عقائد الشيعة الإمامية / أبو صلاح الحلبي

 

مسائل التوحيد

 

مسألة: في وجوب النظر المؤدي إلى المعرفة

تقريب المعارف - أبو الصلاح الحلبي مسائل التوحيد - ص 62 - 93

أول الأفعال المقصودة التي لا يصح خلو العاقل منها وجوبا النظر المؤدي إلى المعرفة، يفرق ما بين الحق والباطل. لأن كل عاقل نشأ بين العقلاء يعلم اختلافهم، ودعوة كل فريق منهم إلى مذهبه وتخويفه من خلافه، فيخافهم لا محالة، وإذا خاف وجب عليه التحرز مما خافه، لعلمه ضرورة بوجوب التحرز من الضرر. فلا يخلو أن يتحرز باتباع الجل، أو اطراح الجل، أو اتباع بعض عن نظر، أو تقليد. واتباع الجل محال، لتنافي ما بينهم. واطراح الجل يقتضي كونه على ما كان عليه من الخوف. واتباع البعض عن تقليد لا يرفع خوفه مما أطرحه من المذاهب، لتجويز كونه حقا، ولا يقتضي سكونه إلى ما ذهب إليه، لتجويز كونه باطلا. فلم يبق لتحرزه من الضرر المخوف إلا النظر المميز للحق من الباطل، فوجب فعله، لكونه تحرزا من ضرر ( وليس لأحد أن يعترضنا بأن: ) ما يعطينا هذا الاستدلال وجوب النظر للتحرز من ضرر المذاهب، ولا يفيد الوجه الذي يشترطونه في وقوع المعارف المتولدة عن النظر الموقع الذي يستحق بها وبما تولدت عنه الثواب ويؤمن العقاب. لأن الوجه الذي لأجله وجب النظر على جميع الطرق كونه تحرزا من ضرر مخصوص، وهذا الوجه حاصل في هذه الطريقة، فيجب مساواتها لطريقتي العلم بالثواب والعقاب ووجوب معرفة فاعل الحي وما هو عليه من النفع. من حيث كان الناظر عند الخوف من معرة أهل الحق والباطل إنما ينظر في الأدلة للوجه الذي خوفه الدائن بها، من كونها طرقا إلى معرفة من خلقه حيا قادرا عاقلا سميعا بصيرا، وخلق المنافع له، وكلفه فعل الواجب وترك القبيح. ليعلم بمعرفته كونه منعما فيشكره، ومكلفا لما يستحق الثواب عليه من فعل الواجب واجتناب القبيح بفعل هذا والاخلال بذاك فيؤدي الواجب عليه من شكره، فيحوز به المدح والثواب، ويأمن الذم والعقاب، على الوجه الذي يستحق عليه الذم والمدح أقرب من الواجب وأبعد من القبيح. ( و ) وقوع نظره على هذا الوجه موجب لحصول المعارف به للوجه الذي له وجبت بغير شبهة، ومقتض لاستحقاق الثواب بما فعله من النظر وتولد عنه من المعرفة. وإن نظر في الشبه، فهو غير منفك من الخوف واستحقاق العقاب وفوت الثواب بترك النظر في أدلة المعارف. وإذا لم ينفك من الخوف منها والحال هذه، فإنما ينظر في شبه المبطلين ليعلم هل هي شبه أم أدلة ؟ فمتى وفي النظر حقه كشف له عن كونها شبها، واضطره الخوف إلى النظر في الأدلة، وأفضى به إلى العلم بمدلولها. فبان لحوق هذه الطريقة في وجوب النظر بالأوليين في وقوعه موقعه، وحصول المعارف عنه لوجهها، وإن كان ترتيبها مخالفا لترتيبها.

 

مسألة: في الأجسام وحدوثها

وأول منظور فيه الأجسام، لأن تقدير قدمها يسقط حكم التكاليف المكتسبة، وتقدير حدوثها يعينها، وطريق العلم بحدوثها مبني على مقدمة ضرورية ونتيجة مكتسبة: فالمقدمة: حدوث ما لم يسبق الحوادث. والنتيجة: إثبات الجسم بهذه الصفة. وتفتقر إلى إثبات أغيار للجسم، وأنها محدثة، وأن الجسم غير سابق لها. وطريق إثباتها: حصول العلم بصحة تنقله في الجهات وهو على ما هو عليه، ووجوب اختصاصه ببعضها. إذ لو وجب الأول لم يزل متنقلا ولاستغنى عن ناقل، ولو جاز الثاني في حال الاختصاص لم تكن جهة أولى به من جهة، فلا بد له من مقتض. ولا يجوز أن يكون جنسه ولا وجوده، لصحة خروجه عن الجهة مع كونه جنسا وموجودا. ولا يجوز أن يكون عدم معنى، لأن المعدوم لا يخصص ولا يؤثر. ولا يجوز أن يكون صفة بالفاعل، لأنها الحدوث أو وقوعه على وجه، وذلك يقتضي حدوث الجسم، لحاجته في الوجود إلى جهة، ووجوب تقدم الفاعل لفعله، وهذا غاية المطلوب. ولأن كونها بالفاعل يوجب اختصاصها بحال الحدوث، ولمن أحدث موصوفها، وتعلق به جميع صفاتها، إذ من المحال أن يحصل الحدوث لمن لا يقدر على الحادث ولا على جميع صفاته، أو يحصل كيفية الحدوث في حال البقاء كفعلي وفعل غيري. واختصاص الجسم بالجهة لمن لا يقدر على ذاته ولا على جميع صفاته وفي حال بقائه كحدوثه يحيل كون ذلك بالفاعل. فثبت أن المقتضي لهذا الحكم أمر غير الجسم. وانتقال الجسم عن الجهة إلى غيرها يقتضي بطلان ما كان أوجب اختصاصه بالأولى، وتجدد ما خصصه بالثانية، لاستحالة الكمون والانتقال على الأعراض. وتجدد الشئ عن عدم حقيقة في حدوثه وعدمه بعد الوجود يحيل قدمه، لوجوب وجود القديم، وما ليس بقديم محدث. وكون الجسم متحيزا يوجب حاجته إلى جهة قد بينا استناد اختصاصه بها إلى معنى، فلو جاز خلوه منه لخلا منها، وذلك محال، لكونه متحيزا. فثبت أن وجوده مضمن لوجود الحوادث، وقد علمنا ضرورة حدوث ما له هذا الحكم، فوجب إلحاق هذا التفصيل بتلك الجملة. طريقة أخرى معلوم أن للأجسام أحكاما هي عليها، مدركه وغير مدركة: فالمدركة: الألوان، والطعوم، والأراييح، والحرارة، والبرودة، والآلام المبتداة. وغير المدركة: الرطوبة، واليبوسة والشهوة، والنفور والحياة، والقدرة، والعلوم الضرورية التي هي من كمال العقل. وطريق إثبات الجميع أغيارا للجسم طريق إثبات الأكوان، وقد بيناه. ويدل في المدركات خاصة: أن الإدراك يتعلق بأخص صفات المدرك، وأخص صفات ذاته، على ما وضح برهانه في غير موضع. فلا يخلو أن يتعلق الإدراك بذات الجسم، أو بصفة له نفسية، أو بالفاعل، أو بذات غير الجسم أوجبت حكم المدرك له. ولو كان متعلقا بذات الجسم لاستمر حكمه باستمرار بقاء الجسم، والمعلوم خلاف ذلك، ولوجب أن لا يختلف الحكم في الإدراك ولا يتغاير العلم الحاصل عنده، لكون ذات الجسم واحدة متماثلة الجنس، وفي اختلاف ما يتعلق به الإدراك وتغاير الحكم عنده في التعلق دليل على تعلقه بغير الجسم، ولأن الإدراك يتعلق ببعض هذه المدركات، ويبطل حكمه لبطلانها بضد، يحصل للمدرك حكم بإدراك الضد الثاني يخالف حكم المدرك المنتفي عنه، والجسم باق على ما هو عليه في كلا الحالين، فبطل تعلق الإدراك به. ولمثل هذا يبطل تعقله بصفة له نفسية. وتعلق الإدراك بأخص صفات المدرك يحيل كون هذه المدركات صفة بالفاعل، ولأن صفات الفاعل هي الحدوث، أو وقوعه على وجه، وهذه الصفات متجددة في حال بقاء الجسم، ولأن حصول العلم بها متغايرة منفصلة من العلم بذات الجسم يحيل كونها صفات بالفاعل. فثبت تعلق الإدراك بذات غيره، وهي محدثة لتجددها للجسم بعد عدم، وبطلانها عن وجود، لأن تضادها يمنع من كمونها، واستحالة قيامها بأنفسها بجيل الانتقال عليها. ولو كانت صفات بالفاعل مع استحالة ذلك لصح الاستدلال بتجددها بعد عدم، وانتفائها عن وجود، إذ ذلك دليل على حدوثها، وإذا ثبت حدوثها - ذوات كانت أو صفات - اقتضى ذلك حاجتها إلى محدث قديم لنفسه ذات صفات نفسية تستحيل على الأجسام على ما بينته، وذلك يقتضي حدوث الأجسام من حيث كان قدمها يقتضي مماثلتها للقديم سبحانه في جميع الصفات المعلوم استحالتها عليه، وما ليس بقديم من الموجودات محدث. طريقة أخرى لو كان المتحيز موجودا لم يزل لوجب اختصاصه في تلك الحال بجهة لما هو عليه في ذاته، أو لمقتض قديم، إذ إسناد ذلك إلى مقتض يحدث أو بالفاعل لا يتقدر ولو كان كذلك لاستحال خروج كل متحيز عن جهته، لاستحالة العدم على القديم، وخروج الموصوف عن صفته النفسية وهو موجود. وفي علمنا بصحة خروج كل متحيز عن جهته، ووجوب ذلك في المنتقل منها، وتباين المتجاورين، وتجاور المتباينين دليل على أنه لم يختص الجهة لنفسه ولا لمقتض قديم، ولأنه لو اختص الجهة لنفسه مع تماثل المتحيزات لوجب كون جميعها في جهة واحدة، للاشتراك في صفة النفس، وذلك محال. وكذلك الحكم لو اختصها لمقتض قديم، لأن القديم قديم لنفسه، والاشتراك في صفة النفس يقتضي الاشتراك في مقتضاها، وذلك يوجب اختصاص سائر المتحيزات بجهة واحدة، لاشتراك الجل في مقتضى التخصص بالجهة، وذلك محال، فاستحال له قدم شئ من المتحيزات، وما ليس بقديم من الموجودات فهو محدث. وإذا تقرر ذلك، فالناظر مخير بين الاعتماد في حدوث الأجسام: على هذه الطريقة الأخيرة، وبناء جميع المعارف عليها. وبين الطريقة الأولى في حدوث الأجسام، لكونها غير خالية من الحوادث. وبين أن يستدل بحدوث المعاني الخارجة من مقدور المحدث على إثباته تعالى، وما وجب إثباته تعالى عليه من الصفات النفسية والجائزة، وحسن أفعاله، وما يتعلق بذلك من مسائل المعارف، لخروجها أجمع عن مقدور الجسم كالجسم. وبين أن يستدل بحدوثها بجل جنس منها بانفراده على إثبات جميع المعارف. وبين أن يستدل بحدوثها على إثبات محدثها، وما يختصه تعالى من الصفات المستحيلة على الأجسام على الوجه الذي سلف. فيعلم بذلك حدوث الأجسام، إذ كل واحد من هذه الطرق دليل واضح على جملة المعارف. ومن تأمل ما أوردناه من ذلك علم أنا نهجنا طرقا واضحة في الاستدلال على جملة المعارف، وسعنا بها المسلك لكل ناظر، ونبهنا على ما لم نسبق إليه منها، ولا نضيق عليه الاستدلال تضييق من سلف من العلماء بهذا الشأن - رضي الله عنهم - ومن عاصرناه، والمنة لله تعالى.

 

مسألة: في إثبات المحدث

إثبات المحدث يبتني على جملة وتفصيل. فالجملة مبنية على دعائم أربع: أولها: إثبات حوادث في الشاهد. وثانيها: إضافتها إلى محدث منا. وثالثها: تخصيص حاجتها إليه في حدوثها. ورابعها: بيان إيجاب حاجة كل محدث في حدوثه إلى محدث. والتفصيل إثبات حوادث يستحيل تعلقها بمحدث. فأما الدلالة على إثبات الدعوى الأولى من الجملة: فقد سلفت، حيث بينا حدوث الأكوان. وأما الدلالة على الدعوى الثانية: فمعلوم وجوب وقوع التأثيرات من المؤثر منا بحسب أحواله من علومه وقدره وإرادته، ولو كانت فعلا لغيره لم يجب ذلك فيها. وأما الدلالة على الدعوى الثالثة: فمعلوم استغناء الحادث قبل وجوده وبعد وجوده عن فاعل، لجعله وما بعد أو باقيا، فلم يبق من صفاته ما يصح حاجته إلى مؤثر غير حدوثه. ولأنا إنما علمنا كون التأثيرات فعلا لمؤثرها لوقوعها بحسب قصده، والمتجدد عند القصد من أحوال المقصود إليه هو الحدوث، فيجب تخصص الحاجة به، إذ كان العلم بنفس الهاجة لا ينفصل من العلم بوجوه الحاجة. وأما الدلالة على الدعوى الرابعة: فهو أنا إذا بينا وقوف الحدوث على محدث، وأحلناه من دونه وجب الحكم على كل حادث بحاجته إلى محدث، للاشتراك في جهة الحاجة. وأما التفصيل، فقد علمنا حدوث الأجسام والأجناس المخصوصة، وعلمنا توفر دواعي المحدثين إليها، وتعذرها عليهم لغير وجه معقول، وما تعذر كذلك فمستحيل. فتجب حاجتها إلى محدث، لكون ذلك تفصيلا للجملة المدلول على صحتها، ليس بطبيعة، ولا علة، ولا جسم، ولا عرض. لكون الطبع والعلة غير معقولين، فلا يصح إضافة شئ إليهما، ولخروجهما عند مثبتهما عن صفة المتحيز وكون فاعل الحالم بهذه الصفة على ما بينته، ولوجوب تأثيرهما عنده واستناد حدوث الأجسام إلى الجواز، إذ لو وجب حدوثها لم ينفصل ذلك عن ذواتها، وذلك يقتضي وجوب وجودها في كل حال، يحيل عدمها في حال، وقد دللنا على كونها معدومة من قبل هذا الوجود، ولتعذر الأجناس المخصوصة على جنس الجواهر والأعراض حسبما أشرنا إليه، ونستوفيه فيما بعد إن شاء الله تعالى.

 

مسألة: في كونه تعالى قادرا

ولا بد من كون فاعلها سبحانه قادرا، لوقوعها منه، ووجوب كون من صح منه الفعل محلى صفة ليست حاصلة لمن تعذر عليه لولا ثبوتها له دونه لتعذر منهما أو صح منهما، واتفاق الفصحاء على وسم من كان كذلك قادرا، وليس لأحد أن يسند هذه الصفة إلى من تعذر عليه الفعل دون من صح منه. لأن الجوهر المعدوم لا يخلو أن يكون عليها أوليس عليها، فإن كان عليها وجب تعذر الفعل عليه وإن وجد، وإن لم يكن عليها صح منه الفعل في حال العدم، وكلا الأمرين مستحيل. ولأن صحة الفعل تأثير لا مجوز إسناده إلى النفي، لاستحالة حصوله معه، فوجب إضافته إلى ثبوت صفة.

 

مسألة: في كونه تعالى عالما

ولا بد من كونه تعالى عالما، لثبوت صفة الأحكام في أكثر أفعاله تعالى، وافتقار هذه الصفة إلى أمر زائد على كون القادر قادرا، لتعذر تحصيلها على أكثر القادرين، ووصف الفصحاء من حصلت له بكونه عالما. وليس لأحد أن يقدح في ذلك: بأن التاليف مقدور للمحدث ولا يمكن إضافته إلى القديم سبحانه قطعا، وإذا جاز إضافته إلى غيره - ومعه تكون الأجناس محكمة - لم يمكن إثباته تعالى عالما. لأن هذا يسقط بأول حي، من حيث استحال إضافة تأليفه إلى غيره تعالى. ولا له أن يقدح بوجود ما ليس بمحكم من أفعاله تعالى في كونه عالما. لأن ما ليس بمحكم يصح وقوعه ممن ليس بعالم، وصحة الاستدلال به على كون فاعله غير عالم. وهذه الطريقة مبنية على حدوث الأجسام بالطريقة الأولة. وعلى الطريقة الثانية: أنا قد علمنا وجودها في الجواهر على وجوه مخصوصة ومقادير معلومة لما كانت الجواهر ذهبا، وفضة، وعنبرا، ومسكا، وماء، ودهنا، وعظما، وعصبا، وعروقا، ولحما، وشعرا، وصوفا، وريشا، إلى غير ذلك من أجناس الجماد والحي، وما هما عليه من البنى والصفات والهيئات المختلفة، مع تساويهما في كونهما جواهر، وحلول هذه الأجناس فيهما، وذلك يقتضي كون موجدهما في هذه المحال عالما.

 

مسألة: في كونه تعالى حيا

ولا بد من كونه سبحانه حيا، لثبوت كونه قادرا عالما. وافتقار هاتين الصفتين إلى كون موصوفهما حيا لحصول العلم بفرق ما بين من صح أن يعلم ما لا يعلمه ويقدر على ما لا يقدر عليه، كالأمي الذي يصح أن يعلم الكتابة، والضعيف الذي يصح أن بجمل الثقيل، ومن لا يصح ذلك فيه كالجماد والموات وهما على حالهما هذه، ووجوب استناد ذلك إلى صفة زائدة لمن صح منه الأمران ليست حاصلة لمن استحالا فيه لولا ثبوتها له لارتفع الفرق المعلوم. ووصف أهل اللسان العربي من كان كذلك بأنه حي. وليس لأحد أن يقدح في ذلك: بأن المصحح لكون الحي حيا هو العلم والقدرة، وهما يستحيلان عليه تعالى، فيجب أن لا يكون حيا. لأن المصحح لكون الذات حيث كونها قادرة عالمة، دون العلم والقدرة. يوضح ذلك: بأن علمنا بكونها قادرة عالمة كافي في إثباتها حيث وإن لم نعلم هناك قدرة ولا علما،

 

مسألة: في كونه تعالى موجودا

ويجب أن يكون تعالى موجودا، لاستحالة وقوع التأثيرات من معدوم، لأنه لو أثر معدوما لا يكن فرق بين وجوده وعدمه.

 

مسألة: في كونه تعالى قديما

ويجب أن يكون تعالى قديما، لأنه لو كان محدثا لتعذر عليه تعالى ما يتعذر على المحدث من الأجناس، وفي اختصاصها به سبحانه دليل على قدمه. وإسناد ذلك إلى كونه تعالى قادرا لنفسه يقتضي كونه قديما أيضا، لاستحالة كون المحدث قادرا لنفسه، لتماثل جنس المحدث القادر، ووجوب اشتراك المتماثلين في صفة النفس، وتعذر الحصر والاختصاص في مقدوراته تعالى، وحصول العلم باختصاص المحدثين ببعض الأجناس، وانحصار ما يقدرون عليه منها، ووجود أكثر الجواهر الموجودة غير قادرة. طريقة أخرى لو كان فاعل الأجناس محدثا لاحتاج إلى محدث، وذلك يقتضي وجود ما لا يتناهى، أو إثبات قديم بغير دليل، وكلا الأمرين محال. وقلنا: إن تقدير حدوث فاعل العالم يمنع من إثبات قديم. بدليل: أنه إذا جاز وجود سائر الأجناس من محدث جاز إسناد إحداثه إلى محدث، إذ لا يكون المحدث إلا من أجناس المحدثات، فيتعذر إثبات قديم تستند الحوادث إليه، فيلزم ما قلناه من وجود ما لا نهاية له، مع استحالته بدليل وجوب حصر ما وجد. طريقة أخرى مختصة بالمعاني المذكورة قد علمنا حدوث الحياة والقدرة والألوان والطعوم وسائر ما ذكرناه من الأجناس المخصوصة، وأن لما محدثا قادرا عالما حيا موجودا: لا يخلو أن يكون قادرا لنفسه، أو بقدرة، ولو كان قادرا بقدرة لتعذرت عليه سبحانه هذه الأجناس كتعذرها على الأجسام القادرة بقدرة أو... منه سبحانه، فثبت أنه تعالى قادر لنفسه: لا يخلو أن يكون قديما، أو محدثا، وكونه قديما يصحح ما قلناه، وكونه محدثا يقتضي حاجته إلى محدث بعد محدث، وقد بينا فساد ما يؤدي إليه ذلك. ولو صح تقدير قديم تنتهي الحوادث إليه - مع استحالته - لم يقدح في طريقتنا، لأن كونه فاعلا يقتضي كونه قادرا لنفسه أو بقدرة، وكونه قادرا بقدرة يحيل تعلق إيجاد حي قادر عليه به، كتعذر ذلك على كل قادر في الشاهد، لكونه قادرا بقدرة، وكونه قادرا لنفسه يقتضي مشاركة فاعل هذه الأجناس له في القدم، لمشاركته له في صفة النفس. فصح الاستدلال بهذه الأجناس على جملة المعارف من دون العلم بحدوث الأجسام. ودل ذلك على حدوث الأجناس على الوجه الذي بيناه، بضد ما ظنته المعتزلة: من تعذر الاستدلال على حدوثها بغير الأكوان، وإثبات محدث من دون حدوث الأجسام، المنافي لما تضمنه القرآن من الاستدلال بتجدد صفات الأجسام، التي ذكرناها على إثباته تعالى وما يجب كونه عليه سبحانه ويجوز ويستحيل. كقوله تعالى: ( يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شئ قدير ). وأمثال هذه الآيات. وقد علمنا أن الاستدلال منها بتجدد الجواهر لا يمكن، لصحة تنقلها في الجهات، وتجويز كل ناظر لذلك يمنع من القطع على وجودها في الحال بعد عدم. ولأنه سبحانه كور الاستدلال بصفة متجددة للجواهر بعد صفة، ولو كان الاستدلال بالجواهر لكان الاقتصار على التراب كافيا، ولم يكن لتكرير الصفات معنى، لأن جواهر الموصوف موجودة منذ أخبر سبحانه بالتراب. ولأن تعليق الاستدلال بالجواهر لا يدل لو دل إلا بذكر التراب دون ما بعده، لكون جواهر النطفة هي جواهر التراب، وجواهر العلقة هي النطفة، والمضغة هي العلقة، والعظم هو المضغة. فلم يبق لاستدلاله سبحانه بالآيات إلا التنبيه على تجدد الأجناس التي ذكرناها، الحالة في الجواهر، الدالة بتجددها على أن لها مجددا، وبتعذرها على الأجسام على كونه سبحانه مخالفا لها، وبكونها محدثة على أنها مربوبة له. بخلاف ما ذهبت إليه المعتزلة من الفتيا القادحة في حجة القرآن وحكمة منزله، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. وإنما قلنا بتعذر جنس الجواهر - وما ذكرناه من أجناس الأعراض ومقاديرها ووجوهها الدالة على كون فاعلها عالما على الحي القادر من الأجسام - لتوفر دواعيه إليها، وخلوصها من الصوارف في أكثر الأحوال، وتعذر تحصيلها من غير مانع معقول، وما تعذر لا لمانع فإنما تعذر للاستحالة، إذ بها حصل الفرق بين المستحيل والجائز. وإلا قد بينا أن الجسم لا يكون إلا قادرا بقدرة، والقدر من حيث كانت قدرا يستحيل بها فعل شئ من هذه الأجناس لا مباشرة ولا متولدة، بدليل استعمال محل القدرة والاعتماد في سائر الجهات، ولا يحصل شئ من هذه الأجناس. فالاختراع متعذر بجنس القدر، بدليل افتقارها في التأثير إلى استعمال محلها على طريقة واحدة، ولما يجده الحي من عظيم المشقة في مباشرة بعض الأفعال لمحل القدر، ولو كان الاختراع مقدورا للقدر لم يكن لقادر إلى تحمل المشاق داع. وليسر لأحد أن يقول: إن المانع من حصول هذه الأجناس من المحدث هو فقد علم، أو آلة، أو بنية، أو قدرة لو فعلت للمحدث لتأتي بها ما تعذر. لأن العلم والآلة والبنية إنما يحتاج إليها في وجه الفعل دون حدوث جنسه، فلا يجوز أن يكون فقدها مؤثرا في تعذر الجنس والمقدور. يوضح ذلك: صحة وقوع الأجناس المقدورة المفتقر حصولها على الوجوه إلى العلم والبنية والآلة من دونها، ولأن العلم وأكثر الآلات مقدور به للجسم، فلو كان التعذر مستندا إليها لصح من بعض الأجسام تحصيلها، ولم يتعذر بهما إيجاد الجواهر والحياة وسائر الأجناس، ويفعل له القديم سبحانه ما لا يقدر عليه من الآلات والبنى، فيصح ذلك منه، والمعلوم خلاف ذلك. والقدر وإن اختلفت فمقدورها متفق، بدليل تساوي أحوال القادرين بقدر فيها يصح من كل منهم ويتعذر عليه، ولو صح اختلاف متعلقها لجاز وقوع قادرين على الأكوان دون الأصوات، وعلى الإرادات دون الاعتقادات " والمعلوم خلاف ذلك. ولأن تقدير قدرة يصح بها ما يتعذر بهذه القدر ينقض أحكام سائر الأجناس، وما يستند به كل جنس منها من الحكم الراجع إلى ذاته، فيصح وجود كون يصح به الفعل، وطعم يتعلق بالمعلومات، وقدرة وعلم يوجبان للمحل حكم الطعم واللون، وإن كان الموجود من هذه الأجناس بخلاف ذلك، وهذا غاية في التجاهل. ولأن ذلك يصحح وقوع الجواهر والحياة في أكثر الأجسام، بأن يفعل لها قدر يصح بها...، وهو محال. ولأن القدر لو اختلف متعلقها لصح بالقدرة الواحدة حمل الحمل، ولتعذر ببعضها ما يصح بالبعض، فيكون بعض القادرين مختصا ببعض المقدورات، وذلك بسط الفساد. وبهذا نعلم تعذر إضافة ما عليه الأجسام من الصفات المخصوصة إليها، لأن تعذر الأجناس منها يحيل تعلق وجوهها ومقاديرها التي لها اختلفت الأجسام، لأنه لا يقدر على تحصيل الذات على وجه، ويوجد من الجنس مقدارا دون مقدار من لا يقدر على ذواتها، ونقلها من محل إلى محل مستحيل. وليس لأحد أن يعترضنا لإدخال العلم الضروري في جملة الأجناس المتعذرة على المحدث، مع كونه مقدور الجنس لكل محدث. لأن العلم وإن كان مقدورا للمحدث ففعله في غيره مستحيل، بدليل توفر الدواعي إلى تعلم من يهم تعليمه، وتعذر ذلك لغير وجه معقول إلا الاستحالة، ولأن العلم منا لا يقع إلا متولدا أو مستندا إلى توليد، ولا سبب له إلا النظر، والنظر من أفعال القلوب، ولا جهة له، وما لا جهة له لا تعدى به الأفعال. وإذا تعذر فعل العلم في الغير على المحدث لم يجز إسناد العلوم الضرورية إلى غير العالم بها من المحدثين، ولا إضافتها إليه، لكونه مضطرا إلى معلومها وحصولها له ابتداء من قصد، وإذا تعذرت إضافتها إلى العالم بها وغيره من المحدثين، ثبت اختصاصها بالقديم سبحانه. وكذلك القول في الألم المبتدأ تستحيل إضافتها إلى المحدث، لأنه لا يقدر عليه إلا متولدا عن الوهي بغير شبهة، فإذا علمنا وجود آلام مبتدأة غير متعلقة بنا علمنا أنها جارية مجرى العلوم الضرورية والحياة والأجناس المذكورة، فدلت كدلالتها. وإذا ثبت كونه سبحانه قديما لم يخل أن يكون قديما لنفسه، أو لمعنى قديم، أو محدث، أو بالفاعل. وكونه كذلك لمعنى محدث أو بالفاعل محال، لتجدد مقتضى ذين الصفتين، وحصول الوجود للقديم فيما لم يزل. وإسناد ذلك إلى معنى قديم لا يصح، لأن القول فيه، ولم كان كذلك ؟ كالقول في فاعل العالم سبحانه، فإما وجود ما لا نهاية له من المعاني القديمة، أو الانتهاء إلى قديم لنفسه يجب معه كون القديم سبحانه كذلك من دون معنى قديم.

 

مسألة: في كونه تعالى قادرا فيما لم يزل

وهو سبحانه قادر فيما لم يزل، لأن تجدد كونه قادرا يقتضي كونه كذلك، لحصول قدرة يستحيل إحداثها به أو بغيره، لأن تقدير كونه سبحانه غير قادر يحيل كونه فاعلا لقدرة وغيرها. وغيره إن كان قديما لم يخل أن يكون قادرا أو غير قادر، وكونه غير قادر يحيل كونه فاعلا، وكونه قادرا لم يزل يوجب مساواة القديم سبحانه له في ذلك، لاشتراكهما في القدم على ما نبينه، وكونه قادرا بعد أن لا يكن يوجب حاجته إلى قادر والقول فيه كالقول فيه، فيؤدي إلى وجود ما لا نهاية له، أو إلى قادر لم يزل يجب معه كلون القديم كذلك، لأنا سنبين استحالة وجود قديم ثان. وإن كان محدثا لم يجز وقوف كون القديم سبحانه قادرا على فعل القدرة له، لتعلق إحداثه به، ووجوب كونه قادرا قبله، ولأن جنس القدر يتعذر على المحدث، بدليل توفر دواعيه إليها عند الحاجة وتعذرها لا لوجه إلا الاستحالة، وإذا استحال كونه قادرا بقدرة محدثة مع ثبوت كونه قادرا ثبت كونه كذلك فيما لم يزل.

 

مسألة: في كونه تعالى حيا موجودا

وإذا ثبت كونه تعالى قادرا فيما لم يزل ثبت كونه حيا موجودا فيما لم يزل، لوجوب كون القادر حيا موجودا.

 

مسألة: في كونه تعالى عالما فيما لم يزل

وهو تعالى ( عالم ) فيما لم يزل، لأن تجدد ذلك يقتضي كونه عالما بعلم محدث لا يجوز إسناد إحداثه إليه ولا إلى غيره قديم ولا محدث، لأنه لو خلا من كونه عالما لم يصح منه فعل العالم لنفسه، لافتقار تجدد العلم إلى كون فاعله عالما من حيث لم يكن جنس الفعل، وإنما هو وقوع الاعتقاد على وجه دون وجه، وما هو كذلك لا يقع إلا عن قصد مخصوص يفتقر إلى كون فاعله عالما. ولأنا متى تتبعنا العلوم ( وجدناها ) أجمع تفتقر إلى كون فاعلها عالما، ولا يجوز أن يكون من فعل غيره قديما كان أو محدثا، لما بيناه في قادر والعلم وإن كان من مقدورات المحدث ففعله في غيره مستحيل كاستحالة فعل القدر لنفسه، وببعض ما تقدم يسقط تحصيل صفة القادر والعالم له بالفاعل، وإذا استحال إحداث علم له تعالى أو صفة العالم وثبت كونه عالما، ثبت كونه كذلك لم يزل.

 

مسألة: في كون صفاته تعالى نفسية

وهذه الصفات نفسية لوجوبها له تعالى، وكون الصفة الواجبة نفسية بدليل استغناء ما وجب من الصفات للموصوف عن مؤثر، ووقوف الجائز منها على مقتض. وأيضا فقد علمنا أن من حق الصفة النفسية أن لا يعلم الموصوف إلا عليها، لكونها مقتضاة عن الذات، وصفات المعاني والفاعل بخلاف ذلك، لاستنادها إلى مؤثر مغاير للموصوف يصح أن يحصل وأن لا يحصل، وإذا وجبت هذه القضية في صفات النفس، وكانت حاصلة فيما هو عليه سبحانه من الصفات التي أثبتناها ثبت أنها نفسية وليس لأحد أن يقول: ما أنكرتم - وإن كانت هذه الصفات واجبة له تعالى ولا يعلم إلا عليها - أن تكون لمعان قديمة. لأن ذلك يقتضي نقض صفات النفس، ويمنع من تميزها من صفات المعاني والفاعل، وذلك محال، ولأن القول بقدم الصفة أو حدوثها فرع لثبوتها، وقد بينا انسداد طريق إثبات صفاته تعالى لمعان جملة، فسقط الاعتراض.

 

مسألة: في عدم جواز خروجه تعالى عن هذه الصفات

ولا يجوز خروجه تعالى عن هذه الصفات، لاستنادها إلى النفس المستحيل مفارقتها للموصوف ما وجد، وكونه تعالى قديما لنفسه، ووجوب الوجود لمن هو كذلك في كل حال.

 

 

في كونه تعالى سميعا بصيرا

وهو تعالى سميع بصير، لكونه تعالى حيا تستحيل عليه الآفات، بدليل وصف الحي الذي لا آفة به بذلك، وليستا صفة زائدة على كون الحي حيا، إذ لو كانتا زائدتين على كون الحي حيا، لجاز وجود حي لا آفة به لا يوصف بهما، بأن لا تؤخذ تلك الصفة له، أو تؤخذ في غير حي، فيوصف بهما، والمعلوم خلاف ذلك.

 

 

في كونه تعالى مدركا

وهو تعالى مدرك بشرط وجود المدرك، والادراك حكم زائد على سائر صفات الحي، بدليل حصوله من دونها أجمع، وثبوتها مع عدمه، وثبوته يقف على كون الذات حية لا آفة بها، بشرط وجود المدرك وارتفاع الموانع، لتعذر حصوله لمن ليس بحي، أو من به آفة من الأحياء، أو للحي السليم مع عدم المدرك، أو وجوده مع حصول مانع، ووجوب حصوله مع تكاملها، والمقتضي له كون الحي المدرك حيا مدركا، وما عداه شروط لرجوع حكمه إلى الجملة الحية، وانفصال ما عداه منها. وهو متميز من صفات النفس والمعاني والفاعل، لأنه لو كان نفسيا لوجب حصوله لكل جوهر موجود حيا كان أو مواتا، لتماثلها، وأدنى ذلك لكل حي، لأنه لا شرط لظهور صفات النفس إلا الوجود، وقد علمنا وجود كثير من الجواهر الحية والجماد من دون حكم الإدراك. ولو كان لمعنى أو بالفاعل لجاز تكامل ما قدمناه من المقتضي والشروط من دونه، بأن لا يوجد ذلك المعنى، أو لا يفعله القادر إن كان صفة، أو يوجد المعنى أو صفة الفاعل فيمن لم يتكامل له الشروط التي ذكرناها، فيحصل حكمه، والمعلوم خلاف ذلك، فثبت تميزه من جميع الصفات. وإذا تقرر هذا وعلمناه تعالى حيا تستحيل عليه الآفات والموانع، فلا بد من كونه مدركا متى وجد المدرك، لحصول المقتضي لهذا الحكم وثبوت ( الشرط ).

 

 

في كونه تعالى مريدا

وهو سبحانه مريد، لوقوع أفعاله على وجه دون وجه، وفي حال دون أخرى، وافتقار وقوع الأفعال على ذلك إلى كون فاعلها مريدا، لتعلق كونه قادرا عالما بجميعها على حد سواء، فلا يجوز إسناد وقوعها على الوجوه وفي الأوقات المخصوصة إلى كون فاعلها قادرا عالما. وإرادته فعله، لاستحالة كونه مريدا لنفسه مع كونه كارها، لأن ذلك يقتضي كونه مريدا كارها لكل ما يصح كونه مرادا، وذلك محال، ولأن ذلك يوجب كونه مريدا لكل ما تصح إرادته من الحسن والقبح، وسنبين فساد ذلك. أو بإرادة قديمة، لفساد قديم ثان، ولأن ذلك يقتضي قدم المرادات، أو كون إرادته عزما، وكلا الأمرين مستحيل، وكونها من فعل غيره من المحدثين محال، لأن المحدث لا يقدر على فعل الإرادة في غيره، لاختصاص إحداثها بالابتداء، وتعذر الابتداء من المحدث في غيره، ويستحيل وجود قديم ثان على ما نبينه، فلا يمكن تقدير إحداثها به. وهي موجودة لا في محل، لاستحالة حلولها فيه تعالى، لكونه قديما يستحيل كونه بصفة المحال، وحلولها في غيره في حي أو جماد يقتضي اختصاص حكمها بما حلته، يحيل تعلقها به تعالى، فثبت وجودها لا في محل، ولوجودها على هذا الوجه الذي له انقطعت عن كل حي ما وجب اختصاصه به تعالى.

 

مسألة: في نفي الصفات الزائدة له تعالى

ولا صفة له تعالى زائدة على ما ذكرناه، لأن الطريق إلى إثباته تعالى هو العقل، فلا يجوز إثباته تعالى على صفة لا يقتضيها الفعل بنفسه ولا بواسطة، كما لا يجوز أن نثبت للمدرك صفة لا يقتضيها الإدراك. والذي يدل عليه الفعل بنفسه - وهو مجرد وقوعه - كونه تعالى قادرا، وبإحكامه على كونه عالما، وبترتبه على الوجود على كونه مريدا، ولم يبق للفعل صفة زائدة، وإثبات ما لا يدل عليه الفعل جهالة. وليس لأحد أن يقول: إنكم قد أثبتم صفات خارجة عما ذكرتموه لا يقتضيها الفعل. لأنا لم نثبت له تعالى من الصفات إلا ما له تعلق بالصفات التي دل عليها الفعل، أما كونه حيا موجودا فلكونه قادرا، وسميعا بصيرا مدركا من أحكام كونه حيا، وكونها نفسية كيفية في استحقاقها.

 

مسألة: في كونه تعالى لا يشبه المحدثات

وهو تعالى لا يشبه المحدثات المتحيزة وما حلها من الأعراض، لقدمه تعالى وحدوث هذه الأجناس.

 

مسألة: في استحالة إدراكه تعالى بالحواس

يستحيل إدراكه تعالى بشيء من الحواس، لاختصاص حكم الإدراك المعقول بالأجسام والأعراض، وليس كذلك، وإدراك لا يعقل لا يجوز إثباته، ولأنه تعالى لو كان مدركا بشئ من الحواس لوجب أن ندركه الآن، لكوننا على الصفة التي لما يجب إدراك الموجود مع ارتفاع الموانع.

 

مسألة: في كونه تعالى غنيا

وهو تعالى غني تستحيل عليه الحاجة، لاختصاصها بمن يجوز عليه الضر والنفع، واختصاصهما بمن يلذ ويألم، واختصاصهما بذي الشهوة والنفار وكونهما معنيين يفتقران إلى محل متحيز وكونه تعالى قديما يحيل كونه متحيزا، واستحالة تحيزه يحيل اختصاص المعاني به، وإذا استحال عليه الشهوة والنفار استحال عليه اللذة والألم. وأيضا فلا يخلو أن يكون مشتهيا لنفسه أو لمعنى قديم أو محدث، وكونه مشتهيا لنفسه يوجب كونه مشتهيا لكل ما يصح كونه مشتهى، وذلك يؤدي إلى إيجاد ما لا يتناهى من المشتهيات، وإلى أن لا تستقر أفعاله على قدر مخصوص ولا بوقت معين، وإلى أن يكون ملجأ إلى إيجاد المشتهى، وذلك كله محال. ولا مجوز أن يكون كذلك لمعنى قديم، لصحة تعلقه بما تتعلق به شهواتنا الحادثة، والاشتراك في جهة التعلق يقتضي تماثل المتعلقين، ولا يجوز أن يكون القديم مماثلا للمحدث. وأيضا فإن كونه مشتهيا لمعنى قديم يقتضي كونه ملجأ إلى فعل المشتهى، وإلى أن لا تستقر أفعاله على قدر، ولا وجه كما قلناه لو كان كذلك للنفس. ولا يجوز أن يكون مشتهيا لمعنى محدث، لأنه لا يجوز أن يكون كذلك، أولا لمعنى من فعله تعالى، وذلك يقتضي كونه ملجأ إلى فعل الشهوة والمشتهى، وذلك محال، فاستحال كونه مشتهيا. واستحالة الشهوة عليه تقتضي استحالة النفور لكونه ضدا لها، ولا شبهة في أن استحالة أحد الضدين على الشئ يحيل الضد الآخر، ولأنه لو كان نافرا للنفس أو لمعنى قديم لم يصح منه إيجاد شئ، لكونه نافرا عنه، ولا داعي إلى فعل ماله هذه الصفة، ونفور محدث لا داعي إليه، وما لا داعي إليه منه تعالى يستحيل إيجاده، فثبت استحالة الشهوة والنفار عليه تعالى، وإذا استحالا فيه سبحانه استحال عليه الضر والنفع، ومن لا يصح عليه الضر والنفع لا تتقدر فيه الحاجة، وإذا استحالت عليه الحاجة ثبت كونه غنيا.

 

مسألة: في كونه تعالى واحدا

وهو سبحانه واحد لا ثاني له في القدم والاختصاص بما ذكرناه من الصفات النفسية، لأنه لو جاز وجود قديمين قادرين لأنفسهما، لم يخل أن يكون مقدورهما واحدا من حيث كانا قادرين لأنفسهما، أو متغايرا من حيث كانا قادرين، وكون مقدورها واحدا يحيل كونهما قادرين، وتغاير مقدورهما يحيل كونهما قادرين لأنفسهما، فثبت أنه سبحانه واحد لا ثاني له. وقلنا: إن من حق القادرين أن يتغاير مقدورهما. لأن تقدير مقدور واحد لقادرين يصح له معه أن يدعو أحدها إلى إيجاده داع خالص من الصوارف، وتتوفر صوارف الآخر عنه، فإن يوجد يقتضي ذلك إضافته إلى من يجب نفيه عنه، وإن لا يوجد يجب نفيه عمن يجب إضافته إليه، وكلا الأمرين محال. وقلنا: إن تقدير قادرين لأنفسهما يوجب كون مقدور ما واحدا. لأن من حق القادر لنفسه أن يكون قادرا على كل ما يصح كونه مقدورا إذ تخصيص مقدوراته وانحصارها يخرجه عن كونه قادرا لنفسه، وإذا صح هذا فمقدور كل قادر لنفسه يجب كونه مقدورا لمماثله في هذه الصفة، وذلك يحيل تغاير مقدورهما. طريقة أخرى وهو لا يخلو أن يكون مقدورهما واحدا أو متغايرا، وكونه واحدا يقتضي إضافة الفعل إلى من يجب نفيه عنه، أو نفيه عمن يجب إضافته إليه، لصحة اختلاف الدواعي والصوارف منهما، وكونه متغايرا يقتضي اجتماع الضدين، وارتفاع الفعل من القادر عليه لغير وجه، وكلاهما محال، فثبت أن صانع العالم سبحانه واحد. وقلنا بذلك لأن تقدير تغاير مقدورهما يصحح توفر دواعي أحدهما إلى ما توفرت عنه صوارف الآخر، فإن يوجد المقدوران يجتمع الضدان، وإن يرتفعا فلغير وجه معقول، من حيث علمنا أنه لا وجه يقتضي تعذر الفعل على القادر لنفسه. وليس لأحد أن يقول: وجه ارتفاع المقدورين كونهما قادرين على ما لا نهاية له. لأن المصحح لوقوع الفعل هو كون الذات قادرة، فلا يجوز أن يجعل ذلك وجها لتعذره، لأنه يقتضي كون المصحح للشئ محيلا له، وذلك فاسد. وليس له أن يقول: وجه التعذر أن أحدهما ليس بالوجود أولى من الآخر. لأنا نعلم هذا في مقدوري الساهي، وقد يوجد أحدهما. وليس له أن يقول: اشتراكهما في العلم بالمقدورات والدواعي منهما يحيل اختلاف الدواعي منهما. لأن الاشتراك في العلم بالشئ وما يدعو إلى فعله لا يمنع من اختلاف الدواعي إليه، يوضح ذلك: علم كل عاقل بحسن التعقل، وما للمحتاج إليه فيه من النفع وعدم الضرر لما، وقد يدعو بعض العالمين بذلك دواعي فعله، وينصرف عن ذلك آخرون. طريقة أخرى وهو أنا قد دللنا على أن فاعل العالم سبحانه مريد بإرادة موجودة لا في محل، فلو كانا قديمين لم يخل إذا فعل أحدهما أو كلاهما إرادة على الوجه الذي يصح كونه مريدا بها، لم يخل أن يوجب حالا لهما، أو لأحدها، أو لا يوجب. وإيجابها لها محال إيجاب الإرادة الواحدة لحيين، كاستحالة إيجابها لحي واحد حالتين، لأن إيجاب الإرادة لحي واحد حالتين أقرب من إيجابها لحيين، فإذا استحال أقرب الأمرين فالأبعد أولى بالاستحالة. وأيضا فإن إيجاب الإرادة الحال أمر يرجع إلى ذاتها، فلو أوجبت في بعض المواضع حالا لحيين لوجب أن يوجب ذلك في كل موضع، لأن الحكم المسند إلى النفس لا يجوز حصوله في موضع دون موضع، وقد علمنا استحالة الإرادة الواحدة حالا لحيين فيما بنينا، فيجب الحكم بمثل ذلك في كل إرادة. وإيجابها لأحدهما محال، لأنه لا نسبة لها إلى أحد القديمين إلا كنسبتها إلى الآخر، ولا وجه لتخصصها بأحدهما. وإن لا يوجب حالا يوجب قلب جنسها، وهو محال. وإذا كانت دالة على كون فاعلها مريدا، وكان تقدير قديم ثان يحيل كون فاعل العالم سبحانه مريدا، ثبت أنه واحد لا ثاني له. وليس لأحد أن يخصص إيجابها حالة المريد لمن هي فعله، وتابعة لدواعيه دون الآخر، كما يقولون فيمن فعل فيه إرادة لدخول النار وهو مشرف على الجنة: في أن هذه الإرادة لا تؤثر، لكونها غير تابعة لدواعيه، ولا يدخل هذا المريد إلا الجنة، لمجرد الداعي. لأن الدليل مبني على استحالة حصول موجب الإرادة، وهو حال المريد مع تقدير قديمين، ولا يفتقر ذلك إلى حدوثها تابعة لدواعي محدثها، فإنما تحتاج إلى ذلك في تأثرها دون إيجابها الحالة المقتضاة عن نفسها الواجب حصولها بشرط وجودها على كل وجه، ألا ترى أن الإرادة المفروض فعلها في الحي لدخول النار قد أوجبت كونه مريدا، وإنها لم تؤثر دخولها لكونها غير تابعة لدواعيه، فصار القدح وفقا للاستدلال على ما تراه، والمنة لله. ولأن اختلاف دواعي القديمين محال، لاختصاص دواعي القديم بالحكمة المستحيل تعري قديم منها، وعلى هذا الدليل ينبغي أن يعول من طريق العقل، لاستمراره على الأصول وسلامته من القدح. طريقة أخرى وهو علمنا من طريق السمع المقطوع على صحته: أن صانع العالم سبحانه واحد لا ثاني له، والاعتماد على إثبات صانع واحد سبحانه من طريق السمع أحسم لمادة الشغب وأبعد من القدح، لأن العلم بصحة السمع لا يفتقر إلى العلم بعدد الصناع، إذا كانت الأصول التي يعلم بصحتها صحة السمع سليمة، وإن جوز العالم بها تكاملها لأكثر من واحد، من تأمل ذلك وجده صحيحا. وإذا لم يفتقر صحة السمع إلى تميز عدد الصناع أمكن أن يعلم عددهم من جهته، فإذا قطع العدد بكونه واحدا وجب العلم به، والقطع ينفي ما زاد عليه.

 

مسألة: في لزوم الاعتقاد بمسائل التوحيد

وإذا تقرر ما قدمناه من مسائل التوحيد وعلمنا صحتها بالبرهان، لزم كل عاقل اعتقادها، أمنا من ضررها، قاطعا على عظيم النفع بها، وفساد ما خالفها من المذاهب، وحصول الأمان من معرتها، ونزول الضرر بمعتقدها، من حيث كان علمه بحدوث الأجسام والأعراض يقضي بفساد مذاهب القائلين بقدم العالم من الفلاسفة وغيرهم، وعلمه بحاجتها إلى فاعل قادر متخير عالم حي يوجب فساد مذهب من أضافه إلى علة أو طبيعة أو غير ذلك ممن ليس في هذه الصفات. وعلمنا بكونه تعالى قديما لا يشبه شيئا ولا يدرك بشئ من الحواس، يبطل مذهب الثنوية والمجوس والنصارى والصابئين والمنجمين والغلاة ومجيزي إدراكه تعالى بشئ من الحواس من فرق المسلمين، لإثبات هؤلاء أجمع إلهية الأجسام المعلوم حدوثها، لحدوث كل جسم على ما قدمناه. هذا إن أرادوا بالقدم إلهية أعيان الأجسام التي هي: نور وظلمة، وشيطان، وكوكب، وصنم، وبشر كعلي والمسيح عليهما السلام. وإن أرادوا أمرا يجاور هذه الأجسام، فالمجاور لا يكون إلا جسما. وإن أرادوا أمرا حالا، فالحلول من خواص الأعراض، وإن أرادوا بالادراك المعقول منه. وإن أرادوا غير ذلك أشاروا إلى ما لا يعقل، لأن كل عبارة يعبرون بها من قولهم: اتحد، واختص، وتعلق، وغير ذلك، متى لم يريدوا به مجاورة أو حلولا لم يعقل، وفساد ما لا يعقل ظاهر، وكذلك القول في إدراك لا يعقل. وعلمنا بتفرده سبحانه بالقدم والصفات النفسية التي عيناها يبطل مذاهب: الثنوية، والمجوس، وعباد الأصنام، والطبايعيين، والصابئين، والمنجمين، والغلاة، والمفوضة، والقائلين بقدم الصفات زائدا على ما تقدم.