عقائد الشيعة الإمامية /  الشهيد محمد باقر الصدر / فدك في التاريخ

قبسـات مـن الكـلام الفاطمـي

يوم جاءت إلى عدي وتيم        ومن الوجد ما أطال بكــاها

تعظ القوم في أتم خطـاب        حكت المصطفى به وحكاها

(الآزري)

نقتبس هنا عدة عبائر من خطبة الزهراء عليها السلام لنعطيها حقها من التحليل والتوضيح، ونفهمها كما هي في عالم الخلود، وكما هي في واقعها الرائع، قالت:

 

عظمة الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم

"ثم قبضه إليه قبض رأفة واختيار ورغبة وإيثار، فمحمد صلى الله عليه وآله وسلم عن تعب هذه الدار في راحة، قد حف بالملائكة الأبرار ورضوان الرب الغفار ومجاورة الملك الجبار"

انظر إلى البليغة كيف تركت النعيم المادي كله، وملذوذات الحس حين أرادت أن تقرض فردوس أبيها، وجنته الخالدة، لأنها رأت في معاني أبيها العظيم ما يرتفع على ذلك كله، وما قيمة اللذة المادية جنينية كانت أو دنيوية في حساب محمد صلى الله عليه وآله وسلم الروحي الذي لم يرتفع أحد بالروح الإنسانية كما ارتفع بها، ولم يبلغ بها أحد سواه أوجها المحمدي (ولم يغذها مصلح عداه بالعقيدة الإلهية الكاملة التي هي غاية العقول في طيرانها الكفري والشوط الأخير للطواف الإنساني حول الحقيقة المقدسة الذي يستقر عنده الضمير وتطمئن إليه الروح).

فهو إذن: المربي الأكبر للروح، والقائد الفريد الذي سجلت المعنويات الروحية تحت رايته انتصارها الخالد على القوى المادية في معركتهما القائمة منذ بدأ العقل حياته في وسط المادة.

وما دام هو بطل المعركة الفاصلة بين الروحية والمادية الذي ختمت برسالته رسالات السماء فلا غرو أن يكون محور ذلك العالم الروحي الجبار، وهذا ما شاءت أن تقوله الزهراء حين قالت تصف الفردوس المحمدي: فمحمد عن تعب هذه الدنيا في راحة، قد حف بالملائكة الأبرار فهو القطب أبدا في الدنيا والآخرة، غير أنه في الأولى متعب لأنه القطب الذي يجاهد ليقيم دورة الحياة الإنسانية عليه، على أسلوب خالد، وفي الأخرى مرتاح لأنه المحور الذي يكهرب الحياة الملائكية بنوره، فتحف به الملائكة لتقدم بين يديه آيات الحمد والثناء.

وما دام النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الطراز الأسمى فلتكن جنته على غراره ملؤها الترف المادي بل هي في أوضح معانيها الترف المعنوي - إن صح التعبير - وأي ترف روحي أسمى من مجاورة الملك الجبار والظفر برضوان الرب الغفار.

وهكذا وصفت الزهراء جنة أبيها في جملتين، فإذا به القطب المتصل بمبدأ النور والشمس التي تحيط بها الملائكة في دنيا النور.

 

عظمة الإمام علي عليه السلام ومؤهلاته الشخصية

وقالت: "وكنتم على شفا حفرة من النار مذقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام، تشربون الطرق، وتقتاتون الورق، أذلة خاسئين تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد اللتيا والتي، وبعد أن مني ببهم الرجال، وذؤبان العرب، ومردة أهل الكتاب، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله، أو نجم قرن للشيطان، وفغرت فاغرة من المشركين، قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لهبها بسيفه مكدودا في ذات الله، مجتهدا في أمر الله قريبا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيد أولياء الله مشتمرا ناصحا مجدا كادحا، وأنتم في رفاهية من العيش وادعون فاكهون آمنون".

ما أروعها من مقارنة هذه التي عقدتها الزهراء بين أسمى طراز من الكفاءة العسكرية في دنيا الإسلام يومئذ وبين رجولة مفطومة -إن صح التعبير- من ملكات البطل ومقومات العسكري الموهوب. بين بسالة هتفت بآياتها السماء والأرض، وكتبت بمداد الخلود في فهرس المثاليات الإنسانية، وشخصية اكتفت من الجهاد المقدس بالوقوف في الخط الحربي الأخير -العريش- ويا ليتها اقتنعت بذلك عن الفرار المحرم في عرف الإسلام، وفي عرف التضحية، وفي عرف المفاداة بالنفس لتوحيد الحكومة السماوية على وجه الأرض.

ولا نعرف في تاريخ الإنسانية موهبة عسكرية بارعة لها من الآثار الخيرة في حياة هذا الكوكب كالموهبة العلوية الفذة في تاريخ الأبطال، فإن مواقف الأمام في سوح الجهاد وميادين النضال كانت بحق هي الركيزة التي قامت عليها دنيا الإسلام، وصنعت له تاريخه الجبار.

فعلي هو المسلم الأول في اللحظة الأولى من تاريخ النبوة عندما لعلع الصوت الإلهي من فم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم هو بعد ذلك الغيور الأول، والمدافع الأول الذي أسندت إليه السماء تصفية الحساب مع الإنسانية الكافرة.

إن فوز الأمام في هذه المقارنة يعني أن له حقا في الخلافة من ناحيتين:

(إحداهما) إنه الشخص العسكري الفريد بين مسلمة ذلك اليوم الذي لم يكن قد فصل فيه تماما المركز السياسي الأعلى عن المقامات العسكرية.

(والأخرى) إن جهاده الرائع يكشف عن إخلاط أروع لا يعرف الشك إليه سبيلا، وجذوة مضطرمة بحرارة الأيمان لا يجد الخمود إليها طريقا. وهذه الجذوة المتقدة أبدا، وذلك الاخلاص الفياض دائما هما الشرطان الأساسيان للزعيم لذي توكل إليه الأمة حراسة معنوياتها الغاية وحماية شرفها في التاريخ.

 

مقارنة بين مواقف الإمام عليه السلام والآخرين

اقرأ حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتاريخ الجهاد النبوي، فسوف ترى أن عليا هو الذي أدهش الأرض والسماء بمواساته * وأن الصديق رضى عنه الله هو الذي التجأ إلى مركز القيادة العليا الذي كان محاطا بعدة من أبطال الأنصار لحمايته حتى يطمئن بذلك عن غوائل الحرب. وهو الذي فر يوم أحد كما فر الفاروق ولم يبايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الموت في تلك الساعة الرهيبة التي قل فيها الناصر وتضعضعت راية السماء وبايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الشهادة ثمانية، ثلاثة من المهاجرين وخمسة من الأنصار لم يكن هو واحدا منهم، كما صرح بذلك أرباب التاريخ، بل لم يرو له رواة المسلمين جميعا قتالا في ذلك الموقف مهما يكن لونه.

وإذن فلماذا وقف مع الثائبين إن كان لم يفر؟ ألم يكن القتال واجبا ما دام المدافعون لم يبلغوا العدد المطلوب لمقابلة العدو الذي أصاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعدة إصابات اضطرته إلى الصلاة جالسا؟!

ولعلنا نعلم جميعا أن شخصا إذا كان في وسط الصراح ومعترك الحرب فلن ينجو من الموت على يد عدوه إلا بالفرار، أو الدفاع بالاشتراك عمليا في المعركة. والصديق إذا لم يكن قد فعل شيئا من هذين وقد نجا بلا ريب فمعنى هذا أن عدوا وقف أمام عدوه مكتف اليدين فلم يقتله خصمه، فهل أشفق المشركون على أبي بكر، ولم يشفقوا على محمد وعلي والزبير وأبي دجانة وسهل بن حنيف؟!

وليس لدي من تفسير معقول للموقف إلا أن يكون قد وقف إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكسب بذلك موقفا هو في طبيعته أبعد نقاط المعركة عن الخطر لاحتفاف العدد المخلص في ا لجهاد يومئذ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وليس هذا ببعيد لأننا عرفنا من ذوق الصديق أنه كان يحب أن يكون إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحرب لأن مركز النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو المركز المصون الذي تتوفر جميع القوى الإسلامية على حراسته والذب عنه.

وخذ حياة الإمام علي عليه السلام وحياة الصديق وادرسهما، فهل تجد في حياة الأول خمودا في الاخلاص أو ضعفا في الاندفاع نحو التضحية أو ركونا إلى الدعة والراحة في ساعة الحرب المقدسة؟ فارجع البصر هل ترى من فطور (ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير) لأنه سوف يجد روعة واستماتة في سبل الله لا تفوقها استماتة، وشخصا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فيه استعداد للخلود ما خلد محمد أستاذه الأكبر لأنه نفسه صلى الله عليه وآله وسلم.

ثم حدثني عن حياة الصديق (رضي الله تعالى عنه) أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهل تجد فيها إلا تخاذلا وضعفا في الحياة المبدئية، والحياة العسكرية، يظهر تارة في التجائه إلى العريش، وأخرى في فراره يوم أحد وهزيمته في غزوة حنين وتلكئه عن الواجب حينما أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج تحت راية أسامة للغزو، مرة أخرى في هزيمته يوم خيبر حينما بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاحتلال الوكر اليهودي على رأس جيش فرجع فارا ثم أرسل الفاروق (رضي الله تعالى عنه) وإذا به من طراز صاحبه حيث تبخرت في ذلك الموقف الرهيب حماسة عمر وبطولته الرائعة في أيام السلم التي اعتز بها الإسلام يوم أسلم كما يقولون. ورجع عمر مع أصحابه يجبنهم ويجبنونه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني دافع الراية غدا لرجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح له. يشعر كلامه هذا بتعريض بليغ يدغدغ به مشاعر القائدين الفاشلين واعتزاز صريح بعليه العظيم الذي يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله.

يا خليفتي المسلمين - أو بعض المسلمين - رضي الله تعالى عنكما أهكذا كان نبيكما الذي قمتما مقامه؟ ألم تتلقيا عنه دروسه الفذة في الجهاد والمعاناة في سبيل الله؟ ألم يكن في صحبتكما له طوال عقدين حاجز يحجز عن ذلك؟ ألم تستمعا إلى القرآن الذي أسندت إليكما حراسته والتوفر على نشر مثله العليا في المعمورة وهو يقول: "ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير".

وقد توافقني على أن مقام الصديق والفاروق رضى عنه الله في الإسلام يرتفع بهما عن الفرار المحرم، فلا بد أنهما تأولا ووجدا عذرا في فرارهما ونحن نعلم أن مجال الاجتهاد والتأويل عند الخليفة كان واسعا حتى أنه اعتذر عن خالد لما قتل مسلما متعمدا بأنه (اجتهد فأخطأ).

عذرتكما إن الحمـــام لمبغض        وإن بقاء النفس للنفس محبـــــوب

ليكره طعم الموت والموت طالب        فكيف يلذ الموت والموت مطلــــوب

ولنعتذر إذا كان فيما قدمناه سبب للاعتذار وقد اضطرنا إلى ذلك الوقوف عند المقارنة الفاطمية وما تستحقه من شرح وتوضيح.

 

حزب السلطة الحاكمة

قالت: "تتربصون بنا الدوائر وتتوكفون الأخبار"

هذا الخطاب موجه إلى الحزب الحاكم لأنه هو الذي زعم ما نسبته الزهراء إلى مخاطبيها فيما يأتي من تعليل التسرع إلى إتمام البيعة بالخوف من الفتنة. وإذن فهو اتهام صريح له بالتآمر على السلطان واتخاذ التدابير اللازمة لهذه المؤامرة الرهيبة ووضع الخطط المحكمة لتنفيذها وتربص الفرصة السانحة للانقضاض على السلطة وتجريد البيت الهاشمي منها.

وقد رأينا في الفصل السابق أن الاتفاق السري بين الصديق والفاروق وأبي عبيدة رضى عنه الله مما تعززه الظواهر التاريخية.

ولا ينبغي أن نترقب دليلا ماديا أقوى من كلام الزهراء الذي بينا اشعاره إلى هذه المعنى بوضوح لمعاصرتها لتلك الظروف العصيبة. فلا ريب أنها كانت تفهم حوادث تلك الساعة فهما أخص ما يوصف به أنه أقرب إلى واقعها وأكثر إصابة له من دراسة يقوم بها النقاد بعد مئات السنين.

من حق البحث أن نسجل أن الزهراء هي أول من أعلنت -إن لم يكن زوجها هو المعلن الأول- عن التشكيلات الحزبية للجماعة الحاكمة واتهمتها بالتآمر السياسي، ثم تبعها على ذلك جملة من معاصريها كأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ومعاوية بن أبي سفيان كما عرفنا سابقا.

وما دام هذا الحزب الذي تجزم بوجوده الزهراء ويشير إليه الأمام ويلمح إليه معاوية هو الذي سيطر على الحكم ومقدرات الأمة، وما دامت الأسر الحاكمة بعد ذلك التي وجهت جميع مرافق الحياة العامة لخدمتها قد طبقت أصول تلك السياسة وعناصر ذلك المنهج الحزبي الذي دوخ دنيا الإسلام، فمن الطبيعي جدا لا نرى في التاريخ أو على الأقل التاريخ العام صورة واضحة الألوان لذلك الحزب الذي كان يجتهد أبطاله الأولون في تلوين أعمالهم باللون الشرعي الخاص الذي هو أبعد ما يكون عن الألوان السياسية والاتفاقات السابقة.

قالت: "فوسمتم غير إبلكم، وأوردتم غير شربكم هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، الجرح لما يندمل، والرسول لما يقبر، أبدارا زعمتهم خوف الفتنة؟ ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين.

أما لعمر الله لقد لقحت فنظرة ريثما تحلب ثم احتلبوها طلاع القعب دما عبيطا هنالك يخسر المبطلون ويعرف التالون غب ما أسس الأولون ثم طيبوا عن أنفسكم نفسا وأبشروا بسيف صارم وهرج شامل واستبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيدا وجمعكم حصيدا فيا حسرة عليكم".

لئن كان الصديق وصاحباه يشكلون حزبا ذا طابع خاص فمن العبث أن ننتظر منهم تصريحا بذلك أو نتوقع أن يعلنوا عن الخطوط الرئيسية لمنهاجهم ويبرروا بها موقفهم يوم السقيفة ومع هذا: فلا بد من مبرر... ولا بد من تفسير...

فقد ظهر في ذلك الموقف تسرعهم إلى إتمام البيعة لأحدهم وتلهفهم على المقامات العليا تلهفا لم يكن منتظرا بالطبع من صحابة على نمطهم، لأن المفروض فيهم أنهم أناس من نوع أكمل وعقول لا تفكر إلا في صالح المبدأ، ولا تعبأ إلا بالاحتفاظ له بالسيادة العليا. أما الملك الشخصي واما اقتناص الكراسي فلا ينبغي أن يكون هو الغاية في حساب تلامذة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

أحس الحاكمون بذلك وأدركوا أن موقفهم كان شاذا على أقل تقدير، فأرادوا (رضى الله عنهم) أن يرقعوا موقفهم بالأهداف السامية والخوف على الإسلام من هبوب فتنة طاغية تجهز عليه، ونسوا أن الرقعة تفضح موضعها وأن الخيوط المقحمة في الثوب تشي بها.

ولذا دوت الزهراء بكلمتها الخالدة:

"زعمتم خوف الفتنة ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين"

نعم انها الفتنة ثم هي أم الفتن بلا ريب. ما أروعك يا بضعة النبي حين تكشفين القناع عن الحقيقة المرة وتتنبئين لأمة أبيك بالمستقبل الرهيب الذي تلتمع في أفقه سحب حمراء! ماذا أقوال؟..

بل أنهار من دم تزخر بالجماجم وهي تنعى على سلفها الصالح فعلهم وتقول: ألا أنهم في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين.

 

الفتنة الكبرى

كانت العمليات السياسية يومئذ فتنة وكانت أم الفتن.

كانت فتنة في رأي الزهراء -على الأقل- لأنها خروج على الحكومة الإسلامية الشرعية القائمة في شخص علي هارون النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأولى من المسلمين بأنفسهم.

ومن مهازل القدر أن يعتذر الفاروق عن موقفه، بأنه خاف الفتنة وهو لا يعلم أن انتزاع الأمر ممن أراده له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باعتراف عمر هو الفتنة بعينها المستوعبة لكل ما لهذا المفهوم من ألوان.

وأنا لا أدري ما منع هؤلاء الخائفين من الفتنة الذين لا مطمع لهم في السلطان إلا بمقدار ما يتصل بصالح الإسلام أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن خليفته أن يطلبوا منه أن يعين لهم المرجع الأعلى للحكومة الإسلامية من بعده، وقد طال المرض به أياما متعددة، وأعلن فيها مرارا عن قرب أجله، واجتمع به جماعة من أصحابه فسألوه عن كيفية غسله وتفصيلات تجهيزه، ولم يقع في أنفسهم مطلقا أن يسألوه عن المسألة الأساسية، بل لم يخطر في بال أولئك الذين أصروا على عمر بأن يستخلف ولا يهمل الأمة وألحوا عليه في ذلك خوفا من الفتنة أن يطلبوا نظير هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهل ترى أنهم كانوا حينذاك في غفلة عن أخطار الموقف بالرغم من إنذار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بفتن كقطع الليل المظلم؟! حتى إ ذا لحق سيد البشر بالرفيق الأعلى توهجت مشاعرهم بالغيرة على الدين، وملأ قلوبهم لخوف من الفتنة والانعكاسات السيئة. أو تعتقد معي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد اختار للسفينة ربانها الأفضل ولذلك لم يسأله السائلون!!

دع عنك هذا واختلق لهم ما شئت من المعاذير، فإن هؤلاء الغيارى على الإسلام لم يكتفوا بترك السؤال، بل منعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مقاومة الخطر المرتقب حينما أراد أن يكتب (كتابا لا يضل المسلمون بعده أبدا). والفتنة ضلال، وإذن فلا فتنة بعد ذلك الكتاب أبدا فهل كانوا يشكون في صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟! أو يرون أنهم أقدر على الاحتياط للاسلام والقضاء على الشغب والهرج من نبي الإسلام ورجله الأول!

وخليق بنا أن نسأل عما عناه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالفتن التي جاء ذكرها في مناجاته لقبور البقيع في أخريات أيامه إذ يقول: ليهنكم ما أصبحتم فيه قد أقلبت الفتن كقطع الليل المظلم.

ولعلك تقول: إنها فتن المرتدين، وهذا تفسير يقبل على فرض واحد وهو: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتخوف على موتى البقيع من الارتداد، فأما إذا لم يكن يخشى عليهم من ذلك كما - هو في الواقع - لأنهم على الأكثر من المسلمين الصالحين، وفيهم الشهداء فلماذا يهنئهم على عدم حضور تلك الأيام؟ ولا يستقيم في منطق صحيح أن يريد بهذه الفتن المشاغبات الأموية التي قام بها عثمان ومعاوية بعد عقود ثلاثة من ذلك التاريخ تقريبا.

وإذن فتلك الفتن التي عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا بد أن تكون فتنا حادثة بعده مباشرة، ولا بد أيضا أن تكون أكثر اتصالا بموتى البقيع لو قدرت لهم الحياة من فتن الردة والمتنبئين.

وهي إذن عين الفتنة التي عنتها الزهراء بقولها: ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين.

وهل من غضاضة بعد أن يصطلح عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالفتنة أن تمنح لقب الفتنة الأولى في دنيا الإسلام.

وقد كانت العمليات السياسية يومئذ فتنة من ناحية أخرى، لأنها فرضت خلافة على أمة لم يقتنع بها إلا القليل من سوقتها الذين ليس لمثلهم الحق في تقرير مصير الحكم في عرف الإسلام ولا في لغة القوانين الدستورية جميعا.

تلك هي خلافة الصديق (رضي الله تعالى عنه) عندما خرج من السقيفة (وعمر يهرول بين يديه وقد نبر حتى أزبد شدقاه) وجماعته تحوطه (وهم متزرون بالأزر الصنعانية لا يمرون بأحد إلا خبطوه وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه شاء ذلك أو أبى).

ومعنى هذا أن الحاكمين زفوا إلى المسلمين خلافة لم تباركها السماء ولا رضي بها المسلمون. وأن الصديق لم يستمد سلطانه من نص نبوي -بالضرورة- ولم ينعقد الاجماع عليه ما دام سعد لم يبايع إلى أن مات الخليفة، وما دام الهاشميون لم يبايعوا إلى ستة أشهر من خلافته كما في صحيح البخاري.

قالوا: إن أهل الحل والعقد قد بايعوه وكفى.

ولكن ألا يحتاج هذا المفهوم إلى توضيح وإلى مرجع يرجع إليه في  ذلك؟ فمن هو الذي اعتبر مبايعي أبي بكر أهل الحل والعقد، وأعطاهم هذه الصلاحيات الواسعة؟

ليس هو الأمة ولا النبي الأعظم، لأننا نعلم أن أبطال السقيفة لم يأخذوا أنفسهم بمناهج الانتخاب غير المباشر، ولم يستفتوا المسلمين في تعيين المنتخبين الثانويين الذين اصطلح عليهم في العرف القد يم بأهل الحل والعقد.

كما أنه لم يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إعطاء هذه الصلاحيات لجماعة مخصوصة، فكيف تمنح لعدد من المسلمين ويستأمنون على مقدرات الأمة بغير رضى منها في ظل نظام دستوري كنظام الحكم في الإسلام كما يزعمون؟!

ومن العجيب في العرف السياسي أن تعين الحكومة نفسها أهل الحل والعقد، ثم تكتسب منهم كلمتها العليا.

وأعجب من ذلك إخراج علي والعباس وسائر بني هاشم وسعد بن عبادة والزبير وعمار وسلمان وأبي ذر والمقداد وجميع أهل الحجى والرأي -على حد تعبير ابن عباس لعمر- من أهل الحل والعقد إذا صح أن في الإسلام طبقة مستأثرة بالحل والعقد.

وقد جر وضع هذه الكلمة في قاموس الحياة الإسلامية إلى تهيئة الجو لإرستقراطية هي أبعد ما تكون عن روح الإسلام وواقعة المصفى من الطبقية والعنعنات.

وهل كانت تلك الثروات الضخمة التي امتلأت بها أكياس عبد الرحمن بن عوف وطلحة وأضرابهما إلا بسبب هذا اللقب المشؤوم على الإسلام الذي لقبوا به، فرأوا أنهم من الطراز الرفيع الذي يستحق أن يملك الملايين ويتحكم في حقوق الناس كما يريد؟!

وقالوا: إن الأكثرية هي مقياس الحكومة الشرعية والمبدأ الذي لا بد أن تقوم على أساسه الخلافة.

وقد استهان القرآن الكريم بالأكثرية ولم يجعل منها في حال من الأحوال دليلا وميزانا صحيحا إذ جاء فيه:

(وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله).

(وأكثرهم للحق كارهون).

(وما يتبع أكثرهم إلا ظنا).

(ولكن أكثرهم يجهلون).

وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صحاح السنة أنه قال: (بينا أنا قائم - يعني يوم القيامة على الحوض - فإذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت أين؟ فقال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم هم القهقرى - إلى أن قال -: فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم).

ولا يمكن أن تكون هذه الأكثرية الجهنمية التي حدث عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مصدر السلطة في 65 الإسلام، لأنها لا تنشئ بطبيعة الحال إلا خلافة مطبوعة بطابعها.

وإذا خرجنا بالأكثرية عن حدود المدنيين الذين عرفنا أنفا مراكزهم الجهنمية على ا لأغلب في الحياة الخالدة، واعتبرنا أكثرية المسلمين عموما هي المقياس الصحيح، فلا بد أن نلاحظ أن المدينة هل كانت وحدها مسكن المسلمين ليكتمل النصاب المفروض بالأكثرية المدنية أو أن أبا بكر لم يكتف بها وإنما بعث إلى المسلمين المنتشرين في أرجاء المملكة بالخبر ليأخذ آراءهم ويستشيرهم؟! كلا لم يحدث شيء من ذلك وإنما فرض حكومته على آفاق المملكة كلها فرضا لا يقبل مراجعة ولا جدالا حتى أصبح التردد في الخضوع لها جريمة لا تغتفر.

وقالوا: إن الخلافة تحصل ببيعة بعض المسلمين، ولا ريب أن ذلك قد حصل لأبي بكر.

ولكن هذا مما لا يقره المنطق السياسي السليم، لأن البعض لا يمكن أن يتحكم في شؤون الأمة كلها، ولأن حياة الأمة لا يمكن أن تعلق على خيط ضعيف كهذا الخيط، ويرن في حفظ مقدساتها ومقامها إلى حكومة أنشأها جماعة من الصحابة لم يزكهم إجماع شعبي، ولا نص مقدس، بل هم أناس عاديون من الصحابة. ونحن نعلم أن (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون) (ومنهم من عاهد الله لئن اتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين * فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون * فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون)، ومنهم من خص الله تعالى نفسه بالاطلاع على سرائرهم ونفاقهم فقال لرسوله: (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم).

فجماعة فيها المنافق، وفيها من يؤذي رسول الله، وفيها الكاذب لا يمكن أن يعتبر رأى بعضهم أيا كان، ملاكا للمنصب الأول في العالم الإسلامي.

وتعليقا على هذه المعلومات نقول: إن خلافة الصديق لم تكن خلافة نص، ولا خلافة أكثرية ولا نتيجة انتخاب مباشر ولا غير مباشر، نعم بذل في سبيلها بعض المسلمين جهودا رائعة، والتفت حولها طائفة من الناس وانتصرت لها جماعات عديدة في المدينة، ولكن هؤلاء جميعا ليسوا إلا بعض المسلمين، والبعض ليس له حكم مطاع في الموضوع، لأن الحكم الذي يستمد معنويته القانونية من الأمة يلزم أن يكون صاحبه ممثلا للأمة بجميع عناصرها أو أكثر عناصرها، هذا أولا، وأما ثانيا فلأن في المسلمين منافقين لا يعلمهم إلا الله بنص القرآن الكريم، وتنزيه هذا البعض المتوفر على إنشاء الكيان السياسي للأمة حينئذ عن النفاق لا بد أن يكون عن طريق النص أو الأمة.

وإذن فليسمح لنا الصديق أن نميل إلى رأي الزهراء بعض الميل أو كل الميل، لأننا لا نجد للفتنة واقعا أوضح من تسلط رجل بلا وجه قانوني على أمة، وتصرفه في مرافقها الحيوية جميعا كالصديق رضى عنه الله في أيام خلافته، أو في الأشهر الأولى أو في الأسابيع الأولى من حكومته التي خطبت فيها الزهراء على أقل تقدير.

وما أدري هل خطرت للمتسرعين المستبدين نتائج استبدادهم واستقلالهم عن العناصر التي كان من الطبيعي أن يكون لها رأي في الموضوع لو قامت تلك العناصر بالمعارضة، واستعد الهاشميون للمقاومة، وقد كان تقدير هذا المعنى قريبا ومعقولا إلى حد بعيد، فكيف لم يحتاطوا له وانتهوا إلى نتيجتهم المط لوبة في مدة قد لا تزيد على ساعة؟!

ولماذا نقدس الموقف أكثر مما قدسه أبطاله؟ فقد بلغ من تقديس الفاروق أنه أمر بقتل من عاد إلى مثل بيعة أبي بكر وكرر ذلك الموقف. وإذا أردنا أن نأخذ هذا الكلام ونفهمه على أنه كلام إمام يراعي دستور الإسلام، فمعنى ذلك أنه رأى موقف أبي بكر وأصحابه في السقيفة فتنة وفسادا، لأن القتل لا يجوز بغير ذلك من الأسباب.

وهي بعد ذلك كله أم الفتن لأنها هي التي جعلت الخلافة سلطان الله الذي يأتيه البر والفاجر كما صرحت بذلك السيدة عائشة (رضي الله عنها) التي كانت بلا شك تمثل نظريات الحزب الحاكم.

وهي التي فتحت للأهواء والأطماع السياسية ميدانها الواسع، فتولدت الأحزاب وتناحرت السياسات وتفرق المسلمون وانقسموا شر انقسام ذهب بكيانهم الجبار ومجدهم في التاريخ.

وماذا ظنك بهذه الأمة التي أنشأت في ربع قرن المملكة الأولى في أرجاء العالم بسبب ان زعيم المعارضة للحكومة في ذلك الحين - أعني عليا - لم يتخذ للمعارضة أسبابها المزعزعة لكيان الأمة ووحدتها؟!

(أقول) ماذا تقدر لها من مجد وسلطان وهيمنة على العالم لو لم تبتل بعشاق الملك المتضاربين، والامراء السكارى بنشوة السلطان، ولم تكن مسرحا للمعارك الدامية التي يقل نظيرها في التاريخ، ولم يستغل حكامها الغاشمون إمكانيات الأمة كلها للذاتهم وهنائهم ويستهينون بعد ذلك بمقدراتها جميعا؟

لم ينظر الصديق والفاروق إلا إلى زمانهما الخاص، فتصورا أن في طاقتهما حماية الكيان الإسلامي، ولكنهما لو تعمقا في نظرتهما كما تعمقت الزهراء وتوسعا في مطالعة الموقف لعرفا صدق الإنذار الذي أنذرتهما به الزهراء.

 

عودة لصفحة الشهيد محمد باقر الصدر