عقائد الشيعة الإمامية / العلامة الأميني

 

- 3 -

إبطال الخليفة الحدود

أخرج البلاذري في الأنساب 5: 33 من طريق محمد بن سعد، بالإسناد عن أبي إسحاق الهمداني: إن الوليد بن عقبة شرب فسكر فصلى بالناس الغداة ركعتين (1) ثم التفت فقال: أزيدكم ؟ فقالوا: لا قد قضينا صلاتنا، ثم دخل عليه بعد ذلك أبو زينب وجندب بن زهير الأزدي وهو سكران فانتزعا خاتمه من يده وهو لا يشعر سكرا.

قال أبو إسحاق: وأخبرني مسروق إنه حين صلى لم يرم حتى قاء، فخرج في أمره إلى عثمان أربعة نفر: أبو زينب. وجندب بن زهير. وأبو حبيبة الغفاري. والصعب بن جثامة. فأخبروا عثمان خبره فقال عبد الرحمن بن عوف، ما له ؟ أجن ؟ قالوا: لا، ولكنه سكر.

قال: فأوعدهم عثمان وتهددهم، وقال لجندب: أنت رأيت أخي يشرب الخمر ؟ قال: معاذ الله، ولكني أشهد إني رأيته سكران يقسلها من جوفه، وإني أخذت خاتمه من يده وهو سكران لا يعقل.

قال أبو إسحاق: فأتى الشهود عائشة فأخبروها بما جرى بينهم وبين عثمان، وإن عثمان زبرهم، فنادت عائشة: إن عثمان أبطل الحدود وتوعد الشهود.

وقال الواقدي: وقد يقال: إن عثمان ضرب بعض الشهود أسواطا، فأتوا عليا فشكوا ذلك إليه.

فأتى عثمان فقال: عطلت الحدود وضربت قوما شهدوا على أخيك فقلبت الحكم، وقد قال عمر: لا تحمل بني أمية وآل أبي معيط خاصة على رقاب الناس قال: فما ترى ؟ قال: أرى أن تعزله ولا توليه شيئا من أمور المسلمين، وأن تسأل عن الشهود فإن لم يكونوا أهل ظنة ولا عداوة أقمت على صاحبك الحد.

قال: ويقال: إن عائشة أغلظت لعثمان وأغلظ لها وقال: وما أنت وهذا ؟ إنما أمرت أن تقري في بيتك.

فقال قوم مثل قوله: وقال آخرون: ومن أولى بذلك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هكذا في الأنساب وصحيح مسلم وأما بقية المصادر فكلها مطبقة على أربع ركعات و ستوافيك إن شاء الله تعالى.

(2) كان الوليد أخاه لأمه أمهما أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس.

 

/ صفحة 121 /

منها، فاضطربوا بالنعال، وكان ذلك أول قتال بين المسلمين بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج من عدة طرق: إن طلحة والزبير أتيا عثمان فقالا له: قد نهيناك عن تولية الوليد شيئا من أمور المسلمين فأبيت وقد شهد عليه بشرب الخمر والسكر فاعزله وقال له علي: اعزله وحده إذا شهد الشهود عليه في وجهه.

فولى عثمان سعيد بن العاص الكوفة وأمره بإشخاص الوليد، فلما قدم سعيد الكوفة غسل المنبر ودار الإمامة وأشخص الوليد، فلما شهد عليه في وجهه وأراد عثمان أن يحده ألبسه جبة حبر و أدخله بيتا فجعل إذا بعث إليه رجلا من قريش ليضربه قال له الوليد: أنشدك الله أن تقطع رحمي وتغضب أمير المؤمنين عليك.

فيكف.

فلما رأى ذلك علي بن أبي طالب أخذ السوط ودخل عليه ومعه ابنه الحسن فقال له الوليد مثل تلك المقالة فقال له الحسن: صدق يا أبت، فقال علي: ما أنا إذا بمؤمن.

وجلده بسوط له شعبتان، وفي لفظ: فقال علي للحسن ابنه: قم يا بني فاجلده، فقال عثمان: يكفيك ذلك بعض من ترى فأخذ علي السوط ومشى إليه فجعل يضربه والوليد يسبه، وفي لفظ الأغاني: فقال له الوليد: نشدتك بالله وبالقرابة، فقال له علي: اسكت أبا وهب ! فإنما هلكت بنو إسرائيل بتعطيلهم الحدود فضربه وقال: لتدعوني قريش بعد هذا جلادها.

قالوا: وسئل عثمان أن يحلق، وقيل له: إن عمر حلق مثله، فقال: قد كان فعل ذلك ثم تركه.

وقال أبو مخنف وغيره: خرج الوليد بن عقبة لصلاة الصبح وهو يميل فصلى ركعتين ثم التفت إلى الناس فقال: أزيدكم ؟ فقال له عتاب بن علاق أحد بني عوافة ابن سعد وكان شريفا: لا زادك الله مزيد الخير، ثم تناول حفنة من حصى فضرب بها وجه الوليد وحصبه الناس وقالوا: والله ما العجب إلا ممن ولاك، وكان عمر بن الخطاب فرض لعتاب هذا مع الأشراف في ألفين وخمسمائة.

وذكر بعضهم: إن القي غلب على الوليد في مكانه، وقال يزيد بن قيس الأرحبي ومعقل بن قيس الرياحي: لقد أراد عثمان كرامة أخيه بهوان أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وفي الوليد يقول الحطيئة جرول بن أوس بن مالك العبسي:

شهد الحطيئة يوم يلقى ربه * إن الـــــوليد أحــــق بالعذر

 

/ صفحة 122 /

نادى وقد نفدت (1) صلاتهـــــم * أأزيـــــدكم ؟ ثمـــــلا وما يدري

ليزيدهم خيـــــرا ولـــــو قبــلوا * منـــــه لـــــزادهم عــــلى عشر

فأبـــــوا أبــا وهب ! ولو فعلوا * لقرنت بين الشفـــــع والـــــوتر

حبـــــسوا عنانك إذ جريت ولو * خلوا عنانك لم تزل تجري (2)

وذكر أبو الفرج في " الأغاني " 4: 178، وأبو عمر في " الاستيعاب " بعد هذه الأبيات لحطيئة أيضا قوله:

تكـــــلم فـي الصلاة وزاد فيها * عـــــلانية وجـــــاهر بالنـــفاق

ومج الخمر في سنن المصلي * ونــــادى والجميع إلى افتراق

أزيــــدكم ؟ على أن تحمدوني * فـــــمالكم ومــــا لي من خلاق

ثم قال أبو عمر: وخبر صلاته بهم وهو سكران وقوله: أزيدكم ؟ بعد أن صلى الصبح أربعا مشهور من رواية الثقات من نقل أهل الحديث وأهل الأخبار.

وهكذا جاء في مسند أحمد 1: 144، سنن البيهقي 8: 318، تاريخ اليعقوبي 2: 142 وقال: تهوع في المحراب، كامل ابن الأثير 3: 42، أسد الغابة 5: 91، 92 و قال: قوله لهم: أزيدكم ؟ بعد أن صلى الصبح أربعا مشهور من رواية الثقات من أهل الحديث، ثم ذكر حديث الطبري (3) في تعصب القوم على الوليد وقول عثمان له: يا أخي أصبر فإن الله يأجرك ويبوء القوم بإثمك.

فقال: قال أبو عمر: والصحيح عند أهل الحديث أنه شرب الخمر وتقيأها وصلى الصبح أربعا.

تاريخ أبي الفدا ج 176، الإصابة 3: 638 وقال: قصة صلاته بالناس الصبح أربعا وهو سكران مشهورة مخرجة: تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 104، السيرة الحلبية 2: 314 وقال: صلى بأهل الكوفة أربع ركعات وصار يقول في ركوعه وسجوده: إشرب واسقني.

ثم قاء في المحراب ثم سلم وقال: هل أزيدكم ؟ فقال له ابن مسعود

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الأغاني 4: 178، 179: تمت. بدل نفدت.

(2) وفي الأغاني 4: 179 حول هذه الأبيات رواية لا تخلو عن فائدة.

(3) أخرجه في تاريخه 5: 60، 61 من طريق مجمع على بطلانه عن كذاب عن مجهول عن وضاع متهم بالزندقة وهم: السري عن شعيب عن سيف بن عمر وسيوافيك تفصيل القول في هذا الطريق الوعر وإنه شوه تاريخ الطبري.

 

/ صفحة 123 /

رضي الله عنه: لا زادك الله خيرا ولا من بعثك إلينا وأخذ فردة خفه وضرب به وجه الوليد وحصبه الناس فدخل القصر والحصباء تأخذه وهو مترنح.. الخ.

وحكى أبو الفرج في الأغاني 4: 178 عن عبيد والكلبي والأصمعي: إن وليد بن عقبة كان زانيا شريب الخمر فشرب الخمر بالكوفة وقام ليصلي بهم الصبح في المسجد الجامع فصلى بهم أربع ركعات ثم التفت إليهم وقال لهم: أزيدكم ؟ وتقيأ في المحراب وقرأ بهم في الصلاة وهو رافع صوته:

علــق القلب الربابا * بعد ما شابت وشابا

وذكره في ص 179 نقلا عن عمر بن شبة، وروى من طريق المدائني في صفحة 180 عن الزهري أنه قال: خرج رهط من أهل الكوفة إلى عثمان في أمر الوليد فقال: أكلما غضب رجل منكم على أميره رماه بالباطل ؟ لئن أصبحت لكم لأنكلن بكم، فاستجاروا بعائشة وأصبح عثمان فسمع من حجرتها صوتا وكلاما فيه بعض الغلظة فقال: أما يجد مراق أهل العراق وفساقهم ملجأ إلا بيت عائشة.

فسمعت فرفعت نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: تركت سنة رسول الله صاحب هذا النعل.

فتسامع الناس فجاءوا حتى ملأوا المسجد فمن قائل: أحسنت، ومن قائل: ما للنساء ولهذا ؟ حتى تحاصبوا و تضاربوا بالنعال، ودخل رهط من أصحاب رسول الله على عثمان فقالوا له: إتق الله لا تعطل الحد واعزل أخاك عنهم فعزله عنهم.

وأخرج من طريق مطر الوراق قال: قدم رجل المدينة فقال لعثمان رضي الله عنه: إني صليت الغداة خلف الوليد بن عقبة فالتفت إلينا فقال: أزيدكم ؟ إني أجد اليوم نشاطا، وأنا أشم منه رائحة الخمر.

فضرب عثمان الرجل، فقال الناس: عطلت الحدود، وضربت الشهود.

وروى ابن عبد ربه قصة الصلاة في العقد الفريد 2: 273 وفيه: صلى بهم الصبح ثلاث ركعات وهو سكران.. الخ.

وجاء في صحيح البخاري في مناقب عثمان في حديث. قد أكثر الناس فيه.

قال ابن حجر في فتح الباري 7: 44 في شرح الجملة المذكورة: ووقع في رواية معمر: وكان أكثر الناس فيما فعل به، أي من تركه إقامة الحد عليه " على مروان "

/ صفحة 124 /

وإنكارهم عليه عزل سعد بن أبي وقاص.

قال الأميني: الوليد هو هذا الذي تسمع حديثه وسنوقفك في هذا الجزء و الأجزاء الآتية إن شاء الله على حقيقته حتى كأنك مطل عليه من أمم، تراه يشرب الخمر، ويقئ في محرابه، ويزيد في الصلاة من سورة السكر، وينتزع خاتمه من يده فلا يشعر به من شدة الثمل، وقد عرفه الله تعالى قبل يومه هذا بقوله عز من قائل: أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستون " سورة السجدة 18 " (1) .

وبقوله: إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا (2) .

وقال ابن عبد البر في الاستيعاب 2: 620: لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله عز وجل: إن جاءكم فاسق بنبأ. نزلت في الوليد. وحكاها عنه ابن الأثير في أسد الغابة 5: 90.

فهل من الممكن أن يجوز مثله حنكة الولاية عن إمام المسلمين ؟ فيحتنك النفوس ويستحوذ على الأموال، ويستولي على النواميس والأعراض، وتؤخذ منه الأحكام وتلقى إليه أزمة البسط والقبض في حاضرة المسلمين، ويأمهم على الجمعة والجماعة ؟ هل هذا شئ يكون في الشريعة ؟ أعزب عني واسأل الخليفة الذي ولاه وزبر الشهود عليه وتوعدهم أو ضربهم بسوطه.

وهب إن الولاية سبقت منه لكن الحد الذي ثبت موجبه وليم على تعطيله ما وجه إرجاءه إلى حين إدخال الرجل في البيت مجللا بجبة حبر وقاية له عن ألم السياط ؟ ثم من دخل عليه ليحده دافعه المحدود بغضب الخليفة وقطع رحمه، فهل كان الخليفة يعلم بنسبة الغضب إليه على إقامة حد الله وإيثار رحمه على حكم الشريعة ؟ فيغض الطرف عنه رضا منه بما يقول، أو لا يبلغه ؟ وهو خلاف سياق الحديث الذي ينم عن إطلاعه بكل ما هنالك، وكان يتعلل عن إقامة الحد بكل تلكم الأحوال، حتى إنه منع السبط المجتبى الحسن عليه السلام لما علم إنه لا يجنح إلى الباطل بالرقة عليه وأحب أن يجلده زبانيته الذين يتحرون مرضاته، لكن غلب أمر الله ونفذ حكمه بمولانا أمير المؤمنين الذي باشر الحد بنفسه والظالم يسبه وهو سلام الله عليه لا تأخذه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الجزء الثاني صفحة 42 ط 1 و 46 ط 2.

(2) سورة الحجرات آية 6.

 

/ صفحة 125 /

في الله لومة لائم، أو أمر سلام الله عليه عبد الله بن جعفر فجلده وهو عليه السلام يعد كما في الصحيح لمسلم (1) والأغاني وغيرهما.

وهل الحد يعطل بعد ثبوت ما يوجبه، حتى يقع عليه الحجاج، ويحتدم الحوار فيعود الجدال جلادا، وتتحول المكالمة ملاكمة، وتعلو النعال والأحذية، ويشكل أول قتال بين المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وعقيرة أم المؤمنين مرتفعة: أن عثمان عطل الحدود وتوعد الشهود.

ويوبخه على ذلك سيد العترة صلوات الله عليه بقوله: عطلت الحدود وضربت قوما شهدوا على أخيك ؟ وهل بعد هذه كلها يستأهل مثل هذا الفاسق المهتوك بلسان الكتاب العزيز أن يبعث على الأموال ؟ كما فعله عثمان و بعث الرجل بعد إقامة الحد عليه على صدقات كلب وبلقين (2)، وهل آصرة الإخاء تستبيح ذلك كله ؟.

ليست ذمتي رهينة بالجواب عن هذه الاسؤلة وإنما علي سرد القصة مشفوعة بالتعليل والتحليل، وأما الجواب فعلى عهدة أنصار الخليفة، أو أن المحكم فيه هو القارئ الكريم.

- 4

النداء الثالث بأمر الخليفة

أخرج البخاري وغيره بالإسناد عن السائب بن يزيد: إن النداء يوم الجمعة كان أوله في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي زمان أبي بكر وفي زمان عمر إذا خرج الإمام، وإذا قامت الصلاة حتى كان زمان عثمان فكثر الناس فزاد النداء الثالث على الزوراء فثبتت حتى الساعة(3).

وفي لفظ البخاري وأبي داود: الأذان كان أوله حين يجلس الإمام على المنبر يوم الجمعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان خلافة عثمان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الجزء الثاني من صحيح مسلم صفحة 52.

(2) تاريخ اليعقوبي 2: 142.

(3) صحيح البخاري 2: 95، 96، صحيح الترمذي 1: 68، سنن أبي داود 1: 171، سنن ابن ماجة 1: 348، سنن النسائي 3: 100، كتاب الأم للشافعي 1: 173، سنن البيهقي 1: 429، ج 3: 192، 205، تاريخ الطبري 5: 68، كامل ابن الأثير 3: 48، فيض الإله المالك للبقاعي 1: 193.

 

/ صفحة 126 /

وكثر الناس، أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث، فأذن به على الزوراء فثبت الأمر على ذلك.

وفي لفظ النسائي: أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث فأذن به على الزوراء.

وفي لفظ له أيضا: كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يوم الجمعة فإذا نزل أقام، ثم كان كذلك في زمن أبي بكر وعمر.

وفي لفظ الترمذي: كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر إذا خرج الإمام أقيمت الصلاة، فلما كان عثمان زاد النداء الثالث على الزوراء.

وفي لفظ البلاذري في الأنساب 5: 39 عن السائب بن يزيد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج للصلاة أذن المؤذن ثم يقيم، وكذلك كان الأمر على عهد أبي بكر وعمر، وفي صدر من أيام عثمان، ثم إن عثمان نادى النداء الثالث في السنة السابعة (1) فعاب الناس ذلك وقالوا: بدعة.

وقال ابن حجر في فتح الباري 2: 315: والذي يظهر إن الناس أخذوا بفعل عثمان في جميع البلاد إذ ذاك لكونه خليفة مطاع الأمر، ولكن ذكر الفاكهاني: إن أول من أحدث الأذان الأول بمكة الحجاج وبالبصرة زياد، وبلغني أن أهل الغرب الأدنى الآن لا تأذين عندهم سوى مرة، وروى ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر قال: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة.

فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الانكار، و يحتمل أن يريد إنه لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعة.

وحكا ما في الفتح الشوكاني في نيل الأوطار 3: 332، وذكر العيني في عمدة القاري حديث ابن عمر من إن: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة، وروى عن الزهري قوله: إن أول من أحدث الأذان الأول عثمان يؤذن لأهل الأسواق.

وقال: وفي لفظ: فأحدث عثمان التأذينة الثالثة على الزوراء ليجتمع الناس إلى أن قال: وقيل: إن أول من أحدث الأذان الأول بمكة الحجاج وبالبصرة زياد.

قال الأميني: إن أول ما يستفهم من رواة هذه الأحاديث إن المراد من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يعني السنة السابعة من خلافة عثمان توافق الثلاثين من الهجرة كما في تاريخ الطبري وغيره.

 

/ صفحة 127 /

كثرة الناس الموجبة لتكرر الأذان هل هو كثرتهم في مركز الخلافة المدينة المنورة أو كثرتهم في العالم ؟ أما الثاني فلم يكن يجديهم فيه ألف أذان، فإن صوت مؤذن المدينة لا يبلغ المدن والأمصار، ولا أن أولئك مكلفون بالإصغاء إلى أذان المدينة ولا الصلاة معه.

وأما كثرة الناس في المدينة نفسها لو تم كونها مصححا للزيادة في النداء فإنما يصحح تكثير المؤذنين في أنحاء البلد في وقت واحد لا الأذان بعد الإقامة الفاصل بينهما وبين الصلاة، وقد ثبت في السنة خلافه في الترتيب، وأحدوثة الخليفة إنما هي الزيادة في النداء بعد الإقامة لا إكثار المؤذنين كما نبه إليه التركماني في شرح السنن الكبرى للبيهقي 1: 429، ولذلك عابه عليه الصحابة، وحسبوه بدعة، ولا يخص تعدد المؤذنين بأيام عثمان فحسب، وقد كان في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله يؤذن بلال وابن أم مكتوم، واتخذ عثمان أربعة للحاجة إليها حين كثر الناس كما في شرح الآبي على صحيح مسلم 2: 136، ولا أجد خلافا في جواز تعدد المؤذنين، بل رتبوا عليه أحكاما مثل قولهم هل الحكاية المستحبة أو الواجبة كما قيل تتعدد بتعدد المؤذنين أم لا ؟ وقولهم: إذا أذن المؤذن الأول، هل للإمام أن يبطئ بالصلاة ليفرغ من بعده ؟ أو له أن يخرج ويقطع من بعده أذانه ؟ وقولهم: إذا تعدد المؤذنون لهم أن يؤذن واحد بعد واحد، أو يؤذن كلهم في أول الوقت ؟ وقال الشافعي في كتاب الأم 1: 72: إن كان مسجدا كبيرا له مؤذنون عدد فلا بأس أن يؤذن في كل منارة له مؤذن فيسمع من يليه في وقت واحد.

وظاهر ما مر في الصحيح من إنه زاد النداء الثالث هو إحداث الأذان بعد الأذان والإقامة لا الأذان قبلهما كما يأتي عن الطبراني، ويومي إليه قول بعض شراح الحديث من أن النداء الثالث ثالث باعتبار الشرعية لكونه مزيدا على الأذان بين يدي الإمام وعلى الإقامة للصلاة (1)، نعم: قال ابن حجر في فتح الباري 2: 315: تواردت الشراح على إن معنى قوله " الأذان الثالث " إن الأولين الأذان والإقامة، فتسمية ما أمر به عثمان ثالثا يستدعي سبق اثنين قبله.

وقال العيني في عمدته 2: 290: إنما أطلق الأذان على الإقامة لأنها إعلام كالآذان، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: بين كل أذانين صلاة لمن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح الترمذي في هامشه 2: 68.

 

/ صفحة 128 /

شاء (1)، ويعني به بين الأذان والإقامة.

وعلى تقدير إيجاب كثرة الناس الزيادة في النداء يلزم كما قلنا أن يكون الأذان الزايد في أطراف البلد وأقاصيه عن المسجد ليبلغ من لا يبلغه أذان المسجد الذي كان يؤذن به على باب المسجد على العهد النبوي ودور الشيخين، كما ورد في سنن أبي داود 1: 171، لا في الزوراء التي هي دار بقرب المسجد كما في القاموس، وتاج العروس، سواء كانت هي دار عثمان بن عفان التي ذكرها الحموي في المعجم 4: 412، وقال الطبراني: فأمر عثمان بالنداء الأول على دار له يقال لها: الزوراء فكان يؤذن له عليها (2) أو موضع عند سوق المدينة بقرب المسجد كما ذكره الحموي أيضا، أو حجر كبير عند باب المسجد على ما جزم به ابن بطال كما في فتح الباري 2: 315، وعمدة القاري 3: 291.

فالنداء في الزوراء على كل حال كالنداء في باب المسجد في مدى الصوت ومبلغ الخبر، فأي جدوى في هذه الزيادة المخالفة للسنة ؟ ثم إن كثرة الناس على فرضها في المدينة هل حصلت فجائية في السابعة من خلافة عثمان ؟ أو أن الجمعية كانت إلى التكثر منذ عادت عاصمة الخلافة الإسلامية ؟ فما ذلك الحد الذي أوجب مخالفة السنة ؟ أو ابتداع نداء ثالث ؟ وهل هذه السنة المبتدعة يجري ملاكها في العواصم والأوساط الكبيرة التي تحتوي أضعاف ما كان بالمدينة من الناس فيكرر فيها الأذان عشرات أو مئات ؟ سل الخليفة وأنصاره المبررين لعمله.

على أن كثرة الناس في المدينة إن كانت هي الموجبة للنداء الثالث فلماذا أخذ فعل الخليفة أهل البلاد جمعاء وعمل به ؟ ولم يكن فيها التكثر، وكان على الخليفة أن ينهاهم عنه وينوه بأن الزيادة على الأذان المشروع تخص بالمدينة فحسب، أو يؤخذ بحكمها في كل بلدة كثر الناس بها.

نعم: فتح الخليفة باب الجرأة على الله فجاء بعده معاوية ومروان وزياد والحجاج ولعبوا بدين الله على حسب ميولهم وشهواتهم والبادي أظلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه البخاري في صحيحه 2: 8.

(2) فتح الباري لابن حجر 2: 315، عمدة القاري 3: 291.

 

/ صفحة 129 /

- 5 -

توسيع الخليفة المسجد الحرام

قال الطبري في تاريخه ج 5: 47 في حوادث سنة 26 الهجرية: وفيها زاد عثمان في المسجد الحرام ووسعه وابتاع من قوم وأبى آخرون فهدم عليهم ووضع الأثمان في بيت المال فصاحوا بعثمان فأمر بهم الحبس وقال: أتدرون ما جرأكم علي ؟ ما جرأكم علي إلا حلمي، قد فعل هذا بكم عمر فلم تصيحوا به.

ثم كلمه فيهم عبد الله بن خالد ابن أسيد فأخرجوا.

وذكره هكذا اليعقوبي في تاريخه 2: 142، وابن الأثير في الكامل 3 ص 36.

وأخرج البلاذري في الأنساب 5: 38 من طريق مالك عن الزهري قال: وسع عثمان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فأنفق عليه من ماله عشرة آلاف درهم فقال الناس: يوسع مسجد رسول الله ويغير سنته.

قال الأميني: كأن الخليفة لم يكن يرى لليد ناموسا مطردا في الاسلام ولا للملك والمالكية قيمة ولا كرامة في الشريعة المقدسة، وكأنه لم يقرع سمعه قول نبي العظمة صلى الله عليه وآله: لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه (1) م وفي لفظ الجصاص في أحكام القرآن 1: 175: إلا بطيب نفسه.

وفي الشفاء للقاضي عياض، و نيل الأوطار 4: 182: إلا بطيبة من نفسه.

وفي صحيح ابن حبان: لا يحل لمسلم أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس منه ](2) .

وإن من العجب العجاب إن الخليفة نفسه أدرك عهد عمر وزيادته في المسجد، وشاهد محاكمة العباس بن عبد المطلب وإباءه عن إعطاء داره، ورواية أبي بن كعب وأبي ذر الغفاري وغيرهما حديث بناء بيت المقدس عن داود عليه السلام، وقد خصمه العباس بذلك، وثبتت عند عمر السنة الشريفة فخضع لها، كما مر تفصيله في الجزء السادس ص 262 - 266 ط 2 غير إن الرجل لم يكترث لذلك كله ويخالف تلك السنة الثابتة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ذكره بهذا اللفظ الحافظ ابن أبي جمرة الأزدي في بهجة النفوس 2: 134، و ج 4: 111.

(2) البحر الزاخر 1: 218.

 

/ صفحة 130 /

ثم يحتج بفعل عمر وهيبة الناس لكنه حلم فلم يهابوه، فهدم دور الناس من دون رضاهم وسجن من حاوره أو فاوضه في ذلك، ووضع الأثمان في بيت المال حتى قال الناس: يوسع مسجد رسول الله ويغير سنته.

- 6 -

رأي الخليفة في متعة الحج

أخرج البخاري في الصحيح بالإسناد عن مروان بن الحكم قال: سمعت عثمان وعلي رضي الله عنهما بين مكة والمدينة وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعا قال: لبيك عمرة وحجة معا قال: فقال عثمان: تراني أنهى الناس عن شئ وتفعله أنت ؟ قال: لم أكن لأدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد من الناس.

وفي لفظ أحمد: كنا نسير مع عثمان رضي الله عنه فإذا رجل يلبي بهما جمعا قال عثمان رضي الله عنه: من هذا ؟ فقالوا: علي.

فقال: ألم تعلم أني قد نهيت عن هذا ؟ قال بلى.

ولكن لم أكن لأدع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لقولك.

وأخرج الشيخان بالإسناد عن سعيد بن المسيب قال: اجتمع علي وعثمان رضي الله عنهما بعسفان وكان عثمان ينهى عن المتعة فقال له علي: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عنه ؟ قال: دعنا منك، قال: إني لا أستطيع أن أدعك.

فلما رأى ذلك علي أهل بهما جمعا.

وأخرج مسلم من طريق عبد الله بن شقيق قال: كان عثمان رضي الله عنه ينهى عن المتعة وكان علي رضي الله عنه يأمر بها، فقال عثمان لعلي كلمة، ثم قال علي: لقد علمت أنا قد تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: أجل ولكنا كنا خائفين.

راجع صحيح البخاري 3: 69، 71، صحيح مسلم 1: 349، مسند أحمد 1: 61، 95 سنن النسائي 5: 148، 152، سنن البيهقي 4: 352، ج 5: 22، مستدرك الحاكم 1: 472، تيسير الوصول 1: 282.

قال الأميني: لقد فصلنا القول في هذه المسألة في نوادر الأثر من الجزء السادس ص 198 130 و 213 220 ط 2 تفصيلا وذكرنا هنالك أحاديث جمة إن متعة الحج

/ صفحة 131 /

ثابتة بالكتاب والسنة ولم تنزل آية تنسخ متعة الحج ولم ينه عنها رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم حتى مات، وإنما النهي عنها رأي رآه الخليفة الثاني كما أخرجه الشيخان وجمع من أئمة الحديث من طرقهم المتكثرة، ولقد شاهد عثمان تلكم المواقف وما وقع فيها من الحوار وما أنكره الصحابة على من نهى عنها وكان كل حجته: إني لو رخصت في المتعة لهم لعرسوا بهن في الأراك ثم راحوا بهن حجاجا.

وأنت ترى أن هذه الحجة الداحضة لم تكن إلا رأيا تافها غير مدعوم ببرهنة، بل منقوض بالكتاب والسنة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله أعرف من صاحب هذا الرأي بهذه الدقيقة التي اكتشفها بنظارته المقربة، والله سبحانه قبله يعلم كل ذلك، فلم ينهيا عن متعة الحج بل أثبتاها.

ما العـــلم إلا كتاب الله والأثر * وما سوى ذلك لا عين ولا أثر

إلا هــــوى وخصومات ملفقة * فلا يغرنك من أربابها هدر (1)

نعم: شهد عثمان كل ذلك لكنه لم يكترث لشئ منها، وطفق يقتص أثر من قبله، وكان حقا عليه أن يتبع كتاب الله وسنة نبيه والحق أحق أن يتبع، ولم يقنعه كل ذلك حتى أخذ يعاتب أمير المؤمنين عليا عليه السلام الذي هو نفس الرسول، وباب مدينة علمه، وأقضى أمته وأعلمها على عدم موافقته له في رأيه المجرد الشاذ عن حكم الله، حتى وقع الحوار بينهما في عسفان وفي الجحفة وأمير المؤمنين عليه السلام متمتع بالحج، وكاد من جراء ذلك يقتل علي سلام الله عليه كما مر حديثه في الجزء السادس ص 205 ط 1 و 219 ط 2.

ونحن لا ندري مغزى جواب الرجل لمولانا علي عليه السلام لما قاله: لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله.

من قوله: أجل ولكنا كنا خائفين.

أي خوف كان في سنة حجة التمتع مع رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ وهي الحجة الوداع والنبي الأقدس كان معه مائة ألف أو يزيدون، وأنت تجد أعلام الأمة غير عارفين بهذا العذر التافه المختلق أيضا وقال إمام الحنابلة أحمد في المسند بعد ذكر الحديث: قال شعبة لقتادة: ما كان خوفهم قال: لا أدري.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البيتان للفقيه أبي زيد على الزبيدي المتوفى 813 ذكرهما صاحب شذرات الذهب 7: 203.

 

/ صفحة 132 /

أنا لا أدري، هذا مبلغ علم الخليفة ؟ أو مدى عقليته ؟ أو كمية إصراره على تنفيذ ما أراد ؟ أو حد اتباعه كتاب الله وسنة نبيه ؟ أو مقدار أمانته على ودائع الدين ؟ وهو خليفة المسلمين.

فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.

أليس من الغلو الممقوت الفاحش عندئذ ما جاء به البلاذري في الأنساب 5: 4 من قول ابن سيرين: كان عثمان أعلمهم بالمناسك وبعده ابن عمر.

إن كان أعلم الأمة هذه سيرته وهذا حديثه ؟ فعلى الاسلام السلام.

ـ 7 ـ

تعطيل الخليفة القصاص

أخرج الكرابيسي في أدب القضاء بسند صحيح إلى سعيد بن المسيب إن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: لما قتل عمر إني مررت بالهرمزان وجفينة وأبي لؤلؤة وهم نجى فلما رأوني ثاروا فسقط من بيتهم خنجر له رأسان نصابه في وسطه فانظروا إلى الخنجر الذي قتل به عمر فإذا هو الذي وصفه فانطلق عبيد الله بن عمر فأخذ سيفه حتى سمع ذلك من عبد الرحمن فأتى الهرمزان فقتله وقتل جفينة بنت أبي لؤلؤة صغيرة وأراد قتل كل سبي بالمدينة فمنعوه، فلما استخلف عثمان قال له عمرو بن العاص: إن هذا الأمر كان وليس لك على الناس سلطان فذهب دم الهرمزان هدرا.

وأخرجه الطبري في تاريخه 5: 42 بتغيير يسير والمحب الطبري في الرياض 2.

150، وذكره ابن حجر في الإصابة 3: 619 وصححه باللفظ المذكور.

وذكر البلاذري في الأنساب 5: 24 عن المدائني عن غياث بن إبراهيم: إن عثمان صعد المنبر فقال: أيها الناس إنا لم نكن خطباء وإن نعش تأتكم الخطبة على وجهها إن شاء الله، وقد كان من قضاء الله إن عبيد الله بن عمر أصاب الهرمزان وكان الهرمزان من المسلمين (1) ولا وارث له إلا المسلمون عامة وأنا إمامكم وقد عفوت أفتعفون ؟ قالوا: نعم.

فقال علي: أقد الفاسق فإنه أتى عظيما قتل مسلما بلا ذنب.

وقال لعبيد الله: يا فاسق ! لئن ظفرت بك يوما لأقتلنك بالهرمزان.

وقال اليعقوبي في تاريخه 2: 141 أكثر الناس في دم الهرمزان وإمساك عثمان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أسلم على يد عمر وفرض له في الفين كما في الإصابة وغيرها.

 

/ صفحة 133 /

عبيد الله بن عمر فصعد عثمان المنبر فخطب الناس ثم قال: ألا إني ولي دم الهرمزان وقد وهبته لله ولعمر وتركته لدم عمر.

فقام المقداد بن عمرو فقال: إن الهرمزان مولى لله ولرسوله وليس لك أن تهب ما كان لله ولرسوله.

قال: فننظر وتنظرون، ثم أخرج عثمان عبيد الله بن عمر من المدينة إلى الكوفة وأنزل دارا له فنسب الموضع إليه " كويفة ابن عمر " فقال بعضهم.

أبا عمرو ! عبيد الله رهن * فــلا تشكك بقتل الهرمزان

وأخرج البيهقي في السنن الكبرى 8: 61 بإسناد عن عبيد الله بن عبيد بن عمير قال: لما طعن عمر رضي الله عنه وثب عبيد الله بن عمر على الهرمزان فقتله فقيل لعمر: إن عبيد الله بن عمر قتل الهرمزان.

قال ولم قتله ؟ قال: إنه قتل أبي.

قيل: وكيف ذلك ؟ قال: رأيته قبل ذلك مستخليا بأبي لؤلؤة وهو أمره بقتل أبي.

وقال عمر: ما أدري ما هذا انظروا إذا أنا مت فاسألوا عبيد الله البينة على الهرمزان، هو قتلني ؟ فإن أقام البينة فدمه بدمي، وإن لم يقم البينة فأقيدوا عبيد الله من الهرمزان.

فلما ولي عثمان رضي الله عنه قيل له: ألا تمضي وصية عمر رضي الله عنه في عبيد الله ؟ قال: ومن ولي الهرمزان ؟ قالوا: أنت يا أمير المؤمنين ! فقال: قد عفوت عن عبيد الله بن عمر.

وفي طبقات ابن سعد 5: 8 10 ط ليدن: انطلق عبيد الله فقتل ابنة أبي لؤلؤة وكانت تدعي الاسلام، وأراد عبيد الله ألا يترك سبيا بالمدينة يومئذ إلا قتله فاجتمع المهاجرون الأولون فأعظموا ما صنع عبيد الله من قبل هؤلاء واشتدوا عليه وزجروه عن السبي فقال: والله لأقتلنهم وغيرهم.

يعرض ببعض المهاجرين، فلم يزل عمرو ابن العاص يرفق به حتى دفع إليه سيفه فأتاه سعد فأخذ كل واحد منهما برأس صاحبه يتناصيان، حتى حجز بينهما الناس، فأقبل عثمان وذلك في الثلاثة الأيام الشورى قبل أن يبايع له، حتى أخذ برأس عبيد الله بن عمر وأخذ عبيد الله برأسه ثم حجز بينهما وأظلمت الأرض يومئذ على الناس، فعظم ذلك في صدور الناس وأشفقوا أن تكون عقوبة حين قتل عبيد الله جفينة والهرمزان وابنة أبي لؤلؤة.

وعن أبي وجزة عن أبيه قال: رأيت عبيد الله يومئذ وإنه ليناصي عثمان وإن عثمان ليقول: قاتلك الله قتلت رجلا يصلي وصبية صغيرة، وآخر من ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم

/ صفحة 134 /

ما في الحق تركك.

قال: فعجبت لعثمان حين ولي كيف تركه ؟ ولكن عرفت إن عمرو بن العاص كان دخل في ذلك فلفته عن رأيه.

وعن عمران بن مناح قال جعل سعد بن أبي وقاص يناصي عبيد الله بن عمر حيث قتل الهرمزان وابنة أبي لؤلؤة، وجعل سعد يقول وهو يناصيه:

لا أســـــد إلا أنـــــت تـــــنـــــهت واحــــدا * وغــــالت أسود الأرض عنك الغوائل(1)

فقال عبيد الله: تعلم أني لحم ما لا تسيغه * فكـــــل من خشـاش الأرض ما كنت آكلا

فجاء عمرو بن العاص فلم يزل يكلم عبيد الله، ويرفق به حتى أخذ سيفه منه، وحبس في السجن حتى أطلقه عثمان حين ولي.

عن محمود بن لبيد: كنت أحسب إن عثمان إن ولي سيقتل عبيد الله لما كنت أراه صنع به، كان هو وسعد أشد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه.

وعن المطلب بن عبد الله قال: قال علي لعبيد الله بن عمر: ما ذنب بنت أبي لؤلؤة حين قتلتها ؟ قال: فكان رأي علي حين استشاره عثمان ورأي الأكابر من أصحاب رسول الله على قتله، لكن عمرو بن العاص كلم عثمان حتى تركه، فكان علي يقول: لو قدرت على عبيد الله بن عمر ولي سلطان لاقتصصت منه.

وعن الزهري: لما استخلف عثمان دعا المهاجرين والأنصار فقال: أشيروا علي في قتل هذا الذي فتق في الدين ما فتق.

فاجمع رأي المهاجرين والأنصار على كلمة واحدة يشجعون عثمان على قتله وقال: جل الناس: أبعد الله الهرمزان وجفينة يريدون يتبعون عبيد الله أباه.

فكثر ذلك القول، فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين ! إن هذا الأمر قد كان قبل أن يكون لك سلطان على الناس فاعرض عنه، فتفرق الناس عن كلام عمرو بن العاص.

وعن ابن جريج: إن عثمان استشار المسلمين فاجمعوا على ديتها، ولا يقتل بهما عبيد الله بن عمر، وكانا قد أسلما، وفرض لهما عمر، وكان علي بن أبي طالب لما بويع له أراد قتل عبيد الله بن عمر، فهرب منه إلى معاوية بن أبي سفيان، فلم يزل معه فقتل بصفين (2) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشعر لكلاب بن علاط أخي الحجاج بن علاط.

(2) حذفنا أسانيد هذه الأحاديث روما للاختصار وهي كلها مستندة.

 

/ صفحة 135 /

وذكر الطبري في تاريخه 5: 41 قال: جلس عثمان في جانب المسجد لما بويع ودعا عبيد الله بن عمر، وكان محبوسا في دار سعد بن أبي وقاص، وهو الذي نزع السيف من يده بعد قتله جفينة والهرمزان وابنة أبي لؤلؤة، وكان يقول: والله لأقتلن رجالا ممن شرك في دم أبي.

يعرض بالمهاجرين والأنصار فقام إليه سعد فنزع السيف من يده، وجذب شعره حتى أضجعه إلى الأرض وحبسه في داره حتى أخرجه عثمان إليه فقال عثمان لجماعة من المهاجرين والأنصار: أشيروا علي في هذا الذي فتق في الاسلام ما فتق، فقال علي: أرى أن تقتله.

فقال بعض المهاجرين: قتل عمر أمس ويقتل ابنه اليوم ؟ فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين ! إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الحدث كان ولك على المسلمين سلطان، إنما كان هذا الحدث ولا سلطان لك، قال عثمان: أنا وليهم وقد جعلتها دية واحتملتها في مالي، قال: وكان رجل من الأنصار يقال له: زياد بن لبيد البياضي إذا رأى عبيد الله بن عمر قال:

ألا يا عـــــبـــــيد الله ! ما لك مـهرب * ولا ملجأ من ابن أروى (1) ولا خفر

أصبــــــت دما والله في غـــــير حـله * حـــــراما وقتــــل الهرمزان له خطر

على غــــــير شئ غــير أن قال قائل * أتتهمون الهرمزان عـــــلى عــمر؟

فــــــقـــــال سفـــيه والحوادث جمة: * نعم اتهمه قـــــد أشـــــار وقـــد أمر

وكـــــان سـلاح العبد في جوف بيته * يقـــــلبها والأمر بالأمر يعــــتـــبـــر

قال: فشكا عبيد الله بن عمر إلى عثمان زياد بن لبيد وشعره فدعا عثمان زياد بن لبيد فنهاه قال: فأنشأ زياد يقول في عثمان:

أبا عـــــمرو عبيد الله رهن * فـــلا تشكك بقتل الهرمزان

فإنـك إن غفرت الجرم عنه * وأسباب الخطا فرسا رهان

أتعفو ؟ إذ عفوت بغير حـق * فــــما لك بالذي تحكي بدان

فدعا عثمان زياد بن لبيد فنهاه وشذ به. وذكره ابن الأثير في الكامل 5: 31. قال الأميني: الذي يعطيه الأخذ بمجامع هذه النقول أن الخليفة لم يقد عبيد الله قاتل الهرمزان وجفينة وابنة أبي لؤلؤة الصغيرة، مع إصرار غير واحد من الصحابة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أروى بنت كريز أم عثمان كما مر في 120.

 

/ صفحة 136 /

على القصاص، ووافقه على ذلك مولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام، لكنه قدم على رأيه الموافق للكتاب والسنة، وهو أقضى الأمة بنص النبي الأمين وعلى آراء الصحابة إشارة عمرو ابن العاصي ابن النابغة المترجم في الجزء الثاني صفحة 120 176 ط 2 بترجمة ضافية تعلمك حسبه ونسبه وعلمه ودينه حيث قال له: إن هذا الأمر كان وليس لك على الناس سلطان.. الخ.

على حين إن من كانت له السلطة عندئذ وهو الخليفة المقتول في آخر رمق من حياته حكم بأن يقتص من ابنه إن لم يقم البينة العادلة بأن هرمزان قتل أباه، ومن الواضح إنه لم يقمها، فلم يزل عبيد الله رهن هذا الحكم حتى أطلق سراحه، وكان عليه مع ذلك دم جفينة وابنة أبي لؤلؤة.

وهل يشترط ناموس الاسلام للخليفة في إجرائه حدود الله وقوع الحوادث عند سلطانه ؟ حتى يصاخ إلى ما جاء به ابن النابغة، وإن صحت الأحلام ؟ فاستيهاب الخليفة لماذا ؟ وهب إن خليفة الوقت له أن يهب أو يستوهب المسلمين حيث لا يوجد ولي للمقتول، ولكن هل له إلغاء الحكم النافذ من الخليفة قبله ؟ وهل للمسلمين الذين استوهبهم فوهبوا ما لا يملكون رد ذلك الحكم البات ؟ وعلى تقدير أن يكون لهم ذلك فهل هبة أفراد منهم وافية لسقوط القصاص، أو يجب أن يوافقهم عليها عامة المسلمين ؟ وأنت ترى إن في المسلمين من ينقم ذلك الاسقاط وينقد من فعله، حتى إن عثمان لما رأى المسلمين إنهم قد أبوا إلا قتل عبيد الله أمره فارتحل إلى الكوفة وأقطعه بها دارا وأرضا، وهي التي يقال لها: كويفة ابن عمر، فعظم ذلك عند المسلمين وأكبروه وكثر كلامهم فيه(1).

وكان أمير المؤمنين علي عليه السلام وهو سيد الأمة وأعلمها بالحدود والأحكام يكاشف عبيد الله ويهدده بالقتل على جريمته متى ظفر به، ولما ولي الأمر تطلبه ليقتله فهرب منه إلى معاوية بالشام، وقتل بصفين، كما في " الكامل " لابن الأثير 3: 32، وفي " الاستيعاب " لابن عبد البر: إنه قتل الهرمزان بعد أن أسلم وعفا عنه عثمان، فلما ولي علي خشي على نفسه فهرب إلى معاوية فقتل بصفين، وفي مروج الذهب 2: 24: إن عليا ضربه فقطع ما عليه من الحديد حتى خالط سيفه حشوة جوفه، وإن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ما مر في ص 133، ومعجم البلدان 7: 307.

 

/ صفحة 137 /

عليا قال حين هرب فيطلبه ليقيد منه بالهرمزان: لئن فاتني في هذا اليوم، لا يفوتني في غيره.

هذه كلها تنم عن إن أمير المؤمنين عليه السلام كان مستمرا على عدم العفو عنه، و إنه لم يكن هناك حكم نافذ بالعفو يتبع، وإلا لما طلبه ولا تحرى قتله، وقد ذكره بذلك يوم صفين لما برز عبيد الله أمام الناس فناداه علي: ويحك يا ابن عمر ! علام تقاتلني ؟ والله لو كان أبوك حيا ما قاتلني.

قال: أطلب بدم عثمان.

قال أنت تطلب بدم عثمان، والله يطلبك بدم الهرمزان، وأمر على الأشتر النخعي بالخروج إليه(1).

إلى هنا انقطع المعاذير في إبقاء عبيد الله والعفو عنه، لكن قاضي القضاة اطلع رأسه من ممكن التمويه، فعزى إلى شيخه أبي علي أنه قال (2) : إنما أراد عثمان بالعفو عنه ما يعود إلى عز الدين، لأنه خاف أن يبلغ العدو قتله فيقال: قتلوا إمامهم، و قتلوا ولده، ولا يعرفون الحال في ذلك فيكون فيه شماتة. ا هـ.

أولا تسائل هذا الرجل ؟ عن أي شماتة تتوجه إلى المسلمين في تنفيذهم حكم شرعهم وإجرائهم قضاء الخليفة الماضي في ابنه الفاسق قاتل الأبرياء، وإنهم لم تأخذهم عليه رأفة في دين الله لتعديه حدوده سبحانه ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون، ولم يكترثوا لأنه في الأمس أصيب بقتل أبيه واليوم يقتل هو فتشتبك المصيبتان على أهله، هذا هو الفخر المرموق إليه في باب الأديان لأنه منبعث عن صلابة في إيمان، و نفوذ في البصيرة، وتنمر في ذات الله، وتحفظ على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله ؟ و أخذ بمجاميع الدين الحنيف، فأي أمة هي هكذا لا تنعقد عليها جمل الثناء ولا تفد إليها ألفاظ المدح والاطراء ؟ وإنما الشماتة في التهاون بالأحكام، وإضاعة الحدود بالتافهات، واتباع الهوى والشهوات، لكن الشيخ أبا علي راقه أن يكون له حظا من الدفاع فدافع.

ثم إن ما ارتكبه الخليفة خلق لمن يحتذي مثاله مشكلة ارتبكوا في التأول في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مروج الذهب 2: 12.

(2) راجع شرح ابن أبي الحديد 1: 242.

 

/ صفحة 138 /

تبرير عمله الشاذ عن الكتاب والسنة. فمن زاعم إنه عفى عنه ولولي الأمر ذلك. و هم يقولون: إن الإمام له أن يصالح على الدية إلا إنه لا يملك العفو، لأن القصاص حق المسلمين بدليل إن ميراثه لهم وإنما الإمام نائب عنهم في الإقامة وفي العفو إسقاط حقهم أصلا ورأسا وهذا لا يجوز، ولهذا لا يملكه الأب والجد وإن كانا يملكان استيفاء القصاص وله أن يصلح على الدية (1).

وثان يحسب إنه استعفى المسلمين مع ذلك وأجابوه إلى طلبته وهم أولياء المقتول إذ لا ولي له.

ونحن لا ندري أنهم هل فحصوا عن وليه في بلاد فارس ؟ والرجل فارسي هو وأهله، أو إنهم اكتفوا بالحكم بالعدم ؟ لأنهم لم يشاهدوه بالمدينة، وهو غريب فيها ليس له أهل ولا ذووا قرابة، أو أنهم حكموا بذلك من تلقاء أنفسهم ؟ وما كان يضرهم لو أرجعوا الأمر إلى أولياءه في بلاده فيؤمنوهم حتى يأتوا إلى صاحب ترتهم فيقتصوا منه أو يعفوا عنه ؟.

ثم متى أجاب المسلمون إلى طلبة عثمان ؟ وسيدهم يقول: أقد الفاسق فإنه أتى عظيما.

وقد حكم خليفة الوقت قبله بالقصاص منه، ولم يكن في مجتمع الاسلام من يدافع عنه ويعفو إلا ابن النابغة، وقد مر عن ابن سعد قول الزهري من إنه أجمع رأي المهاجرين والأنصار على كلمة واحدة يشجعون عثمان على قتله.

وثالث يتفلسف بما سمعته عن الشيخ أبي علي، وهل يتفلسف بتلك الشماتة والوصمة والمسبة على بني أمية في قتلهم من العترة الطاهرة والدا وما ولد وذبحهم في يوم واحد منهم رضيعا ويافعا وكهلا وشيخا سيد شباب أهل الجنة ؟.

وهناك من يصوغ لهرمزان وليا يسميه " القماذبان " ويحسب إنه عفى بإلحاح من المسلمين أخرج الطبري في تاريخه 5: 43 عن السري وقد كتب إليه شعيب عن سيف بن عمر عن أبي منصور قال سمعت القماذبان يحدث عن قتل أبيه قال: كانت العجم بالمدينة يستروح بعضها إلى بعض فمر فيروز بأبي ومعه خنجر له رأسان فتناوله منه و قال: ما تصنع في هذه البلاد ؟ فقال: أبس به.

فرآه رجل فلما أصيب عمر قال: رأيت هذا مع الهرمزان دفعه إلى فيروز، فأقبل عبيد الله فقتله فلما ولي عثمان دعاني فأمكنني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بدايع الصنايع لملك العلماء الحنفي 7: 245.

 

/ صفحة 139 /

منه ثم قال: يا بني هذا قاتل أبيك وأنت أولى به منا فاذهب فاقتله. فخرجت به وما في الأرض أحد إلا معي إلا أنهم يطلبون إلي فيه فقلت لهم: ألي أقتله ؟ قالوا: نعم. وسبوا عبيد الله، فقلت: أفلكم أن تمنعوه ؟ قالوا: لا، وسبوه.

فتركته لله ولهم فاحتملوني، فوالله ما بلغت المنزل إلا على رؤوس الرجال وأكفهم.

ولو كان هذا الولي المزعوم موجودا عند ذاك فما معنى قول عثمان في الصحيح المذكور على صهوة المنبر: لا وارث له إلا المسلمون عامة وأنا إمامكم ؟ وما قوله الآخر في حديث الطبري نفسه: أنا وليهم وقد جعلته دية واحتملتها في مالي ؟ ولو كان يعلم بمكان هذا الوارث فلم حول القصاصا إلى الدية قبل مراجعته ؟ ثم لما حوله فلم لم يدفع الدية إليه واحتملها في ماله ؟ ثم أين صارت الدية وما فعل بها ؟ أنا لا أدري.

ولو كان المسلمون يعترفون بوجود القماذبان وما في الأرض أحد إلا معه وهو الذي عفى عن قاتل أبيه فما معنى قول الخليفة: وقد عفوت، أفتعفون ؟ وقوله في حديث البيهقي: قد عفوت عن عبيد الله بن عمر ؟ وما معنى استيهاب خليفة المسلمين وولي المقتول حي يرزق ؟ وما معنى مبادرة المسلمين إلى موافقته في العفو والهبة ؟ وما معنى تشديد مولانا أمير المؤمنين في النكير على من تماهل في القصاص ؟ وما معنى قوله عليه السلام لعبيد الله يا فاسق ! لئن ظفرت بك يوما لأقتلنك بالهرمزان ؟ وما معنى تطلبه لعبيد الله ليقتله أبان خلافته ؟ وما معنى هربه من المدينة إلى الشام خوفا من أمير المؤمنين ؟ وما معنى قول عمرو بن العاصي لعثمان: إن هذا الأمر كان وليس لك على الناس سلطان ؟ وما معنى قول سعيد بن المسيب: فذهب دم الهرمزان هدرا ؟ وما معنى قول لبيد بن زياد وهو يخاطب عثمان. أتعفو إذ عفوت بغير حق.. الخ ؟.

وما معنى ما رواه ملك العلماء الحنفي في بدائع الصنائع 7: 245 وجعله مدرك الفتوى في الشريعة ؟ قال: روي إنه لما قتل سيدنا عمر رضي الله عنه خرج الهرمزان والخنجر في يده فظن عبيد الله إن هذا هو الذي قتل سيدنا عمر رضي الله عنه فقتله فرفع ذلك إلى سيدنا عثمان رضي الله عنه فقال سيدنا علي رضي الله عنه لسيدنا عثمان: اقتل عبيد الله.

فامتنع سيدنا عثمان رضي الله عنه و قال: كيف أقتل رجلا قتل أبوه أمس ؟ لا أفعل، ولكن هذا رجل من أهل الأرض و أنا وليه أعفو عنه وأودي ديته.

 

/ صفحة 140 /

وما معنى قول الشيخ أبي علي ؟: إنه لم يكن للهرمزان ولي يطلب بدمه والإمام ولي من لا ولي له، وللولي أن يعفو.

ولبعض ما ذكر زيفه ابن الأثير في الكامل 3: 32 فقال: الأول أصح في إطلاق عبيد الله لأن عليا لما ولي الخلافة أراد قتله فهرب منه إلى معاوية بالشام، ولو كان إطلاقه بأمر ولي الدم لم يتعرض له علي. ا هـ.

وقبل هذه كلها ما في إسناد الرواية من الغمز والعلة، كتبها إلى الطبري السري ابن يحيى الذي لا يوجد بهذه النسبة له ذكر قط، غير إن النسائي أورد عنه حديثا لسيف بن عمر فقال: لعل البلاء من السري (1) وابن حجر يراه السري بن إسماعيل الهمداني الكوفي الذي كذبه يحيى بن سعيد وضعفه غير واحد من الحفاظ، ونحن نراه السري بن عاصم الهمداني نزيل بغداد المتوفى 258، وقد أدرك ابن جرير الطبري شطرا من حياته يربو على ثلاثين سنة، كذبه ابن خراش، ووهاه ابن عدي، وقال: يسرق الحديث وزاد ابن حبان: ويرفع الموقوفات لا يحل الاحتجاج به، وقال النقاش في حديث: وضعه السري (2) فهو مشترك بين كذابين لا يهمنا تعيين أحدهما.

والتسمية بابن يحيى محمولة على النسبة إلى أحد أجداده كما ذكره ابن حجر في تسميته بابن سهل (3) هذا إن لم تكن تدليسا، ولا يحسب القارئ إنه السري بن يحيى الثقة لقدم زمانه وقد توفي سنة 167 (4) قبل ولادة الطبري الراوي عنه المولود سنة 224 بسبع وخمسين سنة.

وفي الاسناد شعيب بن إبراهيم الكوفي المجهول، قال ابن عدي: ليس بالمعروف وقال الذهبي: راوية كتب سيف عنه فيه جهالة (5) .

وفيه سيف بن عمر التميمي راوي الموضوعات، المتروك، الساقط، المتسالم على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تهذيب التهذيب 3: 460.

(2) تاريخ الخطيب 9: 193، ميزان الاعتدال 1: 380، لسان الميزان 3: 13، وما مر في ج 5: 231 ط 2.

(3) لسان الميزان 3: 13.

(4) تهذيب التهذيب 3: 461.

(5) ميزان الاعتدال 1: 448، لسان الميزان 3: 145.

 

/ صفحة 141 /

ضعفه: المتهم بالزندقة، كما مرت ترجمته في صفحة 84.

وقد مر عن السيوطي إنه ذكر حديثا بهذا الطريق وقال: موضوع فيه ضعفاء أشدهم سيف بن عمر.

وفيه أبو منصور، مشترك بين عدة ضعفاء لا يعول عليهم ولا على روايتهم.

 

(عذر مفتعل)

إن المحب الطبري أعماه الحب وأصمه فجاء بعذر مفتعل غير ما ذكر قال في رياض النضرة 2: 150: عنه جوابان: الأول إن الهرمزان شارك أبا لؤلؤة في ذلك وملأه، وإن كان المباشر أبو لؤلؤة وحده لكن المعين على قتل الإمام العادل يباح قتله عند جماعة من الأئمة، وقد أوجب كثير عن الفقهاء القود على الآمر والمأمور وبهذا اعتذر عبيد الله بن عمر وقال: إن عبد الرحمن بن أبي بكر أخبره إنه رأى أبا لؤلؤة و الهرمزان وجفينة يدخلون في مكان ويتشاورون وبينهم خنجر له رأسان مقبضه في وسطه فقتل عمر في صبيحة تلك فاستدعى عثمان عبد الرحمن فسأله عن ذلك فقال: انظروا إلى السكين فإن كانت ذات طرفين فلا أرى القوم إلا وقد اجتمعوا على قتله.

فنظروا إليها فوجدوها كما وصف عبد الرحمن، فلذلك ترك عثمان قتل عبيد الله بن عمر لرؤيته عدم وجود القود لذلك، أو لتردده فيه فلم ير الوجوب للشك.

والجواب الثاني: إن عثمان خاف من قتله ثوران فتنة عظيمة لأنه كان بنو تيم وبنو عدي مانعون من قتله، ودافعون عنه، وكان بنو أمية أيضا جانحون إليه، حتى قال له عمرو بن العاص: قتل أمير المؤمنين عمر بالأمس، ويقتل ابنه اليوم ؟ لا والله لا يكون هذا أبدا، ومال في بني جمح، فلما رأى عثمان ذلك اغتنم تسكين الفتنة وقال: أمره إلي وسأرضي أهل الهرمزان منه.

قال الأميني: إن إثبات مشاركة هرمزان أبا لؤلؤة في قتل الخليفة على سبيل البت لمحض ما قاله عبد الرحمن بن أبو بكر من إنه رآهما متناجيين وعند أبي لؤلؤة خنجر له رأسان دونه خرط القتاد، فإن من المحتمل إنهما كانا يتشاوران في أمر آخر بينهما، أو أن أبا لؤلؤة استشاره فيما يريد أن يرتكب فنهاه عنه الهرمزان، لكنه لم يصغ إلى قيله فوقع القتل غدا، إلى أمثال هذين من المحتملات، فكيف يلزم الهرمزان

/ صفحة 142 /

والحدود تدرأ بالشبهات ؟ (1) هب إن عبد الرحمن شهد بتلك المشاركة، وادعى إنه شاهد الوقفة بعينه، فهل يقتل مسلم بشهادة رجل واحد في دين الله ؟ ولم تعقد البينة الشرعية مصافقة لتلك الدعوى، ولهذا لما أنهيت القضية من اختلاء الهرمزان بأبي لؤلؤة إلى آخرها إلى عمر نفسه قال: ما أدري هذا انظروا إذا أنامت فاسألوا عبيد الله البينة على الهرمزان، هو قتلني ؟ فإن أقام البينة فدمه بدمي، وإذا لم يقم البينة فأقيدوا عبيد الله من الهرمزان.

وهب أن البينة قامت عند عبيد الله على المشاركة، فهل له أن يستقل بالقصاص ؟ أو إنه يجب عليه أن يرفع أمره إلى أولياء الدم ؟ لاحتمال العفو في بقية الورثة مضافا إلى القول بأنه من وظائف السلطان أو نائبه، وعلى هذا الأخير الفتوى المطردة بين العلماء (2) .

على إنه لو كانت لعبيد الله أو لمن عطل القصاص منه معذرة كهذه لأبدياها أمام الملأ المنتقد، ولما قال مولانا أمير المؤمنين اقتل هذا الفاسق، ولما تهدده بالقتل متى ظفر به، ولما طلبه ليقتله أبان خلافته، ولما هرب عنه عبيد الله إلى معاوية، ولما اقتصر عثمان بالعذر بأنه ولي الدم، وإن المسلمين كلهم أولياء المقتول، ولما وهبه واستوهب المسلمين، ولما كان يقع الحوار بين الصحابة الحضور في نفس المسألة، ولما قام إليه سعد بن أبي وقاص وانتزع السيف من يده وجزه من شعره حتى أضجعه وحبسه في داره.

وهب إنه تمت لعبيد الله هذه المعذرة فبماذا كان اعتذاره في قتل بنت أبي لؤلؤة المسكينة الصغيرة، وتهديده الموالي كلهم بالقتل ؟ 2 أنا لا أدري من أين جاء المحب بهذا التاريخ الغريب من نهضة تيم وعدي ومنعهم من قتل عبيد الله، وجنوح الأمويين إليهم بصورة عامة ؟ حتى يخافهم الخليفة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن ابن ماجة 2: 112، سنن البيهقي 8: 238، سنن الترمذي 2: 171، أحكام القرآن للجصاص 3: 330، تيسير الوصول 2: 20.

(2) كتاب الأم للشافعي 6: 11، المدونة الكبرى 4: 502، فيض الإله المالك للبقاعي 2: 286.

 

/ صفحة 143 /

الجديد. وأي خليفة هذا يستولي عليه الفرق من أول يومه ؟ فإذا تبينت عليه هذه الضؤلة في مفتتح خلافته، فبأي هيبة يسوس المجتمع بعده ؟ ويقتص القاتل، ويقيم الحدود، ولكل مقتص منه أو محدود قبيلة تغضب له، ولها أحلاف يكونون عند مرضاتها.

ليس في كتب التاريخ والحديث أي أثر مما ادعاه المحب المعتذر، وإلا لكان سعد بن أبي وقاص أولى بالخشية يوم قام إلى عبيد الله وجز شعره، وحبسه في داره، ولم ير أي تيمي طرق باب سعيد، ولا عدوي أنكر عليه، ولا أموي أظهر مقته على ذلك، لكن المحب يريد أن يستفزهم وهم رمم بالية.

ثم لو كان عند من ذكرهم جنوح إلى تعطيل هذا الحكم الإلهي حتى أوجب ذلك حذار الخليفة من بوادرهم ؟ فإنه معصية تنافي عدالة الصحابة، وقد أطبق القوم على عدالتهم.

ولو كان الخليفة يروعه إنكار المنكرين على ما يريد أن يرتكب ؟ فلما ذا لم يرعه إنكار الصحابة على الأحداث في أخرياته ؟ حتى أودت به، أكان هيابا ثم تشجع ؟ سل عنه المحب الطبري.

- 8 -

رأي الخليفة في الجنابة

أخرج مسلم في الصحيح بالإسناد عن عطاء بن يسار: إن زيد بن خالد الجهني أخبره أنه سأل عثمان بن عفان قال: قلت أرأيت إذا جامع الرجل امرأته ولم يمن ؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره.

قال عثمان: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم(1) .

وأخرجه البخاري في صحيحه، وزاد عليه ولفظه: سئل عثمان بن عفان عن الرجل يجامع فلا ينزل فقال: ليس عليه غسل، ثم قال: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فسألت بعد ذلك علي بن أبي طالب والزبير بن عوام وطلحة بن عبيد الله وأبي ابن كعب فقالوا: مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرجه بطريق آخر وفيه: فأمروه بذلك بدل قوله: " فقالوا مثل ذلك عن النبي "(2).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم 1: 142.

(2) صحيح البخاري 1: 109.

 

/ صفحة 144 /

وأخرجه أحمد في مسنده 1: 63، 64 وفيه: فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والزبير العوام وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب فأمروه بذلك، فليس في لفظه " عن رسول الله " وبالألفاظ الثلاثة ذكره البيهقي في السنن الكبرى 1: 164، 165.

قال الأميني: هذا مبلغ فقه الخليفة أبان خلافته وبين يديه قوله تعالى: " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا جنبا إلا عابري السبيل حتى تغتسلوا " " النساء 43 " قال الشافعي في كتاب الأم 1: 31: فأوجب الله عز وجل الغسل من الجنابة فكان معروفا في لسان العرب إن الجنابة الجماع وإن لم يكن مع الجماع ماء دافق، وكذلك ذلك في حد الزنا وإيجاب المهر وغيره، وكل من خوطب بأن فلانا أجنب من فلانة عقل إنه أصابها وإن لم يكن مقترفا، قال الربيع يريد إنه لم ينزل ودلت السنة على أن الجنابة أن يفضي الرجل من المرأة حتى يغيب فرجه في فرجها إلى أن يواري حشفته، أو أن يرى الماء الدافق، وإن لم يكن جماع. ا هـ.

وقال في اختلاف الحديث في هامش كتاب الأم 1: 34: فكان الذي يعرفه من خوطب بالجنابة من العرب إنها الجماع دون الانزال، ولم تختلف العامة إن الزنا الذي يجب به الحد: الجماع دون الانزال، وأن من غابت حشفته في فرج امرأة وجب عليه الحد، وكان الذي يشبه إن الحد لا يجب إلا على من أجنب من حرام. ا هـ.

وفي تفسير القرطبي 5: 204: الجنابة: مخالطة الرجل المرأة.

والجمهور من الأمة على إن الجنب هو غير الطاهر من إنزال أو مجاوزة ختان. ا هـ.

ثم كيف عزب عن الخليفة حكم المسألة، وقد مرنته الاسؤلة، وعلمته الجوابات النبوية، وبمسمع منه مذاكرات الصحابة لما وعوه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وإليك جملة منها: 1 - عن أبي هريرة مرفوعا: إذا قعد بين شعبها الأربع والزق الختان بالختان قفد وجب الغسل.

وفي لفظ: إذا قعد بين شعبها الأربع، ثم أجهد نفسه، فقد وجب الغسل أنزل أو لم ينزل.

 

/ صفحة 145 /

وفي لفظ ثالث: إذا التقى الختان بالختان وجب الغسل أنزل أو لم ينزل.

وفي لفظ أحمد: إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهد، فقد وجب الغسل.

صحيح البخاري 1: 108، صحيح مسلم 1: 142، سنن الدارمي 1: 194، سنن البيهقي 1: 163، مسند أحمد 2: 234، 347، 393، المحلى لابن حزم 2: 3، مصابيح السنة 1: 30، الاعتبار لابن حازم ص 30، تفسير القرطبي 5: 200، تفسير الخازن 1: 375.

2 - عن أبي موسى إنهم كانوا جلوسا فذكروا ما يوجب الغسل، فقال من حضره من المهاجرين: إذا مس الختان الختان وجب الغسل. وقال من حضره من الأنصار: لا حتى يدفق.

فقال أبو موسى: أنا آتي بالخبر، فقام إلى عائشة فسلم ثم قال: إني أريد أن أسألك عن شئ وأنا أستحييك، فقالت: لا تستحي أن تسألني عن شئ كنت سائلا عنه أمك التي ولدتك إنما أنا أمك قال قلت: ما يوجب الغسل ؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان بالختان وجب الغسل.

صحيح مسلم 1: 143، مسند أحمد 6: 116، الموطأ لمالك 1: 51، كتاب الأم للشافعي 1: 31، 33، سنن البيهقي 1: 164، المحلى لابن حزم 2: 2، المصابيح للبغوي 1: 32، سنن النسائي، وصححه ابن حبان، وابن القطان، الاعتبار لابن حازم ص 30.

3 - عن أم كلثوم عن عائشة: إن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: عن الرجل يجامع أهله يكسل هل عليه من غسل ؟ وعائشة جالسة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأفعل ذلك أنا وهذه نغتسل.

صحيح مسلم 1: 143، سنن البيهقي 1: 164، المدونة الكبرى 1: 34.

4 - عن الزهري: إن رجالا من الأنصار فيهم أبو أيوب وأبو سعيد الخدري كانوا يفتون: الماء من الماء، وإنه ليس على من أتى امرأته فلم ينزل غسل، فلما ذكر ذلك لعمر، وابن عمر، وعائشة أنكروا ذلك، وقالوا: إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل.

/ صفحة 146 /

صحيح الترمذي 1: 16، وصححه فقال: وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سنن البيهقي 1: 165.

5 - عن عائشة قالت: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا. وفي لفظ: إذا قعد بين الشعب الأربع، ثم ألزق الختان بالختان فقد وجب الغسل. سنن ابن ماجة 1: 211، مسند أحمد 6: 47، 112، 161.

6 - عن عمرو بن شعيب بن عبد الله بن عمرو بن العاصي عن أبيه مرفوعا عن جده إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل.

وزاد في المدونة: أنزل أولم ينزل.

سنن ابن ماجة 1: 212، المدونة الكبرى 1: 34، مسند أحمد 2: 178، وأخرجه ابن أبي شيبة كما في نيل الأوطار 1: 278.

وكأن الخليفة كان بمنتأى عن هذه الأحاديث فلم يسمعها ولم يعها، أو أنه سمعها لكنه ارتأى فيها رأيا تجاه السنة المحققة، أو إنه أدرك من أوليات الاسلام ظرفا لم يشرع فيه حكم الغسل وهو المراد مما زعم إنه سمعه من رسول الله فحسب إنه مستصحب إلى آخر الأبد حيث لم يتحر التعلم، ولم يصخ إلى المحاورات الفقهية حتى يقف على تشريع الحكم إلى أن تقلد الخلافة على من يعلم الحكم وعلى من لا يعلمه، فألهته عن الأخذ والتعلم، ثم إذا لم يجد منتدحا عن الفتيا في مقام السؤال فأجاب بما ارتآه أو بما علق على خاطره منذ دهر طويل قبل تشريع الحكم.

أو إنه كان سمع حكما منسوخا وعزب عنه ناسخه بزعم من يرى إن قوله صلى الله عليه وآله الماء من الماء (1) وما يشابهه في المعنى من قوله: إذا أعجلت أو أقحطت فلا غسل عليك وعليك الوضوء (2) قد نسخ بتشريع الغسل إن كان الاجتزاء بالوضوء فحسب حكما لموضوع المسألة، وكان قوله صلى الله عليه وآله: الماء من الماء واردا في الجماع.

وأما على ما ذهب إليه ابن عباس من إنه ليس منسوخا بل المراد به نفي وجوب الغسل بالرؤية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم 1: 141، 142، سنن ابن ماجة 1: 211، سنن البيهقي 1: 167.

(2) صحيح مسلم 1: 142، سنن ابن ماجة 1: 211.

 

/ صفحة 147 /

في النوم إذا لم يوجد احتلام (1) كما هو صريح قوله صلى الله عليه وآله: إن رأى احتلاما ولم ير بللا فلا غسل عليه (2) فمورد سقوط الغسل أجنبي عن المسألة هذه فلا ناسخ ولا منسوخ.

قال القسطلاني في إرشاد الساري 1: 331، والنووي في شرح مسلم هامش الارشاد 2: 426: الجمهور من الصحابة ومن بعدهم قالوا: إنه منسوخ ويعنون بالنسخ إن الغسل من الجماع بغير إنزال كان ساقطا ثم صار واجبا، وذهب ابن عباس وغيره إلى إنه ليس منسوخا بل المراد نفي وجوب الغسل بالرؤية في النوم إذا لم ينزل، وهذا الحكم باق بلا شك. ا هـ.

وأما ما مر في روايات أول العنوان من موافقة مولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام وأبي بن كعب وآخرين لعثمان في الفتيا، فمكذوب عليهم سترا على عوار جهل الخليفة بالحكم في مسألة سمحة سهلة كهذه، أما الإمام عليه السلام فقد مر في الجزء السادس 244 (3) رده على الخليفة الثاني في نفس المسألة وقوله: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل.

فأرسل عمر إلى عائشة فقالت: مثل قول علي عليه السلام فأخبت إليه الخليفة فقال: لا يبلغني أن أحدا فعله ولا يغسل إلا أنهتكه عقوبة.

وقد علم يوم ذاك حكم المسألة كل جاهل به ورفع الخلاف فيها قال القرطبي في تفسيره 5: 205: على هذا جماعة العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار وإن الغسل يجب بنفس التقاء الختانين وقد كان فيه خلاف بين الصحابة ثم رجعوا فيه إلى رواية عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

أترى عليا عليه السلام وافق عثمان وحكم خلاف ما أنزل الله تعالى بعد إفتائه به، وسوق الناس إليه، وإقامة الحجة عليه بشهادة من سمعه عن النبي الأعظم ؟ إن يتبعون إلا الظن وما تهوي الأنفس.

وأما أبي بن كعب فقد جاء عنه من طرق صحيحة قوله: إن الفتيا التي كانت الماء من الماء رخصة أرخصها رسول الله في أول الاسلام ثم أمر بالغسل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصابيح البغوي 1: 31، تفسير القرطبي 5: 205، الاعتبار لابن حازم ص 31، فتح الباري 1: 316.

(2) سنن الدارمي 1: 196، سنن البيهقي 1: 167، 168، مصابيح البغوي 1: 31.

(3) ط 1 و 261 ط 2.

 

/ صفحة 148 /

وفي لفظ: إنما كانت الفتيا في الماء من الماء في أول الاسلام ثم نهي عنها.

وفي لفظ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جعل ذلك رخصة للناس في أول الاسلام لقلة الثياب، ثم أمر بالغسل. وفي لفظ: ثم أمر بالاغتسال بعد(1) .

فليس من الممكن إن أبيا يروي هذه كلها، ثم يوافق عثمان على سقوط الغسل بعد ما تبين حكم المسألة وشاع وذاع في أيام الخليفة الثاني.

وأما غيرهما ففي فتح الباري 1: 315 عن أحمد أنه قال: ثبت عن هؤلاء الخمسة الفتوى بخلاف ما في هذا الحديث.

فنسبة القول بعدم وجوب الغسل في التقاء الختانين إلى الجمع المذكور بهت و قول زور، وقد ثبت منهم خلافه، تقول القوم عليهم لتخفيف الوطأة على الخليفة، و افتعلوا للغاية نفسها أحاديث منها ما في المدونة الكبرى 1: 34 من طريق ابن المسيب قال: إن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعائشة كانوا يقولون: إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل.

حسب المغفل إن باختلاق هذه الرواية يمحو ما خطته يد التاريخ والحديث في صحائفهما من جهل الرجلين بالحكم، ورأيهما الشاذ عن الكتاب والسنة.

وأعجب من هذا: عد ابن حزم في المحلى 2: 4 عليا وابن عباس وأبيا وعثمان وعدة أخرى وجمهور الأنصار ممن رأى أن لا غسل من الايلاج إن لم يكن أنزل ثم قال: وروي الغسل في ذلك عن عائشة وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس الخ.

كل هذه آراء متضاربة ونسب مفتعلة لفقها أمثال ابن حزم لتزحزح فتوى الخليفتين عن الشذوذ.

وأخرج أحمد في مسنده 4: 143 من طريق رشدين بن سعد عن موسى بن أيوب الغافقي عن بعض ولد رافع بن خديج عن رافع بن خديج قال: ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم أنزل، فاغتسلت وخرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته إنك دعوتني وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم أنزل، فاغتسلت فقال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن الدارمي 1: 194، سنن ابن ماجة 1: 212، سنن البيهقي 1: 165، الاعتبار لابن حازم ص 33.

 

/ صفحة 149 /

رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا عليك، الماء من الماء.

قال رافع: ثم أمرنا رسول الله بعد ذلك بالغسل.

هذه الرواية افتعلها واضعها لإبطال تأويل ابن عباس وإثبات النسخ ذاهلا عن أن هذا لا يبرر ساحة عثمان من لوث الجهل أيام خلافته بالحكم الناسخ.

وهل في وسع ذي مرة تعقل حكاية ابن خديج قصته لرسول الله صلى الله عليه وآله ؟ و إنه كان على بطن امرأته لما دعاه، وإنه قام ولم ينزل ؟ هل العادة قاضية لنقل مثل هذه لمثل رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ثم إن كان الرجل قام من فوره لدعوة نبيه، ولم يقض من حليلته وطره فلماذا أرجأ إجابة تلك الدعوة بالاغتسال ؟ ولم يكن واجبا، فممن أخذ ؟ ولماذا اغتسل ؟ ولما أمروا به بعد.

والنظرة في إسناد الرواية تغنيك عن البحث عما في متنها لمكان رشدين بن سعد أبي الحجاج المصري، ضعفه أحمد، وقال ابن معين: لا يكتب حديثه، ليس بشئ، وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث.

وقال أبو حاتم: منكر الحديث فيه غفلة ويحدث بالمناكر عن الثقات، ضعيف الحديث.

وقال الجوزقاني: عنده معاضيل ومناكير كثيرة وقال النسائي: متروك الحديث ضعيف لا يكتب حديثه.

وقال ابن عدي: أحاديثه ما أقل من يتابعه عليها.

وقال ابن سعد: كان ضعيفا.

وقال ابن قانع، والدارقطني، وأبو داود: ضعيف الحديث.

وقال يعقوب بن سفيان: رشدين أضعف وأضعف.

عن: موسى بن أيوب الغافقي وهو وإن حكيت ثقته عن ابن معين، غير إنه نقل عنه أيضا قوله فيه: منكر الحديث، وكذا قال الساجي، وذكره العقيلي في الضعفاء (1) .

عن: بعض ولد رافع، مجهول لا يعرف، فالرواية مرسلة بإسناد لا يعول عليه، قال الشوكاني في نيل الأوطار 1: 280: حسنه الحازمي، وفي تحسينه نظر، لأن في إسناده رشدين، وليس من رجال الحسن، وفيه أيضا مجهول لأنه قال عن بعض ولد رافع بن خديج، فالظاهر ضعف الحديث لا حسنه. ا هـ.

وأما تبرير عثمان بتوهم كون السؤال عنه والجواب قبل تشريع الحكم، أو قبل نسخه السابق في أول الاسلام على العهد النبوي، كما يعرب عنه كلام القسطلاني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تهذيب التهذيب 3: 277. ج 10: 336.

 

/ صفحة 150 /

في إرشاد الساري 1: 332، فمن المستبعد جدا، فإن المسؤول يومئذ عن الأحكام وعن كل مشكلة هو رسول الله لا غيره، فما كان عثمان يسأل عن حكم إذا جهله رجع السائل إلى أفراد آخرين، فتصل النوبة إلى طلحة والزبير دون رسول الله، وأين كان الشيخان يوم ذاك ؟ وقد رووا عن ابن عمر إنه لم يك يفتي على عهد رسول الله أحد إلا أبو بكر وعمر كما مر في ج 7: 182 ط 2، فلا يسع لأي أحد الدفاع عن الخليفة بهذا التوهم.

وإن تعجب فعجب قول البخاري: الغسل أحوط، وذاك الأخير إنما بيناه لاختلافهم.

قاله بعد إخراج رواية أبي هريرة الموجبة للغسل المذكورة ص 144 ط 2، وفتوى عثمان المذكورة وحديث أبي الموافق معه، فجنح إلى رأي عثمان، وضرب عما جاء به نبي الاسلام، وأجمعت عليه الصحابة والتابعون والعلماء، كما سمعت عن القرطبي، وقال النووي في شرح مسلم هامش إرشاد الساري 2: 425: إن الأمة مجتمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع، وإن لم يكن معه إنزال، وعلى وجوبه بالإنزال. ا هـ.

وهذا الإجماع من عهد الصحابة وهلم جرا، وقال القاضي عياض: لا نعلم أحدا قال به بعد خلاف الصحابة إلا ما حكي عن الأعمش، ثم بعده داود الاصبهاني.

وقال القسطلاني في الارشاد 1: 333: قال البدر الدماميني كالسفاقسي فيه جنوح لمذهب داود، وتعقب هذا القول البرماوي بأنه إنما يكون ميلا لمذهب داود والجمهور على إيجاب الغسل بالتقاء الختانين وهو الصواب.

وقال ابن حجر في فتح الباري 1: 316: قال ابن العربي: إيجاب الغسل أطبق عليه الصحابة ومن بعدهم، وما خالف فيه إلا داود، ولا عبرة بخلافه، وإنما الأمر الصعب مخالفة البخاري وحكمه بأن الغسل مستحب، وهو أحد أئمة الدين وأجلة علماء المسلمين. ا هـ.

فلا تعجب عن بخاري يقدم في الفتوى رأي مثل عثمان على ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله بعد إجماع الأمة عليه تقديمه نظراء عمران بن حطان الخارجي على الإمام الصادق جعفر بن محمد في الرواية.

" ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين ".