النبي أن يكون معصوما في الجملة ثم علمنا نبوة نبي بعينه قطعنا على عصمته.

ولك أن ترتب على وجه آخر فنقول: إذا ثبت أن من شرط الإمام أن يكون معصوما ووجدنا الأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله بين ثلاثة أقوال: [قائل يقول بإمامة أبي بكر]، وقائل يقول بإمامة العباس، وقائل يقول بإمامة علي عليه السلام. ولا قول رابع يعرف، وكل من قال بإمامة أبي بكر أو بإمامة العباس لم يجعل من شرط الإمامة العصمة، فينبغي أن نسقط قول الفريقين ويبقي قول القائلين بإمامة علي، وإلا خرج الحق عن الأمة وذلك لا يجوز.

ولك أن ترتب مثل هذا في كونه أكثر ثوابا عند الله، ولا أحد من الأمة يقطع على أن أبا بكر أو العباس أكثر ثوابا عند الله، لأن القائلين بكون أبي بكر أفضل يقولون إنه أفضل في الظاهر وعلى غالب الظن، فأما على القطع والثبات عند الله فليس بقول لأحد، ومتى نازع فيه منازع دللنا على أن عليا عليه السلام أفضل الصحابة ليسقط خلافه.

ولك أن ترتب مثل ذلك في كونه أعلم الأمة بالشرع وتقول: إذا ثبت أن من شرط الإمام العلم بجميع أحكام الشريعة فليس في الأمة من يذهب إلى إمامة من هو أعم الأمة وأنه عالم بجميع أحكام الشرع إلا القائلون بإمامة علي عليه السلام، لأن القائلين بإمامة أبي بكر لا يدعون فيه ذلك وإنما يقولون هو من أهل الاجتهاد، وكذلك القائلون بإمامة العباس، بل ليس عندهم من شرط الإمام أن يكون أعلم الأمة.

وهذه طرق عقلية اعتبارية لا يمكن إفسادها إلا بالمنازعة في الأصل الذي بني عليه، والخلاف في ذلك يكون كلاما في مسألة أخرى.

 

 

مما يدل على أن الإمام بعد النبي بلا فصل أمير المؤمنين قوله تعالى "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون "

الاقتصاد - الشيخ الطوسي - ص 198 - 203

دليل من القرآن على إمامته (عليه السلام) ويدل أيضا على الإمام بعد النبي عليه السلام قوله تعالى {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}.

ووجه الاستدلال من الآية أن معنى "وليكم" في الآية من كان مستحقا للأمر وأولى القيام به وتجب طاعته، وثبت أيضا أن المراد ب‍ "الذين آمنوا" أمير المؤمنين عليه السلام، وإذا ثبت الأمران ثبتت إمامته عليه السلام.

وهذه الجملة تحتاج إلى بيان أشياء: أولها أن لفظة "ولي" تفيد الأولى في اللغة.

وثانيها أن المراد بها في الآية ذلك.

وثالثها أن المراد ب‍ "الذين آمنوا" أمير المؤمنين دون غيره.

والدليل على الأول- استعمال هذه اللفظة في اللغة، لأنهم يقولون (فلان ولي المرأة) إذا كان أولى بالعقد عليها، و (فلان ولي الدم) إذا كان له المطالبة بالقود والدية أو العفو ويقولون (فلان ولي عهد المسلمين) للمرشح للخلافة.

وقال الكميت:

ونعم ولي الأمر بعد وليه ومنتج التقوى ونعم المؤدب

ويعني بالولي الأولى بالقيام بالأمر وتدبيره.

وقال المبرد: الولي هو الأحق، والمولى والأولى عبارة عن شئ واحد.

والدليل على أن المراد في الآية ذلك أنه إذا ثبت أن المراد ب‍ "الذين آمنوا" من كان مؤتيا للزكاة في حال الركوع، لأنه تعالى لما وصفه بالإيمان وصفه بإيتاء الزكاة في حال الركوع، فيجب أن يراعى ثبوت الصفتين، وقد علمنا أن أحدا لم يعط الزكاة في حال الركوع غير علي عليه السلام، فوجب أن يكون هو المعني بها دون غيره.

وأيضا فإنه تعالى نفى أن يكون وليا غير الله ورسوله والذين آمنوا بلفظة "إنما"، وهي تفيد تحقيق ما ذكر ونفي الصفة عمن لم يذكر، بدلالة قولهم (إنما لك عندي درهم) يريدون ليس لك عندي إلا درهم، ويقولون (إنما النحويون المدققون البصريون) يريدون نفي التدقيق عن غيرهم، ويقولون (إنما الفصاحة في الجاهلية) يريدون نفي الفصاحة عن غيرهم. وقال الأعشى:

ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العبرة للأكاثر

وإنما أراد نفي العبرة عمن ليس بكاثر.

وإذا ثبت [أن المراد بالولاية التخصيص ثبت] ما أردناه من معنى الإمامة والتحقيق بالأمر، لأن ولاية المحبة والموالاة الدينية عامة في جميع الأمة للاجماع عليه، والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض.

والذي يدل على أن المراد ب‍ "الذين آمنوا" علي عليه السلام أمران:

أحدهما- أنه إذا ثبت أن المراد بالولي الأولى والأحق، فكل من قال بذلك قال هي متوجهة إليه عليه السلام، لأن من خالف في ذلك حملها على الموالاة في الدين لجميع المؤمنين.

والثاني- أنه قد ورد الخبر من طريق العام والخاص بنزول الآية فيه عليه السلام عند تصدقه بخاتمه في حال الركوع، والقصة في ذلك مشهورة.

فإذا ثبت أنه المختص بالآية ثبتت إمامته دون غيره، [لأن كل من قال إن الآية تفيد الإمامة قال هو المخصوص دون غيره]، ومن قال الآية نزلت في عبادة بن الصامت فالكلام عليه من وجهين:

أحدهما: إن هذه رواية شاذة أكثر الأمة يدفعها، وما قلناه في نزولها فيه مجمع عليه.

والثاني: أنه روي أن عبادة كان محالفا لليهود، فلما أسلم قطعت اليهود محالفته، فاشتد ذلك عليه فأنزل الله تعالى فيه الأية تسلية له وتقوية لقلبه.

ومن قال: إن الآية نزلت في أقوام كانوا في الصلاة في الركوع وأرادوهم راكعون في الحال لا أنهم آتوا الزكاة في حلال الركوع وإنما أراد أن ذلك طريقتهم وهم في الحال راكعون.

فقوله باطل، لأنه ذلك يخالف العربية ووجه الكلام، لأن المفهوم من قول القائل (يستحق المدح من جاد بماله وهو ضاحك) و (فلان يغشى لإخوانه وهو راكب) معنى الحال، وكذلك لو قال (لقيت فلانا وهو يأكل) لم يعقل منه إلا لقاؤه في حال الأكل.

على أنه لو حمل على ما قالوه لكان ذلك تكرارا، لأن قوله "ويقيمون الصلاة" دخل فيه الركوع فلا معنى لتكرير قوله "وهم راكعون"، لأنه عبث.

على أن هذا القول لم يقله أحد غير الجبائي ولا ذكره أحد من أصحاب الأخبار، لأن الآية لو كانت في قوم معينين لنقل وسطر، وفي تعري الأخبار من ذلك دليل على أن ذلك لا أصل له.

فإن قيل: حمل لفظ "الذين" على الواحد مجاز، وحمل قوله "ويؤتون الزكاة" في الحال مجاز آخر لأن حقيقتها الاستقبال، فلم لا يجوز أن يحمل على مجاز واحد.

فنقول: المراد من صفتهم إيتاء الزكاة ومن صفتهم أنهم راكعون، ولا يجعل إحدى الصفتين حالا للأخرى.

قلنا: أما لفظ "الذين" وإن كان لفظ جمع فقد صار بعرف الاستعمال يعبر به عن واحد معظم له، ولذلك نظائر كقوله {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} وقوله "إنا أرسلنا" و "لقد أرسلنا" وغير ذلك من الألفاظ.

وقال أهل التفسير: إن قوله تعالى {الذين قال لهم الناس} المراد به واحد معروف.

وأما لفظ "يؤتون" فمشترك بين الحال والاستقبال، وإنما يختص بالاستقبال بدخول السين أو سوف عليه، وهي بالحال أشبه، لأنهم يقولون (مررت برجل يقوم)  كما يقولون (مررت برجل قائم)، ولو تساويا لكان الحمل على كل واحد منهما حقيقة ولم يكن مجازا.

على أن من مذهب من خالفنا من أهل العدل أن الله كان ولا شيء ثم أحدث الذكر، فعلى هذا حمل الآية على الاستقبال حقيقة.

على أن مجازنا له شاهد في الاستعمال ومجازهم لا شاهد له في عرف ولا لغة، يؤدي أيضا إلى أن لا نستفيد بالآية شيئا، لأن الموالاة الدينية معلومة بغيرها.

على أن الخصوص في قوله تعالى "والذين آمنوا" لا بد منه، لأنه لو حمل على العموم لأدى إلى أن يكون كل واحد من المؤمنين ولي نفسه، فإذا لا بد أن يكون المراد بقوله "وليكم" غير المراد بقوله "والذين آمنوا" ليستقيم الكلام.

وإذا وجب تخصيص الآية فكل من خصصها حملها على من قلناه دون غيره.

وليس لأحد أن يقول: المراد بالركوع في الآية الخشوع والخضوع دون الركوع في الصلاة، وذلك أن المعروف في اللغة من معنى الركوع هو التطأطؤ المخصوص وشبه به الخضوع والخشوع، وقد نص على ذلك أهل اللغة، أنشد صاحب كتاب العين للبيد:

أخبر أخبار القرون التي مضت أدر كأني كلما قمت راكع

وقال صاحب الجمهرة: الراكع الذي يكبو لوجهه، ومنه الركوع في الصلاة. فإذا كانت الحقيقة ما قلناه فلا يجوز حملها على المجاز. وليس إعطاء الخاتم في الصلاة فعلا يفسد الصلاة، لأنه لا خلاف أن الفعل اليسير مباح.

وأيضا فقد مدح الله تعالى والنبي صلى الله عليه وآله على ذلك، فلو كان نقصا لما مدحاه بذلك.

وقول من قال: أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يجب عليه زكاة لقلة ذات يده فكيف يحمل على ذلك. باطل، لأنه لا يمتنع أن يملك عليه السلام أول نصاب من المال نحو مائتي درهم، لأن من ملك ذلك لا يسمى غنيا، فلا وجه لاستبعاد ذلك.

ويجوز أن يكون المراد زكاة التطوع، وليس في الآية أنه زكاة فرض دون التطوع. والنية بدفع الزكاة لا بد منها، وهي لا تنافي الصلاة، لأنها من أفعال القلوب لا تؤثر في الصلاة.

وليس لأحد أن يقول: لو اقتضت الآية الإمامة لوجب أن يكون إماما في الحال. وذلك أنا قد بينا أن المراد بالآية فرض الطاعة وقد كان له ذلك في الحال، [فلا يمكن ادعاء الإجماع على خلافه. ولو اقتضى الإمامة في الحال] لاقتضاها فيما بعد إلى حين وفاته، فإذا قام الدليل على أنه لم يكن إماما في الحال ثبت ما بعد النبي صلى الله عليه وآله.

وليس لأحد أن يقول: هل حملتموها على بعد عثمان. وذلك أن هذا يسقط بالاجماع، لأن أحدا لم يثبت له الإمامة بعد عثمان من دون ما قبلها بالآية بل أثبتوا الإمامة بالاختيار، ومن أثبت إمامته في تلك الحال بالنص في الآية وغيرها أثبتها له أيضا بعد النبي بلا فصل، فالفرق بين الأمرين خلاف الإجماع.

 

 

في الاستدلال على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل بما تواترت به الشيعة ونقلته من الأخبار

الاقتصاد - الشيخ الطوسي - ص 203 - 215

ومما يدل على إمامته عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل ما تواترت به الشيعة ونقلته مع كثرتها وانتشارها في البلاد واختلاف آرائها ومذاهبها وتباعد ديارها واختلاف هممها خلفا عن سلف إلى أن تصل بالنبي عليه السلام أنه قال: "علي إمامكم" و "خليفتي عليكم من بعدي" و "سلموا عليه بإمرة المؤمنين". وغير ذلك من الألفاظ الصريحة التي لا تحمل التأويل وأنهم علموا من قصده ضرورة أنه أراد استخلافه من بعده بلا فصل.

فلا يخلو أن يكونوا صادقين أو كاذبين، فإن كانوا صادقين فقد ثبتت إمامته على ما قلناه، وإن كانوا كاذبين لم يخل كذبهم من أمور: إما أن يكون اتفق لهم الكذب فوضعوه أو تواطؤا عليه إما باجتماع وموافقة أو بمكاتبة ومراسلة، أو حصل فيه ما يجري مجرى التواطؤ، أو حصل أحد هذه الأسباب في الوسائط التي بيننا وبين النبي عليه السلام، أو كان القائل به في الأصل واحدا ثم انتشر القول وكثر معتقدوه، فإذا ثبت جميع ذلك دل على أن الخبر متصل.

ولا يجوز أن يكون اتفق لهم الكذب فوضعوه، لأن ما هم عليه من الكثرة يمنع من جواز ذلك عليهم، لأن العلم باستحالة خبر واحد عن شيء واحد من الخلق الكثير على وجه أحد من غير تواطئ مستحيل في العادة.

ألا ترى أنه يستحيل من جماعة من الشعراء أن يتواردوا في قصيدة واحدة في معنى واحد وغرض واحد وقافية واحدة وروي واحد، ويجري ذلك مجرى استحالة اجتماعهم على طعام واحد وزي واحد. وإذا كان ذلك مستحيلا في العادة وجب المنع منه.

وليس الكذب في هذا الباب يجري مجرى الصدق، لأن الصدق يجوز أن يتفق من الخلق الكثير من غير تواطئ، لأن العلم بكونه صدقا داع إلى نقله، وليس كذلك الكذب، لأن العلم بكونه كذبا صارف عن نقله، فيحتاج إلى داع غير ذلك يحمل على نقله. ولا يجوز أن يكونوا تواطؤا عليه، لأن ذلك مستحيل منهم، لتباعد ديارهم وانتشارهم في الأرض، ولو تواطؤا بالاجتماع لما خفي ولعلم في أوجز مدة.

وكذلك يستحيل منهم المراسلة والمكاتبة لأن أكثرهم لا يتعارفون وصحة المراسلة فرع على التعارف، وإذا كانوا لا يتعارفون فكيف يصح منهم المكاتبة ولو صح أيضا لكان يجب أن يظهر في أوجز مدة، بذلك قضت العادات وحكم الاعتبار ولو ظهر لعلم. وأما ما يجري مجرى التواطؤ فهو إما رغبة في الدنيا أو رهبة، وكلاهما منفيان عمن ادعى له النصر، لأنه لو لم يكن له دينا فيطمع فيها فيكذب له بالنص ولم يبسط يده فيخاف منه فيدعو ذلك إلى وضع النص، بل الدواعي كلها إلى كتمانه وجحده والصوارف عن نقله وإظهاره، فكيف يكون هناك ما يجري مجرى التواطؤ. ولو كان ذلك ممكنا لما دعاهم إلى وضع فضيلة بعينها، بل كان يدعو الناس إلى وضع فضيلة غير الذي يدعو عليها الآخر، لأن الاتفاق في مثل ذلك مستحيل في العادة على ما بيناه.

ولو كان أحد هذه الأشياء حصل في الوسائط الذين بيننا وبين النبي عليه السلام لعلم ذلك، كما لو كان في الطرف الذي بيننا لعلم.

ولو كان الأصل فيهم واحدا ثم انتشر لعلم الوقت الذي حدث فيه ومن المحدث له وما الذي دعاه إليه، كما علم سائر المذاهب الحادثة بعد استقرار الشرع، كمذهب الخوارج والمعتزلة والجهمية والكلابية والنجارية وغير ذلك من الفرق، وكما علم فقه أبي حنيفة ومالك والشافعي وأنه لم يتقدمهم أحد قال به على ما ذهبوا إليه وجمعوه، فكان يجب أن يعلم النص مثل ذلك ومن القائل به، وإذا لم يعلم ذلك دل على أنه متصل.

قولهم: إنه علم ذلك وإنه وضعه في هشام بن الحكم وابن الراوندي. باطل، لأن القائلين بالنص كانوا قبل هشام وكتبهم معروفة في ذلك، وأما ابن الراوندي فهو متأخر كثيرا وشيوخ الإمامية قبله معروفون، ولو كان الأمر على ما قالوه لما حسن مكالمتهم كما لا يحسن مكالمة من يحدث مقالة فيقول بإمامة ابن مسعود وأبي هريرة أو غير ذلك، لأن الإجماع سبقهم فلا يلتفت إليه، وفي حسن مكالمتهم لنا ووضعهم الكتب علينا دليل على فساد قولهم هذا.

فإن قيل: لو كان هذا النص صحيحا لعلم صحته ضرورة كما علمت هجرة النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة، وكما علم أن في الدنيا مكة وبلد الروم وغير ذلك من أخبار البلدان.

قلنا: ليس العلم بمجرد الإخبار عندنا ضرورة، بل هو مكتسب عند أكثر أصحابنا، وعند قوم أنه مشكوك فيه. فأما العلم بالنص فمستدل عليه قطعا ويجري العلم به كالعلم بمعجزات النبي عليه السلام التي هي سوى القرآن، وليس إذا إذا لم يعلم باقي المعجزات -كما علمنا البلدان والوقائع- وجب القطع على بطلانها لكونها معلومة بالاستدلال، وكذلك النص إذا لم يكن معلوما بالضرورة وكان معلوما بالاستدلال لم يجب القطع على بطلانه. على أن العلم بالبلدان والوقائع لم يمتنع أن يكون حصل لما لم يقابل وأتوا به بالتكذيب ولم يعرض فيه ما عرض في النص، فسلم نقله فحصل العلم به.

والنص بخلاف ذلك، لأنه عرض في نقله وانتهازه موانع ولقي راويه بالتكذيب واعتقد ضلالته وخطأوه ويدعي في روايته، فكيف يحصل العلم مع هذه الموانع.

وهكذا الجواب إذا قالوا: لم لا يعلم النص كما علمنا الصلوات الخمس والحج إلى الكعبة وصوم شهر رمضان وغير ذلك من أركان الشرائع. لأن الأسباب التي عرضت في الإمامة لم تعرض في شئ من العبادات، فسلم نقله فحصل العلم به، ولما عرض ما قلناه في النص غمض طريق العلم به.

وليس لأحد أن يقول: قد ادعيتم حصول موانع من نقل النص فما دليلكم عليها؟.

قلنا: لا خلاف أن النص عقد الأمر على خلاف متضمنه وإن اعتقد في ناقله أنه ضال مبتدع ولقوا بالتكذيب، ويزيد المخالف على ذلك ويقول: هذا هو الواجب فكيف يمكن أن يدعى أنه لم يكن هناك صارف.

على أن ههنا أمورا كثيرة في الشرع منصوصا عليها وليس العلم بها كالعلم بما ذكروه من العبادات. ألا ترى أن صفات الإمام وعدد العاقدين وكونه من قريش، كل ذلك طريقه النص ومع هذا العلم به كالعلم بما قالوه، وكذلك العلم بمعجزات النبي صلى الله عليه وآله التي هي سوى القرآن ليست مثل العلم بالقرآن وبأصول الشريعة، فكيف تسوى بين المنصوصات عليها في الشرع على اختلاف طرقها وغموض بعضها وظهور بعض، وهل يكون من سوى بين الكل في كيفية العلم إلا غير منصف متحامل متعصب، وذلك لا يليق بالعلماء.

فإن قيل: يلزم على هذه الطريقة قول البكرية والعباسية إذا ادعوا النص لأصحابهما وادعوا مثل ما ادعيتم بعينه، وإلا فما الفرق؟ قلنا: الفرق بيننا وبين هؤلاء: إن الشيعة معروفون وعلماءهم كثيرون ولهم كتب مصنفة ومقالات ظاهرة، وليس كذلك البكرية، لأنا لم نشاهد قط بكريا ولا عباسيا، ولسنا نعني بالبكرية من ذهب إلى إمامة أبي بكر بل نريد من ادعى النص عليه.

وأيضا هذا حكاية عن بعض من تقدم يعرف ببكر بن أخت عبد الواحد، فنسبوا إليه ولم ينسبوا إلى أبي بكر، والقائلون بإمامة أبي بكر من علماء الأمة يذهبون إلى إمامته بالاختيار والاجماع الذي يدعونه، وليس منهم من يقول كان منصوصا عليه كما يقوله الشيعة في علي عليه السلام.

وأما القائلون بإمامة العباس فلا يعرف واحد منهم أصلا، ولولا أن الجاحظ حكى هذه المقالة وصنف فيهم كتابا وإلا ما كان يعرف هذا القول لا قبله ولا بعده.

على أن ما دللنا به على أن من شرط الإمام أن يكون مقطوعا على عصمته، يبطل هذين القولين، لأنهما لا يدعيان ذلك لأصحابهما على ما بيناه. على أنه قد ظهر منهما ومن غيرهما من الصحابة ما يدل على أنهما لم يكونا منصوصا عليهما، فروي عن أبي بكر لما احتج على الأنصار يوم السقيفة قال "الأئمة من قريش" ولو كان منصوصا عليه لقال أنا منصوص علي فأين يذهب بكم.

ولا يلزمنا مثله في أمير المؤمنين عليه السلام، لأنه أولا لم يحضر الموضع فيحتج وثانيا أن الفريقين قصدوا إلى أن يدفعوا الأمر عنه فكيف يحتج عليهم، وربما ادعوا نسخ الخبر أو جحدوه وكانت تكون البلية العظمى.

وليس يدعي المخالف مثل ذلك، لأنهم يقولون كان الموضع موضع بحث واحتجاج. فعلى قولهم كان يجب أن يذكر النص على نفسه.

ومنها أنه قال للأنصار "بايعوا" أي أحد هذين شئتم يعني أبا عبيدة الجراح وعمر، ولو كان منصوصا عليه لما جاز ذلك.

ومنها قوله "أقيلوني" ولو كان منصوصا عليه لما جاز منه استقالتهم.

ومنها ما روي أنه قال عند موته: "ليتني كنت سألت رسول الله هل للأنصار في هذا الأمر نصيب فكنا لا ننازعهم". ولا يتمنى مثل هذا من يعلم أنه منصوص عليه.

ومنها قول عمر لأبي عبيدة "أمدد يدك أبايعك"، ولو كان أبو بكر منصوصا عليه لما قال ذلك.

ومنها قوله "كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه".

ومنها قوله حين قيل له: استخلف، قال: "إن استخلف فقد استخلف من هو خير مني -يعني أبا بكر- وإن أترك فقد ترك من هو خير مني -يعني رسول الله-".

ومنها أن جميع ما يدعى من النص عليه لا دلالة فيه لكونه خبر واحد وأنه ليس في تصريحه ولا فحواه دلالة النص، وقد ذكرنا الوجه في جميع ذلك في تلخيص الشافي وشرح الجمل لا نطول بذكره ههنا.

وكذلك ما تتعلق به العباسية قد بينا الوجه فيه. على أن العباس دعا أمير المؤمنين عليه السلام إلى مبايعته وقال له: "أمدد يدك أبايعك فيقول الناس بايع عم رسول الله ابن عمه فلا يختلف عليك اثنان". ولو كان منصوصا عليه لما قال ذلك.

فإن قيل: إذا كان هو عالما بأن عليا منصوص عليه فلم أراد مبايعته؟ قلنا: أراد أن يحتج عليهم من الطريق الذي سلكوه، لأنهم طلبوا الإمامة من جهة الاختيار والبيعة دون النص فأراد أن يحتج عليهم بما أقروا به وعلموه دون ما لم يذكروه.

ومتى قال: إنه أولى بالمقام لأنه عمه والعم وارث. باطل، لأن الإمامة ليست مورثة بلا خلاف لأنها تابعة للمصالح كما أن البيعة مثل ذلك.

 

 

في الرد على من قال لو كان أمير المؤمنين منصوصا عليه لوجب أن يحتج به وينكر على من دفعه بيده ولسانه ولما جاز أن يصلي معهم ولا أن ينكح سبيهم ولا يأخذ فيئهم ولا يجاهد معهم

فإن قيل: لو كان أمير المؤمنين منصوصا عليه لوجب أن يحتج به وينكر على من دفعه بيده ولسانه، ولما جاز أن يصلي معهم ولا أن ينكح سبيهم ولا يأخذ فيئهم ولا يجاهد معهم، وفي ثبوت جميع ذلك دليل على بطلان ما قلتموه.

قلنا: المانع لأمير المؤمنين عليه السلام من الاحتجاج بالنص عليه الخوف بما ظهر له من الإمارات التي بانت له من إقدام القوم على طلب الأمر والاستبداد به واطراح عهد الرسول مع قرب عهدهم به وعزمهم على إخراج الأمر عن مستحقه، فأيسه ذلك من الانتفاع بالحجة وخاف أن يدعو النسخ لوقوع النص، فتكون البلية به أعظم والمحنة به أشد، ولا يتبين لكل أحد أن نسخ الشئ قبل فعله لا يجوز.

وربما ادعوا أيضا أن ما ذكروا من النص لا أصل له فتعظم البلية، لأن النص الجلي لم يكن بمحضر الجمهور بل كان بمحضر جماعة لو نقلوه لا نقطع بنقلهم الحجة، فلو جحدوه لدخلت الشبهة على الباقين.

وأما ترك النكير عليهم باليد فلأنه لم يجد ناصرا ولا معينا، ولو تولاه بنفسه وخواصه لربما أدى إلى قتله وقتل أهله وخاصته، فلذلك عدل عنه، وقد بين عليه السلام ذلك بقوله: "أما والله لو وجدت أعوانا لقاتلتهم". وقوله بعد بيعة الناس له ونكث أهل البصرة بيعته: "والله لولا حضور الناصر ولزوم الحجة وما أخذ الله على أوليائه أن لا يقروا على كظة ظالم أو شغب مظلوم لا لقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم عندي أهون علي من عفطة عنز". فبين أصحابه عليه السلام قابل من قابل أهل البصرة وغيرهم لقيام الحجة عليه بحضور الناصر، وكان في ذلك بيان أنه لم يقاتل الأولين لعدم الناصر، فلو قاتلهم لربما أدى إلى ارتداد أكثرهم وفي ذلك بوار الاسلام، وقد بين ذلك في خطبته بقوله: "لولا قرب عهد الناس بالكفر لقاتلتهم".

فأما الانكار باللسان فقد أنكره في مقام بعد مقام بحسب الحال من القوة والضعف، نحو قوله عليه السلام: "لم أزل مظلوما منذ قبض رسول الله". وقوله: "اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم ظلموني حقي ومنعوني إرثي". وقوله: "اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم ظلموني في الحجر والمدر". وقوله: "والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير" إلى آخر الخطبة. وذلك صريح بالانكار والتظلم على من منعه حقه.

فأما الصلاة خلفهم فإنه عليه السلام كان يصلي معهم في مسجد رسول الله لا مقتديا بهم بل لنفسه وإن كان يركع بركوعهم ويسجد بسجودهم، وذلك ليس بدليل الاقتداء بلا خلاف.

فأما الجهاد مع القوم فلا يمكن أحد يدعي أنه جاهد معهم أو سار تحت رايتهم وإنما روي أنه قاتل أهل الردة دفاعا عن المدينة وعن حرم رسول الله صلى الله عليه وآله لما دنوا منها، وإن كان ذلك أيضا شاذا لا يعرف في السير، ولو صح لكان ذلك واجبا عليه وعلى كل أحد بحكم العقل والشرع وإن لم يكن هناك من يقتدى به.

فأما أخذه من فيئهم فإنما كان يأخذ بعض حقه، ومن له حق له أن يتوصل إلى أخذه بجميع الوجوه، ولم يكن يأخذ من أموالهم ولا من أموال المسلمين.

أما نكاح سبيهم فقد اختلف في ذلك، فروى قوم أن النبي عليه السلام كان وهب له الحنفية فاستحل فرجها بقوله، وقال آخرون أسلمت فتزوجها أمير المؤمنين عليه السلام وقال قوم اشتراها فأعتقها ثم تزوجها. فكل ذلك ممكن.

لى أن سبي أهل الضلال يجوز أن يشترى ويحل وطؤ الفرج بذلك، لأن المراعى استحقاق المسبي بالسبي ولا اعتبار بالسابي، ولذلك يجوز شراء ما يسبيه الكفار من دار الحرب وإن أغار بعضهم على بعض أو يسرقونه، وهذا يسقط السؤال.

فإن قيل: لو كان النص عليه صحيحا لما جاز له الدخول في الشورى ولا الرضا به، لأنها باطلة على مذهبكم.

يل: لأصحابنا على ذلك أجوبة:

أحدها: أنه إنما دخل فيها تقية وخوفا، ولو لم يدخلها لقتل، إنما يمتنع ذلك لتوهم أن الحق لك فحمله على الدخول فيها ما حمله على البيعة للمتقدمين.

الثاني: أنه إنما دخلها ليتمكن من إيراد حججه وفضائله ونصوصه، لأنه أورد في ذلك اليوم جل مناقبه، ولو لم يدخلها لما أمكنه ذلك، فدخلها ليؤكد الحجة عليهم.

والثالث: أنه إنما دخلها تجويزا لأن يختارونه فيتمكن من القيام بالأمر، ومن له حق له أن يتوصل إليه بجميع الوجوه.

فإن قيل: لو كان منصوصا عليه لكان دافعه ضالا مخطئا، وفي ذلك تضليل أكثر الأمة ونسبتهم إلى معاندة الرسول واطراح أمره، وذلك منفي عن الصحابة.

قلنا: لا نقول إن جميع الصحابة دفعوا النص مع علمهم بذلك، وإنما كانوا بين طبقات: منهم من دفعه حسدا وطلبا للأمر، ومنهم من دخلت عليه الشبهة فظن أن الذي دفعوه لم يدفعوه إلا بعهد عهد الرسول عليه السلام وأمر عرفوه ومنها أنه لما روي لهم قوله "الأئمة من قريش" ظنوا أن الأخذ باللفظ العام أولى من الخاص فتركوا الخاص وعملوا بالعام، وبقي قوم على الحق متمسكين بما هم عليه [فلم يمكنهم مخاصمة الجمهور ولا مخالفة الكل فبقوا متمسكين بما هم عليه]، قصاراهم أن ينقلوا ما علموه إلى أخلاقهم، فلا يجب من ذلك نسبة الأكثر إلى الضلال.

على أن الله تعالى أخبر عن أمة موسى وهم أضعاف أمة النبي عليه السلام أنهم ارتدوا حتى مضى موسى إلى ميقات ربه وعبدوا العجل مع مشاهدتهم لفلق البحر وقلب العصا حية واليد البيضاء وغير ذلك من المعجزات الباهرات، وما غاب عنهم موسى إلا أياما قلائل، فكيف يتعجب من طائفة قليلة تدخل عليهم الشبهة ويندفع قوم منهم لدفع الحق، وقد قال الله تعالى {ومن آمن وما آمن معه إلا قليل} وقال {ولكن أكثرهم لا يعلمون}، {ولكن أكثرهم للحق كارهون}، وقال {وقليل من عبادي الشكور}، فلم يذكر الكثير إلا ذمه ولم يذكر القليل إلا مدحه.

فأين التعجب من ذلك وقد قال الله تعالى {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} وقال النبي صلى الله عليه وآله: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، حتى أنه لو دخل أحدهم جحر ضب لدخلتموه. فقالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى، فقال عليه السلام: فمن إذا".

وقال صلى الله عليه وآله: "بينا أنا على الحوض عرضه ما بين بصرى إلى العدن إذ يجاء بقوم من أصحابي فيجلسون دوني، فأقول: يا رب أصحابي. فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لا يزالوا على أعقابهم القهقرى".

والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى، فأين التعجب من وقوع الخطأ من القوم، وقال: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة فرقة ناجية والباقون في النار".

 

 

في تزويج أمير المؤمنين ابنته من عمر بن الخطاب

فإن قيل: لو كان الأمر على ما ذكرتموه من النص لما زوج أمير المؤمنين عليه السلام بنته من عمر، وفي تزويجه إياها دليل على أن الحال بينهم كانت عامرة بخلاف ما تدعونه ويدعي كثير منكم أن دافعه كافر.

قلنا: في أصحابنا من أنكر هذا التزويج، وفيهم من أجازه وقال فعل ذلك لعلمه بأنه يقتل دونها، والصحيح غير ذلك وأنه زوجها منه تقية، لأنه جرت ممانعة إلى أن لقي عمر العباس وقال له ما هو معروف، فجاء العباس إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: ترد أمرها إلي. ففعل فزوجها منه حين ظهر له أن الأمر يؤول إلى الوحشة.

وروي عن الصادق عليه السلام في ذلك ما هو معروف.

على أن من أظهر الشهادتين وتمسك بظاهر الاسلام يجوز مناكحته، وههنا أمور متعلقة في الشرع بإظهار كلمة الاسلام كالمناكحة والموارثة والمدافنة والصلاة على الأموات وغير ذلك من أحكام أخر، فعلى هذا يسقط السؤال.

 

 

في الرد على من يقول كيف يكون النص على أمير المؤمنين صحيحا ويقول العباس له تعال حتى نسأل النبي عليه السلام عن هذا الأمر فإن كان فينا عرفناه وإن كان في غيره أوصاه بنا

فإن قيل: كيف يكون النص صحيحا ويقول العباس له: تعال حتى نسأل النبي عليه السلام عن هذا الأمر، فإن كان فينا عرفناه وإن كان في غيره أوصاه بنا. ويقول له في دفعة أخرى: أمدد يدك أبايعك فيقول الناس عم رسول الله بايع ابن عمه فلا يختلف علين اثنان ولو كان منصوصا عليه لما احتاج إلى ذلك وكان لا يخفى على العباس.

قلنا: أما رغبته إلى سؤال النبي لم يكن لشك في مستحق الأمر، وإنما قال ذلك ليعلم هل يثبت ذلك فيهم ويسلم لهم أم لا، فلذلك أراد مسألته لا عن موضع الاستحقاق.

وأما مبايعته فقد بينا أنه إنما طلب ذلك لما رأى أن القوم يتحادثون الأمر من جهة الاختيار وتركوا النص ودخلت إليه شبهة بين الأكثر أراد أن يحتج عليهم بمثل ما هم يطلبون، فلم يجبه أمير المؤمنين عليه السلام لما علمه من جهة النبي وما يؤول الأمر إليه فلذلك لم يجب العباس إلى ما دعاه إليه.

 

 

في الرد على من يقول كيف يكون منصوصا على أمير المؤمنين وهو يعين من تقدمه في كثير من الأحكام

فإن قالوا: كيف يكون منصوصا عليه وهو يعينهم في كثير من الأحكام مستفهما ومستفتيا، فكان يجب أن ينقض أحكامهم لما أفضى إليه الأمر وكان ينبغي أن يسترد فدكا إلى أربابها، وفي عدوله عن ذلك دليل على بطلان ما تدعونه.

لنا: أما فتياه لهم فمما لا يسوغ له الامتناع منه، لأن عليه إظهار الحق والفتوى إذا لم يخف وآمن الضرر، ولا سؤال على من أظهر الحق وإنما السؤال فيمن أبطن.

وأما إقراره أحكام القوم فإنه لم يمكن خلاف ذلك وإنما أفضي الأمر إليه بالاسم دون المعنى، وأكثر من بايعه كان معتقدا لإمامة القوم، فكيف يتمكن من نقض أحكامهم، ولذلك قال لقضاته وقد سألوه: بم نحكم؟ فقال: اقضوا بما كنتم تقضون حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي -يعني من مات من شيعته- وخالف في مسائل علم شاهد الحال بأن الخلاف فيها لا يوحش وأمسك عما يورث الوحشة.

وأما فدك فإنما لم يردها لما قلناه من التقية وإن ردها يؤدي إلى تظلم القوم وتخطئتهم فعدل عن ذلك. على أن فدكا كانت حقا له ولمن له عليه ولاية، ومن له حق له أن يترك المطالبة به لبعض الأغراض.

وفي أصحابنا من قال: الخصم في فدك كانت فاطمة عليها السلام وأوصت إليه بأن لا يتكلم فيها لتكون هي المخاصمة يوم القيامة لما جرى بينها وبين من دفعها من الكلام المعروف حتى قالت له: "ستجمعني وإياك يوم يكون فيه فصل الخطاب".

فأما الكلام في استحقاق فاطمة عليها السلام فدك بالنحلة أو الميراث فقد استوفيناه في تلخيص الشافي وطرف منه في شرح الجمل لا نطول بذكره ههنا.

وأما ما يعارضون به ويذكرونه من الآيات نحو قوله تعالى {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} وقوله {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} وغير ذلك من الآيات، وأن ذلك يمنع من وقوع خطأ منهم يدفع النص.

فقد بينا الوجه فيها مستوفى في تلخيص الشافي وطرفا منه في شرح الجمل والمفصح في الإمامة وغير ذلك من كتبنا لا نطول بذكره ههنا، وفيما ذكرناه كفاية إنشاء الله.

 

 

في الاستدلال على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل بخبر الغدير

الاقتصاد - الشيخ الطوسي - ص 215 - 222

ومما يدل على إمامته عليه السلام الخبر المعروف الذي لم يدفعه أحد من أهل العلم يعتد بقوله، أن النبي صلى الله عليه وآله حين انصرف من حجة الوداع وبلغ الموضع المعروف بغدير خم نزل ونادى في الناس الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فلما رآهم رقى الرحال وخطب خطبة معروفة ثم أقبل على الناس فقال: ألست أولى منكم بأنفسكم ؟ قالوا: بلى يا رسول الله. فقال عاطفا على ذلك: فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله. فأتى بلفظ "أولى" وقررهم بها على فرض طاعته ثم عطف بجملة أخرى عليها محتملة لها ولغيرها، فوجب حملها على مقدميها بموجب استعمال أهل اللغة، فوجب بذلك أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام مفترض الطاعة كما كان النبي صلى الله عليه وآله كذلك، وفرض الطاعة يفيد الإمامة فوجب أن يكون إماما.

وهذه الجملة تحتاج إلى بيان أشياء: أحدها أن نبين صحة الخبر، والثاني أن نبين أن لفظة "المولى" تفيد أولى في اللغة، ثم نبين أنها أرادت ذلك في الخبر دون غيره من الأقسام.

والذي يدل على صحة الخبر تواتر الشيعة به خلفا عن سلف على ما بيناه في التواتر بالنص الجلي، وكلما يسأل عليه من الأسئلة فالجواب عنه ما تقدم.

وأيضا فقد رواه أصحاب الحديث من طرق كثيرة لم يرد في الشريعة خبر متواتر أكثر طرقا منه، فإنه روى الطبري من نيف وسبعين طريقا وابن عقدة من ماءة وخمس وعشرين طريقا.

فإن لم يثبت بذلك صحته فليس في الشرع خبر صحيح. [وأيضا فأمير المؤمنين عليه السلام احتج به يوم الشورى فلم ينكره أحد ولا دفعه، فدل على صحته].

وأيضا أجمعت الأمة على صحته وإن اختلفوا في معناه، وما يحكى عن ابن أبي داود من جحده له ليس بصحيح، لأنه إنما أنكر المسجد المعروف بغدير خم ولم يجحد نفس الخبر، وخلافه أيضا لا يعتد به لأنه سبقه الإجماع وتأخر عنه.

وأيضا إذا ثبت أن مقتضاه الإمامة على ما ثبت ثبتت صحته، لأن الأمة بين قائلين: قائل يقول مقتضاه الإمامة فهو يقطع على صحته، وقائل يقول ليس مقتضاه الإمامة فيقول هو خبر واحد.

وأما الذي يدل على أن "مولى" يفيد الأولى قول أهل اللغة: قال أبو عبيدة معمر بن المثنى في قوله تعالى "النار مولاهم" قال: معناه أولى بهم، واستشهد ببيت لبيد:

قعدت كلى الفرجين يحسب أنهمولى المخافة خلفها وإمامها

وقول أبي عبيدة حجة في اللغة، وقال الأخطل يمدح عبد الملك بن مروان:

فأصبحت مولاهم من الناس كلهموأحرى قريش أن تهاب وتحمدا

أي أولى الناس بها.

وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال "أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل"  وفي خبر آخر "بغير إذن وليها"، وأراد بذلك من هو أولى بالعقد عليها.

وقد حكينا عن المبرد أنه قال: مولى وولي وأولى وأحق بمعنى واحد فمن عرف عادة أهل اللغة عرف صحة ما قلناه.

وإذا ثبت ذلك فالذي يدل على أن المراد به في الخبر الأولى ما قلناه من أن النبي عليه السلام قدم جملة ثم عطف عليها بأخرى محتملة لها ولغيرها فوجب حملها على مقدمتها وإلا أدى إلى أن يكون عليه السلام ملغوا في كلامه واضعا له في غير موضعه، وذلك لا يليق به عليه السلام.

ألا ترى أن القائل إذا أقبل على جماعة فقال: ألستم تعرفون عبدي سالما، فإذا قالوا بلى، قال فاشهدوا أن عبدي حر، لم يفهم من كلامه إلا عتق العبد الذي تقدم تقريرهم على معرفته، ولو أراد غيره لكان ملغوا، وإذا قال لهم: ألستم تعرفون ضيعتي الفلانية، فإذا قالوا بلى قال لهم فاشهدوا أن ضيعتي وقف لم يحمل ذلك إلا على الضيعة التي قررهم على معرفتها.

هذا هو المعهود من الكلام الفصيح.

وليس لأحد أن يقول: أليس لو قال مصرحا بعد تقريرهم على فرض طاعته "فمن يجب عليه طاعتي فيحب عليا" كان جائزا، فهلا جاز ذلك في غير المصرح، وذلك أنه ليس كلما حسن في التصريح حسن في الاحتمال.

ألا ترى أنه لو قال: ألستم تعرفون ضيعتي الفلانية، فإذا قالوا بلى، قال بعد ذلك فاشهدوا أن ضيعتي التي تحتها وقف. مصرحا بها كان ذلك جائزا مفيدا، أو لا يجوز ذلك مثل ذلك إذا قال كلاما محتملا على ما مضى بيانه، والفرق بين المصرح به والمكنى عنه واضح.

والذي يدل على أن لفظة "أولى" تفيد الإمامة وفرض الطاعة استعمال أهل اللغة، لأنهم يقولون "السلطان أولى بتدبير رعيته من غيره" و "ولد الميت أولى بميراثه من غيره ممن ليس بولد" و "المولى أولى بعبده من غيره" يعني بفرض طاعته عليه، ولا خلاف بين المفسرين أن قول النبي صلى الله عليه وآله "أولى بالمؤمنين من أنفسهم" المراد به ومعناه أولى بتدبيرهم وفرض طاعتهم ولا يكون أحد أولى بتدبير الأمة إلا من كان نبيا أو إماما، وإذا لم يكن نبيا وجب أن يكون إماما.

وأيضا فلا خاف أن النبي عليه السلام كان أولى بنا من حيث فرض الطاعة، وإذا حصل له هذه المنزلة وجب أن يكون مفترض الطاعة علينا، وإنما يعلم وجوب فرض طاعته على جميع الأمة في جميع الأشياء من حيث أن النبي عليه السلام كان كذلك وقد جعله بمنزلته فوجب أن يثبت له ذلك.

وأيضا فكل من أوجب لأمير المؤمنين عليه السلام بهذا الخبر فرض الطاعة في شئ من الأشياء أثبته في جميع الأشياء، والتفرقة بينهما خلاف الإجماع.

وليس لأحد أن يقول: كيف يكون المراد به الإمامة وهي لم تثبت في الحال، والخبر يوجب ثبوت المنزلة في الحال، فلا دلالة لكم في الخبر. وذلك أنا إذا قلنا المراد به فرض الطاعة واستحقاق لها فذلك كان حاصلا له في الحال، فسقط السؤال.

فإذا قلنا المراد به الإمامة فإنه وإن اقتضاها في الحال فهو يقتضيها في الحال وفيما بعده إلى وقت خروجه من الدنيا، فإذا علمنا أنه لم يكن مع النبي عليه السلام في حال حياته إمام بالاجماع بقي ما بعده على جملته.

ولا يمكن حمله على بعد عثمان، لأن أحدا لم يثبت له الإمامة بعد عثمان بهذا الخبر إلا وأثبتها قبله بعد النبي، ومن خصصه ببعد عثمان أثبت إمامته بالاختيار لا بهذا الخبر، واستحقاقه عليه السلام، الإمامة بهذا الخبر مثل استحقاق الوصي الوصية بقول الموصي (فلان وصيي)، فإنه تثبت له الوصية في الحال وإن كان التصرف ليس له إلا بعد الوفاة.

وكذلك استحقاق الإمامة كان حاصلا في الحال وإن وقف التصرف على بعد الوفاة، لأن وجود النبي صلى الله عليه وآله كالمانع من التصرف في حال وجوده، مثل قول المستخلف (فلان ولي عهدي) فإنه يثبت استحقاقه في الحال وإن كان التصرف واقعا على بعد الوفاة.

طريقة أخرى:

وهي أن نقول: إذا بينا أقسام المولى كلها وأفسدناها عدا الأول دل على أنه المراد وإلا بطلت فائدة الخبر وذلك لا يجوز. من أقسامه المعتق والمعتق والحليف والجار والصهر والإمام والخلف، وهذا كله معلوم بطلانه، فلا يحتاج إلى إفساده.

ومن أقسامه ابن العم، ولا يجوز أن يكون ذلك مرادا، لأنه معلوم ضرورة أنه ابن عمه ولا فائدة في ذلك. ومن أقسامه الموالاة في الدين، ولا يجوز أن يكون ذلك مرادا، لأنه ليس فيه تخصيص له، لأنها واجبة لجميع المؤمنين بالاجماع وبقوله تعالى {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}.

ومن أقسامه ولاء العتق، فلا يجوز أن يكون مرادا، لأن ذلك معلوم من دينه، وكان قبل الشرع أيضا معلوما أن ولاء العتق يستحقه ابن العم، وبذلك ورد الشرع.

ولا يليق ذلك لمثل ذلك الوقت والمكان، وقول عمر "بخ بخ يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة" ولا يليق شيء من ذلك.

وليس لأحد أن يقول: احملوه على الموالاة ظاهرا وباطنا. وذلك أن هذا ليس بمستعمل في اللغة ولا يفهم من كلامهم، ولا يجوز أن يحمل اللفظ على ما لم يوضع له في اللغة.

ومتى قيل: يحمل على ذلك، لأنه أثبت الموالاة كما أثبتها لنفسه. قيل: إنما وجب الموالاة للنبي عليه السلام ظاهرا وباطنا من حيث كان نبيا، وإذا كانت النبوة مرتفعة عنه لم تجب الموالاة له باطنا. على أنه إنما يجب حمله على ما قالوه إذا لم يمكن حمله على ما تقتضيه اللغة، وقد بينا أنه إذا حمل على أنه مفترض الطاعة وأولى بتدبير الأمة كان محمولا على ما تشهد له اللغة ولا يحتاج إلى هذا التمحل.

فإذا فسدت الأقسام كلها لم يبق إلا أنه أراد فرض الطاعة والاستحقاق للإمامة.

وقد قيل: أنه إذا كان من أقسامه فرض الطاعة والأولى بتدبير الأمة وجب حمل ذلك على جميعه إلا ما أخرجه الدليل.

وأيضا فقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم فهموا من الخبر فرض الطاعة والإمامة، منها قول عمر الذي قدمناه وذلك لا يليق إلا بما قلناه، ومنها قول حسان بن ثابت:

يناديهم يوم الغدير نبيهم بخم وأسمع بالرسول مناديا

يقول ومن مولاكم ووليكم فقالوا ولم يبدوا هناك التعاديا

إلهك مولانا وأنت وليناولن تجدن منا لك اليوم عاصيا

فقال له قم يا علي فإنني رضيتك من بعدي إماما وهاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليه فكونوا له أنصار صدق مواليا

هناك دعا اللهم وال وليه وكن للذي عادى عليا معاديا

وقال قيس بن سعد بن عبادة:

قلت لما بغى العدو علينا حسبنا ربنا ونعم الوكيل

حسبنا ربنا الذي فتح البصرة بالأمس والحديث طويل

وعلي إمامنا وإمام نسواننا أتى به التنزيل

يوم قال النبي من كنت مولاه فهذا مولاه خطب جليل

وقول حسان كان بمرأى من النبي صلى الله عليه وآله ومستمع منه، فلو لم يرد به الإمامة لأنكر عليه وقال له غلطت ما أردت ذلك وأردت به كيت وكيت، فلما لم ينكر ذلك دل على ما قلناه.

واستقصاء الكلام على هذا الخبر ذكرناه في كتاب تلخيص الشافي وشرح الجمل وغير ذلك، فلا نطول به ههنا.

 

 

في الاستدلال على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي

الاقتصاد - الشيخ الطوسي - ص 222 - 226

ومما يدل على إمامته عليه السلام ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" فأثبت له جميع منازل هارون من موسى إلا ما استثناه لفظا من النبوة، وعرفنا بالعرف أنه لم يكن أخاه لأبيه وأمه، وقد علمنا أن من منازل هارون من موسى أنه كان مفترض الطاعة على قومه وأفضل رعيته ممن شد الله به أزره، فيجب أن تكون هذه المنازل ثابتة له، وفي ثبوت فرض طاعته ثبوت إمامته.

وقد نطق القرآن ببعض منازل هارون من موسى، قال الله تعالى حكاية عن موسى أنه سأله تعالى فقال {اجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * أشدد به أزري * وأشركه في أمري} وفي آية أخرى {أخلفني في قومي وأصلح} وقال الله تعالى {قد أوتيت سؤلك يا موسى}، فوجب بتلك ثبوت هذه المنازل لأمير المؤمنين عليه السلام.

والطريق الذي به صح هذا الخبر هو ما قدمناه في خبر الغدير من تواتر الشيعة به ونقل المخالفين له على وجه التواتر والاجماع على نقله وإن اختلفوا في تأويله، واحتجاجه به في يوم الدار والاجماع على نقله، وكل ذلك موجود ههنا.

وأيضا فقد ذكره البخاري ومسلم بن الحجاج في صحيحيهما، والطريق إلى تصحيح الأخبار هو ما قلناه.

وأيضا فإذا ثبت أن مقتضاه ما قلناه قطع على صحته، ومن لم يقطع لم يقل أن مقتضاه فرض الطاعة، والفرق بين القولين خروج عن الإجماع.

وهارون وإن مات في حياة موسى عليه السلام فكان ممن لو عاش لبقي على ما كان عليه من استحقاق فرض الطاعة على قومه، وإذا جعل النبي عليه السلام منزلة علي مثل منزلته سواء وبقي عليه السلام إلى بعد وفاته، وجب أن تثبت له هذه المنزلة.

وليس لأحد أن يقول: لو بقي هارون إلى بعد وفاته لكان مفترض الطاعة لمكان نبوته لا بهذا القول، وإذا كان علي عليه السلام لم يكن نبيا فكيف يثبت له فرض الطاعة، وذلك أن فرض الطاعة ثبت في النبي والإمام، وهي منفصلة من النبوة فلا تجب بانتفاء النبوة انتفاؤها، بل لا يمتنع أن تنتفي النبوة ويثبت فرض الطاعة، [وإذا كان النبي عليه السلام قد أثبت له هذه المنزلة وانتفت النبوة لم يجب انتفاء فرض الطاعة].

ألا ترى أن القائل لو قال لوكيله: أعط فلانا كذا لأنه استحق علي من ثمن مبيع، ثم قال: وأنزل فلانا آخر بمنزلته. فإنه يجب أن يعطيه مثل ذلك وإن لم يكن استحق من ثمن مبيع، بأن يكون استحقه عليه من وجه آخر أو ابتداءا هبة منه، وليس للوكيل منعه، وأن يقول: ذلك استحقه من ثمن المبيع وأنت فما بعته شيئا فلا تستحق، لأن العقلاء يوجبون على الوكيل العطية ولا يلتفتون إلى هذا الاعتذار ولا هذا القول.

فإن قيل: تقديره أن هارون لو بقي لاستحق فرض الطاعة، والخلافة منزلة مفردة لا توصف بأنها منزلة، كما لا توصف صلاة سادسة بأنها من الشرع على تقدير أنه لو تعبدنا بها لكانت من الشرع.

قلنا: المقدر إذا كان له سبب استحقاق يوصف بأنه منزلة. ألا ترى أن الدين المؤجل يوصف بأنه يستحق كما يوصف الدين الحال بذلك، ولا توصف الصلاة السادسة بأنها من الشرع لأن ليس بها سبب وجوب، ولو قال إذا كان بعد سنة فصلوا صلاة سادسة لوصفت بأنها من الشرع، وفرض الطاعة بعد الوفاة له سبب وجوب في الحال فجاز أن يوصف بأنه منزلة.

ونظير ذلك أن يستخلف الخليفة ولي عهد بعده جاز أن يوصف بأن ذلك منزلة لولي العهد وكذلك من أوصى إلى غيره جاز أن يوصف بأنه يستحق الوصية إن كان التصرف واقفا إلى بعد الوفاة.

وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وآله جعل هذه المنازل لأمير المؤمنين بعده بقوله "لا نبي بعدي"، وكما أن من حق الاستثناء أن يخرج الكلام ما لولاه لكان ثابتا.

ألا ترى أن القائل إذا قال (ضربت غلماني كلهم إلا زيدا في الدار) أفاد ضرب من ضربه في الدار وترك من تركه مثل ذلك، وإذا كان النبي عليه السلام جعل استثناء هذه المنازل بعده فيجب أن يثبت له ما عدا الاستثناء بعده.

والمعتاد من لفظة (بعدي) في العرف بعد الموت، كما يقولون: هذا وصيي بعدي وولي عهدي بعدي وأنت حر بعدي.

فليس لأحد أن يقول: إن المراد ب‍ "بعدي" بعد نبوتي، لما لو سلمنا أنه لو أراد بعد نبوتي لدخل فيه الأحوال كلها ومن جملتها بعد وفاته.

فإذا قيل: يلزم أن يكون مفترض الطاعة في الحال وأن يكون إماما. قلنا: أما فرض الطاعة قد كان حاصلا له في الحال، وإنما لم يأمر لوجود النبي عليه السلام، وكونه إماما وإن اقتضاه في الحال فإنه يقتضيه أيضا بعد الوفاة فأخرجنا حال الحياة منها لمكان الإجماع على أنه لم يكن مع النبي عليه السلام إمام وبقي الباقي على عمومه.

وليس لأحد أن يحمله على بعد عثمان، لأن ذلك خلاف الإجماع، فإن أحدا من الأمة لم يثبت إمامته بهذا الخبر بعد عثمان دون ما قبله، ومن أثبت ذلك أثبته بالاختيار، ومن أثبت إمامته بهذا الخبر أثبتها بعد النبي إلى آخر عمره، فالفرق بين الأمرين خلاف الإجماع.

وليس لأحد أن يقول: قوله "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" يقتضي إثبات منزلة واحدة، لأنه لو أراد أكثر من ذلك لقال أنت مني بمنازل.

وذلك أن هذا يفسد من وجهين: أحدهما أنه لو أراد منزلة واحدة فدخول الاستثناء عليه دليل على أنه أراد أكثر من منزلة واحدة.

والثاني أن الأمة بين قائلين: قائل يقول أن الخبر خرج على سبب فهو يقصره عليه، وقائل يقول المراد جميع المنازل. وإذا بينا فساد خروج الخبر على سبب ثبت القول الآخر.

والذي يدل على فساد ذلك أن رواية ما يذكره من السبب طريقه الآحاد، والخبر معلوم، ولو صح السبب لما وجب قصر الخبر على سببه عند أكثر المحققين.

وأيضا فقد روي هذا الخبر وأن النبي صلى الله عليه وآله قاله في مقام بعد مقام وفي أوقات لم يكن فيها السبب المدعي.

فإن قيل: لو أراد الخلافة لقال (أنت مني بمنزلة يوشع بن نون)، لأن هذه المنزلة كانت حاصلة ليوشع من موسى بعد وفاته. قلنا هذا فاسد من وجوه: أحدها: إذا كان الخبر دالا على ما قلناه على المراد فتمني أن يكون على وجه آخر اقتراح في الأدلة، وذلك لا يجوز وكان ذلك يلزم في أكثر الأدلة وأكثر الظواهر، وذلك باطل بالاتفاق.

ومنها: أن خلافة يوشع ليست معلومة وإنما يذكرها قوم من اليهود، وخلافة هارون من موسى نطق بها القرآن.

وقيل: إن يوشع كان نبيا موحى إليه لم يعترف موسى بعد بخلافته بالوحي والخلافة كانت في ولد هارون.

ومنها: أن النبي عليه السلام جمع له المنازل زيادة على الاستخلاف، فلم يجز أن يشبه ذلك بيوشع.

وقد تكلمنا على ما يتفرع على هذه الجملة في هذا الخبر والذي قبله في تلخيص الشافي وشرح الجمل، فلا نطول بذكره ههنا لأن فيما ذكرناه كفاية إنشاء الله.