عقائد الشيعة الإمامية / الشيخ الطوسي

 

فصل في تثبيت إمامة الإثني عشر عليهم السلام

 

الاقتصاد - الشيخ الطوسي - ص 231 - 237

إذا ثبت بما قدمناه أن الزمان لا يخلو من إمام وأن من شرطه أن يكون مقطوعا على عصمته أو يكون أكثر ثوابا عند الله أو أعلمهم بجميع أحكام الشريعة، سهل الكلام على إمامة إمام بعد أمير المؤمنين عليه السلام، لأنه نعتبر أقوال الأمة في عصر كل إمام فنجدها بين أقوال: قائل يقول لا إمام، وما دللنا به من أن الزمان لا يخلو من إمام يفسد قوله.

وقائل يقول بإمامة من لا يقطع على عصمته بل لا يجعلها من شرط الإمامة، وذلك يبطل بما قدمناه من وجوب القطع على عصمة الإمام.

وقائل يقول بإمامة من يدعى عصمته لكنه يذهب إلى إمامة من لا يدعى النص عليه ولا المعجز، وقد بينا أنه لا طريق إلى معرفة المعصوم إلا بأحد هذين، فقوله يفسد أيضا بذلك.

ومن ادعى النص إما صريحا أو محتملا فإنه يذهب إلى إمامة من علمنا موته كالكيسانية القائلين بإمامة ابن الحنفية والناووسية والواقفة على جعفر بن محمد والفطحية القائلين بإمامة عبد الله بن جعفر الصادق وكالواقفة القائلين بإمامة موسى بن جعفر وأنه لم يمت.

وأقوال هؤلاء تبطل بما علمنا من موت هؤلاء ظاهرا مكشوفا.

وأيضا فأدل دليل على فساد هذه الفرق انقراضهم وأنه لم يبق لهم باقية ولو كانوا على حق ما انقرضوا.

وهذه الجملة إذا اعتبرتها في إمام إمام من عهد الحسين بن علي عليهما السلام وإلى عهد القائم ابن الحسن عليه السلام وجدتها صحيحة لا يمكن الطعن عليها إلا بالمنازعة في بعض الأصول التي ذكرناها، ومتى نازعوا في شيء من ذلك كان الكلام في تصحيح ذلك الأصل أولا ثم في فرعه.

والكلام على الزيدية داخل في جملة ذلك، لأنهم لا يقطعون على عصمة زيد، ولا يدعون أن من شرط الإمام أن يكون مقطوعا على عصمته، ومن حمل نفسه على ادعاء ذلك أخيرا مخالف للاجماع، ومع ذلك يفسد قوله لأنه لا يدعي نصا عليه ولا ظهور معجز.

وشرح هذه الجملة والكلام على فريق فريق بيناه في تلخيص الشافي وجملته ما قلناه فلا نطول بذكره الكتاب.

 

 

الكلام في الغيبة وسببها

فأما الكلام في الغيبة وسببها فهو أنه إذا ثبتت هذه الأصول التي قدمناها وأن كل زمان لا يخلو من إمام وأن من شرطه القطع على عصمته ووجود النص عليه فوجب إمامة من يدعى إمامته، لأن الناس في عصرنا بين أقوال، منهم من يدعى إمامة من لا يدعى القطع على عصمته فقوله يبطل لما قدمناه، فلم يبق بعد ذلك إلا القول بإمامته وإلا خرج الحق عن الأمة.

فإذا ثبتت إمامته ووجدناه لم يظهر علمنا أن لاستتاره سببا مبيحا له ذلك ولولاه لم يجز له الاستتار لكونه معصوما.

ولا يلزم أن يعلم ذلك السبب مفصلا كما نقول لمن طعن في إثبات الصانع بخلق المؤذيات وفعل الآلام وغير ذلك بأن نقول: إذا ثبتت حكمته تعالى علمنا أن هذه الأشياء لها وجه حكمة وإن لم نعلمه مفصلا.

وبذلك نجيب من طعن في متشابه القرآن، وإن تكلفنا الكلام في تفصيل ذلك فللاستظهار والقوة وإلا فالقدر الذي ذكرناه كاف في الحجة.

وإذا ثبتت ووجدنا التكليف دائما على المكلف كان علمنا أن استتاره لشيء يرجع إليهم، لأنه لو لم يكن يرجع إليهم لما حسن تكليفهم.

ولا يلزم أن نعلم ذلك الأمر مفصلا، كما نقول لمن أخل بشرط من شروط النظر فلم يحصل له العلم بالله: إنك قد أخللت بشرط من شروط النظر فتحتاج إلى أن تراجع وتعود فيه أبدا حتى يحصل لك العلم.

وكذلك من لم يظهر له الإمام ينبغي أن يراجع نفسه ويصلح سيرته، فإذا علم الله تعالى منه صدق النية في نصرة الإمام وأنه لا يتغير عن ذلك ظهر له الإمام.

وقيل في ذلك: أنه لا يمتنع أن يكون من لم يظهر له الإمام المعلوم من حاله أنه إذا ظهر له سيرته وألقى خبره إلى غيره من أوليائه وإخوانه فربما انتهى إلى شياع خبره وفساد أمره.

وقيل أيضا: أنه لا يمتنع إذا ظهر وظهر على يده علم معجز فإنه لا بد من ذلك لأن غيبته غير معلومة، وإذا كان كذلك دخلت عليه شبهة فيعتقد أنه مدع لما لا أصل له فيشيع خبره ويؤدي إلى الاغراء به. وغير ذلك من العلل.

فهذه العلة نطلبها فيمن لم يظهر له من شيعته وإن كانت علته مزاحة من حيث أن لطفه حاصل له لأنه يعتقد وجوده ويجوز تمكينه في كل حال فهو يخافه، واللطف به حاصل له وبمكانه أيضا يثق بوصول جميع الشرع إليه، لأنه لو لم يصل إليه ذلك ساغ له الاستتار إلا بسقوط التكليف عنهم، فإذا وجدنا التكليف باقيا والغيبة مستمرة علمنا أن جميع الشرع واصلا إليه.

فأما المخالف فسبب استتاره عنه اعتقاده بطلان إمامته.

وإن من ادعى هذا المنصب ممن أشرنا إليه ضال مضل ولا يحتاج أن يخرج علة في الاستتار عنه.

والفرق بين الاستتار وظهور آبائه عليهم السلام لم يكن المعلوم من حالهم أنهم يقومون بالأمر ويزيلون الدول ويظهرون بالسيف ويقومون بالعدل ويميتون الجور، وصاحب الزمان بالعكس من ذلك، ولهذا يكون مطلوبا مرموقا، والأولون ليسوا كذلك.

على أن آباءه ظهروا لأنه كان المعلوم أنهم لو قتلوا لكان هناك من يقوم مقامهم ويسد مسدهم، وليس كذلك صاحب الزمان، لأن المعلوم أنه لو هلك لم يكن هناك من يقوم مقامه ولا يسد مسده. فبان الفرق بينهما.

وطول غيبة الإمام كقصرها، فإنه ما دامت العلة الموجبة حاصلة فإنه مستتر إلى أن يعلم الله تعالى زوال العلة، فيعلم ذلك بما وقفه عليه آباؤه من الوقت المعلوم.

وبالأمارات اللائحة للنصر وغلبة الظن يقوم مقام العلم في ذلك، وخاصة إذا قيل لك: إذا ظهرت لك أمارات النصر فاعلم أنه وقت الخروج. وكل ذلك جائز.

وطول عمر صاحب الزمان - وإن كان خارقا للعادة - فالله تعالى قادر عليه بلا خلاف بيننا وبين من خالفنا من الأمة، وخرق العادات على من ليس بنبي قد بينا جوازه، فلا وجه لاستبعاد ذلك وقد استتر النبي عليه السلام في الشعب تارة وفي الغار أخرى، فلا ينبغي أن يتعجب من ذلك.

وليس لهم أن يقولوا أن استتار النبي عليه السلام كان مدة يسيرة. وذلك أن استتاره في الشعب كان ثلاث سنين، وإذا جاز الاستتار ولو يوما واحدا لعلة جاز الاستتار الطويل مع استمرار العلة، فلا فرق بين الطول والقصر، بل المراعى حصول العلة وزوالها.

وليس لهم أيضا أن يقولوا: أن النبي صلى الله عليه وآله استتر بعد أداء الشرع. وذلك أن وقت استتاره في الشعب لم يكن إذا حل الشريعة، لأن معظم الشريعة نزل بالمدينة، على أن في كون النبي عليه السلام بين الخلق لطفا ومصلحة فأي شئ قالوه في ذلك فهو قولنا بعينه.

والحدود المستحقة في حال الغيبة في جواب أصحابها والذم لا حق بمن أحوج الإمام إلى الغيبة.

ومثل ذلك يلزم المعتزلة الذين يقولون أهل الحل والعقد ممنوعون من اختيار الإمام، فما لهم إلا مثل ما عليهم.

ويدل على إمامة الاثني عشر -على ما نذهب إليه- ما تواترت به الشيعة من نص النبي صلى الله عليه وآله على الاثني عشر في الجملة، ورووه أيضا عن إمام إمام على من يقوم مقامه.

وترتيب ذلك كترتيب النص على أمير المؤمنين عليه السلام، والأسئلة على ذلك قد مضى الجواب عنها.

وأيضا فقد روى المخالف عن النبي عليه السلام أخبارا كثيرة ذكرناها في المفصح وغيره من كتبنا أن الأئمة بعده اثنا عشر.

فإذا ثبت العدد فالأمة بين قائلين: قائل يقول بالاثني عشر فهو يقطع على أنهم هؤلاء بأعيانهم، ومن لم يقل بإمامتهم لم يقصرها على عدد مخصوص. فإذا ثبت العدد بما رووه ثبت الأعيان بهذا الاعتبار.

والكلام في فروع الغيبة وأسئلتها استوفيناه في تلخيص الشافي لا نطول بذكره ههنا، وهذا القدر كاف ههنا إنشاء الله.