عقائد الشيعة الإمامية /  الشهيد محمد باقر الصدر / فدك في التاريخ

مناقشـة البحـث

"إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا"

 

تمهيد

إذا أردنا أن نرتفع بمستوى دراستنا إلى مصاف الدراسات الدقيقة، فلا بد أن نأخذ أنفسنا بمناهج البحث العلمي في درس ناحيتين:

 

موقف الخليفة الأول من تركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم

الناحية الأولى: موقف الخليفة تجاه ميراث الزهراء الذي كان يستند فيه إلى ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في موضوع الميراث بأساليب متعددة وصور مختلفة لتعدد مواجهات الخصمين، فجاءت الأحاديث التي تنقل روايته وهي لا تتفق على حد تعبير واحد، ولا تجمع على لفظ معين، لاختلاف المشاهد التي ترويها، واختصاص كل منها بصيغة خاصة للحديث على حسب ما كان يحضر الخليفة من عبائر أو تعدد الروايات التي رواها في المسألة.

1 - وقبل كل شيء نريد أن نلاحظ مقدار تأكد الخليفة من صحة الحديث الذي رآه دالا على نفي توريث التركة النبوية واطمئنانه إلى سماع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثباته عليه. ويمكننا فهم ذلك مما تحدثنا به الروايات من أن الخليفة سلم فدك للحوراء وكاد الأمر أن يتم لولا أن دخل عمر وقال له: (ما هذا؟ فقال له: كتاب كتبته لفاطمة بميراثها من أبيها، فقال: ماذا تنفق على المسلمين وقد حاربتك العرب كما ترى ثم أخذ الكتاب فشقه). ونحن ننقل هذه الرواية في تحفظ وإن كنا نستقرب صحتها، لأن كل شيء كان يشجع على عدم حكاية هذه القصة لو لم يكن لها نصيب من الواقع، وإذا صحت ففي تدل على أن أمر التسليم وقع بعد الخطبة الفاطمية الخالدة ونقل الخليفة لحديث نفي الإرث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأن حروب الردة التي أشار إليها عمر في كلامه ابتدأت بعد يوم السقيفة بعشرة أيام، وخطبة الزهراء قد كانت في اليوم العاشر أيضا كما سبق.

2 - وقد أظهر الخليفة الندم في ساعة وفاته على عدم تسليم فدك لفاطمة، وقد بلغ به التأثر حينا أن قال للناس وقد اجتمعوا حوله: أقيلوني بيعتي. وندرك من هذا أن الخليفة كان يطوي نفسه على قلق عظيم عظيم مرده إلى الشعور بنقص مادي في حكمه على فاطمة وضعف في المدرك الذي استند إليه، ويثور به ضميره أحيانا فلا يجد في مستنداته ما يهدئ نفسه المضطربة وقد ضاق بهذه الحالة المريرة، فطفحت نفسه في الساعة الأخيرة بكلام يندم فيه على موقفه من الزهراء، تلك الساعة الحرجة التي يتمثل فيها للإنسان ما مثله على مسرح الحياة من فصل أو شك الستار أن يسدل عليها، وتجتمع في ذاكرته خيوط حياته بألوانها المختلفة التي آن لها أن تنقطع، فلا يبقى منها إلا التبعات.

3 - ولا ننسى أن أبا بكر أوصى أن يدفن إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يصح ذلك إلا إذا كان قد عدل عن اعتبار روايته مدركا قانونيا في الموضوع، واستأذن ابنته في أن يدفن فيما ورثته من أرض الحجرة - إذا كان للزوجة نصيب في الأرض، وكان نصيب عائشة يسع ذلك - ولو كان يرى أن تركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم صدقة مشتركة بين المسلمين عامة، للزمه الاستئذان منهم. وهب أن البالغين أجازوا ذلك فكيف بالأطفال والقاصرين ممن كانوا في ذلك الحين؟!

4 - ونحن نعلم أيضا أن الخليفة لم ينتزع من نساء النبي بيوتهن ومساكنهن التي كن يسكن فيها في حياد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فما عساه أن يكون سبب التفريق الذي أنتج انتزاع فدك من الزهراء وتخصيص حاصلاتها للمصالح العامة وإبقاء بيوت نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهن يتصرفن فيها كما يتصرف المالك في ماله حتى تستأذن عائشة في الدفن في حجرتها؟ أكان الحكم بعدم التوريث مختصا ببضعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟! أو أن بيوت الزوجات كانت نحلة لهن؟ فلنا أن نستفهم عما أثبت ذلك عند الخليفة ولم قتم بينة، عليه ولا ادعته واحدة منهن، وليست حيازتهن للبيوت في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شاهدا على ملكيتهن لها، لأنها ليست حيازة استقلالية، بل من شؤون حيازة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ككل زوجة بالنسبة إلى زوجها؟ كما أن نسبة البيوت إليهن في الآية الكريمة: (وقرن في بيوتكن)، لا يدل على ذلك، لأن الإضافة يكفي في صحتها أدنى ملابسة، وقد نسبت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن الكريم بعد تلك الآية بمقدار قليل إذ قال الله تبارك وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم). فإذا كان الترتيب القرآني حجة، لزم الأخذ بما تدل عليه هذه الآية. وورد في صحاح السنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إسناد البيت إليه في قوله: (إن ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة).

5 - ولنتساءل عما إذا كان الحكم بعدم توريث الأنبياء الذي ذهب إليه الخليفة مما اختزنه الوحي الخاتم المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، واقتضت المصلحة تأخيره عن وقت الحاجة، وإجراءه على الصديقة دون سائر ورثة الأنبياء؟ أو أن الرسل السابقين قد أهملوا تبليغه وتعريف خلفائهم وورثتهم به طمعا بالمادة الزائفة، واستبقاء لها في أولادهم وآلهم؟ أو أنهم كانوا قد انتهجوا هذا الطريق ونفذوا الحكم بعدم التوريث، ومع ذلك لم يؤثر في التواريخ جميعا؟ أو أن السياسة السائدة يو مذاك هي التي أنشأت هذا الحكم؟

6 - ومن جهة أخرى هل يمكننا أن نقبل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجر على أحب الناس إليه وأقربهم منه البلايا والشدائد وهي التي يغضب لغضبها ويسر لسرورها وينقبض لانقباضها، ولم يكن ليكلفه دفع هذه المحن عنها أكثر من إعلامها بحقيقة الأمر لئلا تطلب ما ليس لها بحق، وكأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذ له أن ترزى ابنته، ثم تتسع هذه الرزية فتكون أداة اختلاف وصخب بين المسلمين عامة، وهو الذي ارسل رحمة للعالمين، فبقي مصرا على كتمان الخبر عنها مع الأسرار به إلى أبي بكر.

 

روايات الخليفة الأول ومناقشتها

1 - لأجل أن نلقي نظرة على الحديث من الناحية المعنوية بعد الملاحظات التي أسلفنا ها، نقسم الصيغة التي جاءت في رواية الموضوع إلى قسمين:

(الأول) ما جاء في بعضها من أن أبا بكر بكى لما كلمته فاطمة ثم قال: يا بنت رسول الله، والله ما ورث أبوك دينارا ولا درهما، وإنه قال: إن الأنبياء لا يورثون. وما ورد في الخطبة من قوله: (إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا أرضا ولا عقارا ولا دار ا لكنما نورث الأيمان والحكمة والعلم والسنة).

(الثاني) التعبير الذي تنقله عدة أخبار عن الخليفة وهو ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من (إنا لا نورث ما تركناه صدقة).

2 - والنقطة المهمة في هذا البحث هي معرفة ما إذا كانت هذه الصيغ تدل بوضوح لا يقبل تشكيكا ولا تأويلا -وهو النص في العرف العلمي- على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تورث تركته، أو ما إذا كانت تصلح للتعبير بها عن معنى آخر وإن كانت للتعبير بها عن الحكم بعدم التوريث أصلح -وهو الظاهر في الاصطلاح- وللمسألة تقدير ثالث وهو أن لا يرجح المعنى الذي هو في صالح الخليفة على ما قد يؤدي باللفظ من معان اخر وهو المجمل.

3 - إذا لا حظنا القسم الأول من صيغ الحديث وجدنا رواياته تقبل أن تكون بيانا لعدم تشريع توريث الأنبياء كما فهمه الخليفة، ويمكن أن تكون كناية عن معنى أن يقع في نقس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيانه، وهو تعظيم مقام النبوة وتجليل الأنبياء، وليس من مظهر للجلالة الروحية والعظمة الإلهية أجلى دلالة وأكثر مادية من الزهد في الدنيا، ولذائذها الزائفة، ومتعها الفانية. فماذا لا يجوز لنا افتراض أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يشير إلى أن الأنبياء أناس ملائكيون وبشر من الطراز الأسمى الذي لا تشوبه الأنانيات الأرضية والأهواء البشرية؟ لأن طبيعتهم قد اشتقت من عناصر السماء - بمعناها الرمزي - المتدفقة بالخير لا من مواد هذا العالم الأرضي، فهم أبدا ودائما منابع الخير، والطالعون بالنور، والمورثون للأيمان والحكمة، والمركزون للسلطان الإلهي في الأرض. وليسوا مصادر للثروة بمعناها المصطلح عليه في عرف الناس، ولا بالساعين وراء نفائسها. ولماذا لا يكون قوله: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا أرضا ولا عقارا ولا دارا) كناية عن هذا المعنى؟ لأن توريثهم لهذه الأشياء إنما يكون بحيازتهم لها، وتركهم إياها بعد موتهم وهم منصرفون عنها، لا يحسبون لها حسابا ولا يقيمون لها وزنا ليحصلوا على شيء منها. فما هو تحت اللفظ نفي التوريث لعدم وجود التركة كما إذا قلنا: إن الفقراء لا يورثون، لا أنهم يختصون عن سائر الناس بحكم يقتضي بعدم جريان أحكام الإرث على تركاتهم. والهدف الأصلي من الكلام بيان جلال الأنبياء. وهذا الأسلوب من البيان مما يتفق مع الأساليب النبوية الرائعة التي تطفح بالمعاني الكبار وتزخر بأسماها في موجاتها اللفظية القصيرة.

4 - ولكي تتفق معي على تفسير معين للحديث، يلزم أن نعرف معنى التوريث لنفهم الجملة النافية له كما يلزم. ومعنى التوريث جعل شيء ميراثا، فالمورث من يكون سببا لانتقال المال من الميت إلى قريبه وهذا الانتقال يتوقف على أمرين:

(أحدهما) وجود التركة.

(والآخر) القانون الذي يجعل للوارث حصة من مال الميت. ويحصل الأول بسبب نفس الميت، والثاني بسبب المشرع الذي وضع قانون الوراثة سواء أكان فردا أسندت إليه الناس الصلاحيات التشريعية أو هيئة تقوم على ذلك، أو نبيا يشرع بوحي من السماء، فكل من الميت والمشرع له نصيب من إيجاد التوارث، ولكن المورث الحقيقي الذي يستحق التعبير عنه بهذا اللفظ بحق هو الميت الذي أوجد مادة الإرث، لأنه هو الذي هيا للإرث شرطه الأخير بما خلفه من ثروة، وأما المشرع فليس مورثا من ذلك الطراز لأنه لم يجعل بوضعه للقانون، ميراثا معينا بالفعل، بل شرع نظاما يقتضي بأن الميت إذا كان قد ملك شيئا وخلفه بعد موته فهو لأقاربه. وهذا وحده لا يكفي لايجاد مال موروث في الخارج، بل يتوقف على أن يكون الميت قد أصاب شيئا من المال وخلفه بعده.

فالواضع التشريعي نظير من يضيف عنصرا خاصا إلى طبيعة من الطبائع، فيجعلها قابلة لاحراق ما يلاقيها. فإذا ألقيت إليها بورقة فاحترقت كنت أنت الذي أحرقتها لا من أضاف ذلك العنصر المحرق إلى الطبيعة، والقاعدة التي ذلك، أن كل شيء يسند بحسب أصول التعبير إلى المؤثر الأخير فيه. وفي ضوء هذه القاعدة نعر ف أن نسبة التوريث إلى شخص تدل على أنه المؤثر الأخير في الإرث، وهو الموروث الذي  أوجد التركة. فالمفهوم من جملة: أن الأنبياء يورثون، أنهم يحصلون على الأموال ويجعلونها تركة من بعدهم، وإذا نفي التوريث عنهم، كان مدلول هذا النفي أنهم لا يهيؤون للإرث شرطه الأخير، ولا يسعون وراء الأموال ليتركوها بعد وفاتهم لورثتهم. وإذن فليس معنى: أن الأنبياء لا يورثون، عدم التوريث التشريعي، ونفي الحكم بالإرث، لأن الحكم بالإرث ليس توريثا حقيقيا، بل التوريث الحقيقي تهيئة نفس التركة وهذا هو المنفي في الحديث.

وعلى طراز آخر من البيان أن التوريث الذي نفاه خاتم النبيين عن الأنبياء، إن كان هو التوريث التشريعي، كان مفاد النفي إلغاء قانون الإرث من شرائع السماء، لأن توريثهم التشريعي لا يختص بورثتهم حتى يكون المنفي توريثهم خاصة. وإن كان هو التوريث الحقيقي، بمعنى تهيئة الجو المناسب للإرث، سقطت العبارة عما أراد لها الصديق من معنى وكان معناها أن الأنبياء لا تركة لهم لتورث.

5 - وفي الرواية الأولى مهد الخليفة للحديث بقوله: (والله ما ورث أبوك دينارا ولا درهما)، وهذا التعبير واضح كل الوضوح في نفي التركة وعدم ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا من المال. فإذا صح للخليفة أن يستعمل تلك الجملة في هذا المعنى، فليصح أن تدل صيغة الحديث عليه أيضا ويكون هو المقصود منها.

6 - وإذا لاحظنا الأمثلة التي ذكرت في الرواية الثانية نجد فيها ما يعزز قيمة هذا التفسير، لأن ذكر الذهب والفضة والعقار والدار -مع أنها من مهمات التركة- لا يتفق مع تفسير الحديث بأن لا تورث، لأن اللازم ذكر أتفه الأشياء لبيان عموم الحكم بعدم الإرث لسائر مصاديق التركة. كما إنا إذا أردنا أن نوضح عدم إرث الكافر لشئ من تركة أبيه لم نقل: إن الكافر لا يرث ذهبا ولا فضة ولا دارا وإنما نقول: إنه لا يرث تمرة واحدة من تركة الميت. وبتعبير واضح أن الاهتمام بتوضيح عموم الحكم لكل أقسام التركة يقتضي التصريح ببعض أقسام المال الذي قد يتوهم متوهم عدم اندراجه في التركة التي لا تورث. وقولنا: الأنبياء لا يورثون أو أن الكفار لا نصيب لهم من تركة آبائهم، يدل أول ما يدل على عدم انتقال الدار والعقار والذهب والفضة وغيرها من نفيس التركة ومهمها. فذكر هذه الأمور في الحديث يرجح أن المقصود بنفي توريث الأنبياء، بيان زهدهم وعدم اهتمامهم بالحصول على نفائس الحياة المحدودة التي يتنافس فيها المتنافسون، لأن المناسب لهذا الغرض ذكر الأموال المهمة التي تكون حيازتها وتوريثها منافيا للزهد والمقامات الروحية العليا. وأما الأخبار عن عدم التوريث في الشريعة فاللائق به ذكر التوافه من التركة دون أقسامها الواضحة المهمة.

7 - وأمر آخر يشهد لما ذكرناه من التفسير وهو الجملة الثانية الإيجابية في الحديث أي جملة: (ولكنا نورث الأيمان والحكمة والعلم والسنة)، فإنها لا تدل على تشريع وراثة هذه الأمور، بل على توفرها في الأنبياء إلى حد يؤهلهم لنشرها وإشاعتها بين الناس. فقد نفهم حينئذ أن المراد بالجملة الأولى التي نفت التوريث، بيان أن الأنبياء لا يسعون للحصول على الذهب والعقار ونحو هما، ولا يكون لهم من ذلك شيء ليرثه آلهم.

8 - ولا يجوز لنا أن نقيس عبارة الحديث المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: إن الناس لا يورثون الكافر من أقاربهم، بل يلزمنا أن نفرق بين التعبيرين لأن المشرع إذا تكلم عمن يشرع لهم أحكامهم كان الظاهر من كلامه أنه يلقي بذلك عليهم حكما من الأحكام. فإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن عدم توريث الناس للكافر من أقاربهم لا يصح تفسيره بأنه إخبار فقط، بل يدل فوق هذا على أن الكافر لا يرث في شريعته. وتختلف عن ذلك العبارة التي نقلها الخليفة، لأن موضوع الحديث فيها هو الأنبياء لا جماعة ممن تشملهم تشريعات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأحكامه، فليس في الأمر ما يدل على حكم وراء الأخبار عن عدم توريثهم.

9 - وليس لك أن تعترض بأن الأنبياء كثيرا ما يحوزون على شيء مما ذكر في الحديث، فيلزم على ما ذكرت من التفسير أن يكون الحديث كاذبا، لأنك قد تتذكر أن الذي نفي عن الأنبياء هو التوريث خاصة، وهو ينطوي على معنى خاص، وأعني به إسناد الإرث إلى المورث. وهذا الأسناد بتوقف على أن يكون المورث قد سعى في سبيل الحصول على المال الذي تركه ميراثا بعده، كما يتوقف معنى المهذب على استعمال وسائل التهذيب. فإذا استطاع شخص أن يقرأ أفكار عالم من علماء الأخلاق، ويهذب نفسه على هدى تلك الأفكار، لم يصح تسمية ذلك العالم مهذبا، لأن إيجاد أي شيء سواء أكان تهذيبا أو توريثا أو تعليما أو نحو ذلك لا يستقيم إسناده إلى شخص إلا إذا كان للشخص عمل إيجابي، وتأثير ملحوظ في تحقق ذلك الشئ الموجود. والأنبياء وإن حازوا شيئا من العقارات والدور، ولكن ذلك لم يكن بسعي منهم وراء المال كما هو شأن الناس جميعا. ونقرر علاوة على هذا أن المقصود من الكلام ليس هو بيان أن الأنبياء لا يورثون ولا يتركون مالا، بل ما يدل عليه ذلك من مقامهم وامتيازهم. وما دامت الجملة كذلك ولم يكن الهدف الحقيقي منها بيان معناها الحرفي، فلا يمنع حيازة الأنبياء لبعض تلك الأموال عن صواب التفسير الذي قدمناه، كما أن من كنى قديما عن الكريم بأنه كثير الرماد لم يكن كاذبا سواء أكان في بيت الكريم رماد، أو لا، لأنه لم يرد نعته بهذا الوصف حقا وإنما أشار به إلى كرمه، لان أظهر لوازم الكرم يومذاك كثرة المطابخ الموجبة لكثرة الرماد. وعدم التوريث من أوضح آثار الزهد والورع، فيجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أشار إلى ورع الأنبياء بقوله: إن الأنبياء لا يورثون.

10 - ولأجل أن نتبين معنى القسم الثاني من صيغ الحديث يلزمنا أن نميز بين معان ثلاثة:

(الأول) أن تركة الميت لا تورث، ومعنى هذا إن ما كان يملكه إلى حين وفاته، وتركه بعده لا ينتقل إلى آله بل يصبح صدقة حين موته.

(الثاني) أن ما تصدق به الميت في حياته، أو أقفه على جهات معينة لا يورث بل يبقى صدقة ووقفا، والورثة إنما يورثون غير الصدقات من الأموال التي كان يملكها الميت إلى حين وفاته.

(الثالث) أن الشخص ليس لديه أموال مملوكة له لتورث، وكل ما سوف يتكره من أموال إنما هو من الصدقات والأوقاف.

ومتى عرفنا الفارق بين هذه المعاني يظهر أن صيغة الحديث ليست واضحة كل الوضوح ولا غنية عن البحث والتمحيص، بل في طاقتها التعبيرية إمكانيات التفسير بالمعاني الانفة الذكر جميعا، فإن النصف الثاني من الحديث وهو -ما تركناه صدقة- يجوز أن يكون مستقلا في كيانه المعنوي، مركبا من مبتدأ وخبر، ويمكن أن يكون تكملة لجملة لا نورث. ففي الحالة الأولى يقبل الحديث التفسير بالمعنى الأول والثالث من المعاني السابقة لأن جملة -ما تركناه صدقة- قد يراد بها أن التركة لا تنقل من ملك الميت إلى آله وإنما تصبح صدقة بعد موته، وقد يقصد بها بيان المعنى الثالث وهو أن جميع التركة صدقة ولم يكن يملك منها الميت شيئا ليورث كما إذا أشار الإنسان إلى أمواله وقال: إن هذه الأموال ليست ملكا لي وإنما هي صدقات أتولاها. والحديث على تقدير أن تكون له وحدة معنوية، يدل على المعنى الثاني، أي أن الصدقات التي تصدق بها الميت في حياته لا تورث دون سائر تركته، ويكون الموصول مفعولا لا مبتدأ. ويتضح من الصيغة على هذا التقدير نفس ما يفهم منها إذا انعكس الترتيب فيها وجاءت هكذا: -ما تركناه صدقة لا نورثه- فكما يؤتى بهذه الجملة لبيان أن الصدقات لا تورث، لا أن كل أقسام التركة صدقة، كذلك يصح أن يقصد نفس ذلك المعنى من صيغة الحديث بترتيبها المأثور. فتكون دليلا على عدم انتقال الصدقات إلى الورثة على على عدم تشريع الإرث إطلاقا. وقد يكون من حق سيبويه علينا أن نشير إلى أن قواعد النحو ترفع كلمة صدقة على تقدير استقلال - ما تركناه صدقة - معنويا وتنصبها على التقدير الاخر. ومن الواضح أن الحركات الاعرابية لا تلحظ في التكلم عادة بالنسبة إلى الحرف الأخير من حروف الجملة للوقوف عليه المجوز لتسكينه.

11 - وإذن فقد وضعنا بين يدي الحديث عدة من المعاني في سبيل البحث عن مدلوله. وليس من الإسراف في القول أن نقرر أن تفسير الحديث بما يدل على أن أموال النبي صلى الله عليه وآله وسلم تكون صدقة بعد موته، لا يرجح على المعنيين الآخرين، بل قد نتبين لونا من الرجحان للمعنى الثاني -وهو أن المتروك صدقة لا يورث- دون سائر التركة إذا تأملنا ضمير الجمع في الحديث، وهو النون، وهضمنا دلالته كما يجب لأن استعماله في شخصه الكريم خاصة لا يصح إلا على سبيل المجاز، ثم هو بعد ذلك بعيد كل البعد عن تواضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله وفعله. فالظواهر تجمع على أن النون قد استعملت في جماعة، وإن الحكم الذي تقرره العبارة ثابت لها وليس مختصا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأوفق بأصول التعبير أن تكون الجماعة جماعة المسلمين لا الأنبياء، لأن الحديث مجرد عن قرينة تعين هؤلاء، ولم يسبق بعهد يدل عليهم. وليس لك أن تعترض بأن صيغة الحديث يجوز أنها كانت مقترنة حال صدورها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقرينة أو مسبوقة بعهد يدل على أن مراده من الضمير جماعة الأنبياء، لأن اللازم أن تعتبر عدم ذكر الخليفة لشئ من ذلك -مع أن الراوي لحديث لا بد له من نقل سائر ما يتصل به مما يصلح لتفسيره- دليلا على سقوط هذا الاعتراض. وأضف إلى هذا أن إغفال ذلك لم يكن من صالحه، وإذن فليكن الواقع اللفظي للحديث هو الواقع المأثور عن الخليفة بحدوده الخاصة بلا زيادة ولا نقيضة.

والمفهوم من الضمير حينئذ جماعة المسلمين لحضورهم ذاتا عند صدور العبارة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقد جرت عادة المتكلمين على أنهم إذا أوردوا جملة في مجتمع من الناس، وأدرجوا فيها ضمير المتكلم الموضوع للجماعة، أن يريدوا بالضمير الجماعة الحاضرة. فلو أن شخصا من العلماء اجتمع عنده جماعة من أصدقائه، وأخذ يحدثهم وهو يعبر بضمير المتكلم الموضوع للجمع بلا سبق ذكر العلماء، لفهم من الضمير أن المتكلم يعني بالجماعة نفسه مع أصدقائه الحاضرين لا معشر العلماء الذين يندرج فيهم، ولو أراد جماعة غير أولئك الحاضرين لم يكن مبينا بل ملغزا. وتعليقا على هذا التقدير ماذا تراه يكون هذا الحكم الذي أثبته الحديث للمسلمين - الذين قد عرفنا أن الضمير يدل عليهم - هل يجوز أن يكون عبارة عن عدم توريث المسلم لتركته؟ أو أن الأموال التي عند كل مسلم ليست ملكا له وإنما هي من الصدقات؟ كلا! فإن هذا لا يتفق مع الضروري من تشريع الإسلام، لأن المسلم في عرف القرآن يملك بألوان متعددة من أسباب الملك عند الناس، ويورث ما يتركه من أموال (بعد وصية يوصي بها أو دين). وأنت ترى معي الان بوضوح أن الحكم ليس إلا أن الصدقة لا تورث، فإن هذا أمر عام لا يختص بصدقة دون صدقة بل يطرد في سائر صدقات المسلمين. ولا غرابة في بيان الحكم بعدم توريث الصدقات في صدر زمان التشريع مع وضوحه الان، لأن قواعد الشريعة وأحكامها لم تكن قد تقررت واشتهرت بين المسلمين فكان لاحتمال انفساخ الصدقات والأوقاف بموت المالك ورجوعها إلى الورثة متسع.

ولا يضعضع قيمة هذا التفسير عدم ذكر الزهراء له واعتراضها به على الخليفة.

أما أولا: فلأن الموقف الحرج الذي وقفته الزهراء في ساعتها الشديدة لم يكن ليتسع لمثل تلك المناقشات الدقيقة، حيث أن السلطة الحاكمة التي كانت تريد تنفيذ قراراتها بصورة حاسمة قد سيطرت على الموقف بصرامة وعزم لا يقبلان جدالا، ولذا نرى الخليفة لا يزيد في جواب استدلال خصمه بآيات ميراث الأنبياء على الدعوى الصارمة إذ يقول: (هكذا هو) - كما في طبقات ابن سعد * - فلم يكن مصير هذه المناقشات لو قدر لها أن تساهم في ا لثورة بنصيب إلا الرد والفشل.

وأما ثانيا: فلأن هذه المناقشات لم تكن تتصل بهدف الزهراء وغرضها الذي كان يتلخص في القضاء على جهاز الخلافة الجديدة كلها، فمن الطبيعي أن تقتصر على الأساليب التي هي أقرب إلى تحقيق ذلك الغرض، فتراها مثلا في خطابها الخالد خاطبت عقول الناس وقلوبهم معا، ولكنها لم تتجاوز في احتجاجها الوجوه البديهية التي كان من القريب أن يستنكر اغضاء الخليفة عنها كل أحد، ويجر ذلك الاستنكار إلى معارضة حامية.

فقد نفت وجود سند لحكم الخليفة من الكتاب الكريم، ثم ذكرت ما يخالفه من الآيات العامة المشرعة للتوارث بين سائر المسلمين، والآيات الخاصة الدالة على توريث بعض الأنبياء كيحيى وداود عليهما السلام، ثم عرضت المسألة على وجه آخر وهو: إن ما حكم به الخليفة لو كان حقا للزم أن يكون أعلم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصيه، لأنهما لم يخبراها بالخبر مع أنهما لو كانا على علم به لأخبراها به، ومن الواضح أن الصديق لا يمكن أن يكون أعلم بحكم التركة النبوية من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو علي الذي ثبتت وصايته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك في قولها:

"يا ابن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا! أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول: (وورث سليمان داود) وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا: (فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب) وقال: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) أفخصكم الله بآية أخرج منها أبي؟ أم هل تقولون: أهل ملتين لا يتوارثان؟! أو لست أنا وأبي من أهل ملة واحدة؟ أن أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟!"

وكانت أبرز الناحيتين في ثورتها الناحية العاطفية. وليس من العجيب أن تصرف الزهراء أكثر جهودها في كسب معركة القلب، فإنه السلطان الأول على النفس، والمهد الطبيعي الذي تترعرع فيه ر و ح الثورة.

قد نجحت الحوراء في تلوين صورة فنية رائعة تهز المشاعر، وتكهرب العواطف، وتهيمن على القلوب، كانت هي أفضل سلاح تتسلح به امرأة في ظروف كظروف الزهراء.

ولأجل أن نستمتع بالجمال الفني في تلك الصورة الملونة بأروع الألوان، لا بأس بأن نستمع إلى الصديقة حين خاطبت الأنصار بقولها:

"يا معشر البقية، وأعضاد الملة، وحضنة الإسلام، ما هذه الفترة عن نصرتي؟ والونية عن معونتي؟ والغمزة في حقي؟ والسنة عن ظلامتي؟ أما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (المرء يحفظ في ولده)؟! سرعان ما أحدثتم، وعجلان ما أتيتم، ألأن مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمتم دينه؟! ها إن موته لعمري خطب جليل، استوسع وهنه، واستبهم فتقه، وفقد راتقه، وأظلمت الأرض له، خشعت الجبال، وأكدت الآمال. أضيع بعده الحريم، وهتكت الحرمة، وأذيلت المصونة، وتلك نازلة أعلن بها كتاب الله قبل موته، وأنبأكم بها قيل وفاته، فقال: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) إيها بني قيلة! اهتضم تراث أبي وأنتم بمرأى ومسمع تبلغكم الدعوة، ويشملكم الصوت، وفيكم العدة والعدد، ولكم الدار والجنن، وأنتم نخبة الله التي انتخب وخيرته التي اختار... الخ".

وإذن فلم تكن المناقشات في تفسير الحديث وتأويله مما تهضمها السلطات الحاكمة، ولا هي على علاقة بالغرض الرئيسي للثائرة من ثورتها. وهذا يفسر لنا عدم تعرضها للنحلة في خطابها أيضا.

 

موقف الخليفة من مسألة الميراث

1 - يجب الان توضيح موقف الخليفة تجاه الزهراء في مسألة الميراث وتحديد رأيه فيها - بعد أن أوضحنا حظ الصيغ السابقة من وضوح المعنى وخفائه - وهو موقف لا يخلو من تعقيد إذا تعمقنا شيئا ما في درس المستندات التاريخية للقضية. ومع أن المستندات كثيرة فإنها مسألة محيرة أن نعرف ماذا عسى أن تكون النقطة التي اختلف فيها المتنازعان، ومن الصعوبة توحيد هذه النقطة.

والناس يرون أن مثار الخلاف بين أبي بكر والزهراء هو مسألة توريث الأنبياء، فكانت الصديقة تدعي توريثهم، والخليفة ينكر ذلك. وتقدير الموقف على هذا الشكل لا يحل المسألة حلا نهائيا ولا يفسر عدة أمور:

(الأول) قول الخليفة لفاطمة في محاورة له معها - وقد طالبته بفدك -: إن هذا المال لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما كان مالا من أموال المسلمين يحمل النبي به الرجال وينفقه في سبيل الله، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليته كما كان يليه. فإن هذا الكلام يدل بوضوح على أنه كان يناقش في أمر آخر غير توريث الأنبياء.

(الثاني) قوله لفاطمة في محاورة أخرى: (أبوك والله خير مني وأنت والله خير من بناتي وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا نورث ما تركناه صدقة. يعني هذه الأموال القائمة، وهذه الجملة التفسيرية التي ألحقها الخليفة بالحديث تحتاج إلى عناية، فإنها تفيدنا أن الخليفة كان يرى أن الحكم الذي تدل عليه عبارة الحديث مختص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس ثابتا لتركة سائر الأنبياء ولا لتركة سائر المسلمين جميعا، فحدد التركة التي لا تورث بالأموال القائمة، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعنيها هي بالحديث. وعلى هذا التحديد نفهم أن المفهوم للخليفة من الحديث ليس هو عدم توريث الصدقات، لأن هذا الحكم عام، ولا اختصاص له بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلا يجوز أن يحدد موضوعه بالأموال القائمة بل كان اللازم حينئذ أن يأتي الخليفة بجملة تطبيقية بأن يقول: إن الأموال القائمة مما ينطبق عليها الحديث.

كما يتضح لدينا أن الخليفة لم يكن يفسر الحديث بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تورث تركته وأملاكه التي يخلفها، بل تصبح صدقة بعد موته، لأنه لو كان يذهب هذا المذهب في فهم الحديث لجاء التفسير في كلامه على أسلوب آخر، لأن المقصود من موضوع الحديث حينئذ تركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الإطلاق ولا يعني الأموال القائمة التي كانت تطالب بها الزهراء خاصة. وأعني بذلك أن هذه الأموال الخاصة لو كانت قد خرجت عن ملك النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل وفاته، لم يكن الحكم بعدم التوريث ثابتا لها كما أن غيرها من الأحوال لو حصل (للنبي) لما ورثها آله أيضا. فعدم توريث التركة النبوية إن ثبت فهو امتياز لكل ما يخلفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أملاك سواء أكانت هذه التي خلفها أو غيرها. ولا يصح أن يقال: إنه عنى بالتركة الأموال القائمة التي كانت تطالب بها الزهراء.

ونظير ذلك قولك لصاحبك: أكرم كل من يزورك الليلة، ثم يزوره شخصان فإنك لم تعن بكلامك هذين الشخصين خاصة، وإنما انطبق عليهما الأمر دون غير هما على سبيل الصدفة. وعلى أسلوب أوضح، إن تفسير التركة التي لا تورث بأموال معينة - وهي الأموال القائمة - يقضي بأن الحكم المدلول عليه بالحديث مختص - عند المفسر - بهذه الأموال المحدودة.

ولا ريب أن تركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو كانت لا تورث لما اختص الحكم بالأموال المعينة المتروكة بالفعل، بل لثبت لكل يتركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن لم يكن من تلك الأموال. وأيضا فمن حق البحث أن أتساءل عن فائدة الجملة التفسيرية، والغرض المقصود من ورائها فيما إذا كان الحكم المفهوم للخليفة من الحديث أن أملاك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تورث، فهل كان صدق التركة على الأموال القائمة مشكوكا، فأراد أن يرفع الشك لينطبق عليها الحديث، ويثبت لها الحكم بعدم التوريث؟ وإذا صح هذا التقدير فالشك المذكور في صالح الخليفة لأن المال إذا لم يتضح أنه من تركة الميت لا ينتقل إلى ا لورثة، فلا يجوز أن يكون الخليفة قد حاول رفع هذا الشك، ولا يمكن أن يكون قد قصد بهذا التطبيق منع الزهراء من المناقشة في انطباق الحديث على ما تطالب به من أموال، لأنها ما دامت قد طالبت بالأموال القائمة على وجه الإرث فهي تعترف بأنها من تركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولنفترض أن الأموال القائمة قسم من التركة النبوية وليس المقصود منها مخلفات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جميعا - ولعلها عبارة عن الأموال والعقارات الثابتة نحو فدك - فهل يجوز لنا تقدير أن غرض الخليفة من الجملة تخصيص الأموال التي لا تورث بها؟ لا أظن ذلك، لأن أملاك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تختلف في التوريث وعدمه. ونخرج من هذه التأملات بنتيجة وهي أن ا لمفهوم من الحديث للخليفة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر عن عدم تملكه للأموال القائمة، وأشار إليها بوصف التركة فقال: (ما تركناه صدقة)، فشأنه شأن من يجمع ورثته ثم يقول لهم: إن كل تركتي صدقة، يحاول بذلك أن يخبرهم بأنها ليست ملكا له ليرثوها بعده لأن ذلك هو المعنى الذي يمكن أن يختص بالأموال القائمة ويحدد موضوعه بها:

(الثالث) جواب الخليفة لرسول أرسلته فاطمة ليطالب بما كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، إذ قال له: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا نورث ما تركناه صدقة إنما يأكل آل محمد من هذا المال، وإني والله لا أغير شيئا من صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فإننا إذا افترضنا أن معنى الحديث في رأي الخليفة عدم توريث النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأملاكه، كان كلامه متناقضا، لأن استدلاله بالحديث في صدر كلامه يدل حينئذ على أنه يعترف بأن ما تطالب به الزهراء هو من تركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأملاكه التي مات عنها - ليصح انطباق الحديث عليه - والجملة الأخيرة من كلامه وهي قوله: (وإني والله لا أغير شيئا من صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)، تعاكس هذا المعنى، لأن ما طلبت الزهراء تغييره عن أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم - بزعم الخليفة - هو فدك وعقاراته في المدينة، وما بقي من خمس خيبر. فأبو بكر حين يقول: إني والله لا أغير شيئا من صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يعني بها تلك الأموال التي طالبت بها الزهراء، ورأي معنى مطالبتها بها تغييرها عن حالها السابقة، ومعنى تسميته لها بصدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن من رأيه أنها ليست ملكا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بل صدقاته التي كان يتولاها في حياته. ويوضح لنا هذا أن استدلاله بالحديث في صدر كلامه لم يكن لإثبات أن أملاك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تورث وإنما أراد بذلك توضيح أن الأموال القائمة ليست من أملاك النبي، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم ذكر أنها صدقة.

2 - ونستطيع أن نتبين من بعض روايات الموضوع أن الخليفة ناقش في توريث الأنبياء لأملاكهم ولم يقصر النزاع على الناحية السابقة، فإن الرواية التي تحدثنا بخطبة الزهراء واستدلال أبي بكر بما رواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حديث: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث... الخ) واعتراض الزهراء عليه بالآيات العامة المشرعة للميراث والآيات الخاصة الدالة على توريث بعض الأنبياء تكشف عن جانب جديد من المنازعة إذ ينكر أبو بكر توريث النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمواله، ويستند إلى الحديث في ذلك، ويلح في الإنكار كما تلح فاطمة في مناقشته والتشبث بوجهة نظرها في المسألة.

3 - وإذن فللخليفة حديثان:

(الأول) لا نورث ما تركناه صدقة.

(الثاني) إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة. وقد ادعى أمرين:

أحدهما: إن فدك صدقة فلا تورث.

والآخر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تورث أملاكه. واستدل بالحديث الأول على أن فدك صدقة وبالحديث الثاني على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يورث.

 

نتائج المناقشة

1 - قد لا يكون من العسير تصفية الحساب مع الخليفة بعد أن اتضح موقفه، وتقررت الملاحظات التي لاحظناها في الحديثين اللذين رواهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وتتلخص المؤاخذة التي آخذناه بها حتى الان في عدة أمور نشير إليها لنجمع نتائج ما سبق:

(الأول) أن الخليفة لم يصدق روايته في بعض الأحايين كما ألمحنا في مستهل هذا الفصل...

(الثاني) أن من الإسراف في الاحتمال أن نجوز إسرار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الخليفة بحكم تركته وإخفاءه عن بضعته وسائر ورثته. وكيف اختص بالخليفة دون غيره بمعرفة الحكم المذكور؟ مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن من عادته الاجتماع بأبي بكر وحده إلا بأن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اخبره بالخبر في خلوة متعمدة ليبقى الأمر مجهولا لدى ورثته وبضعته ويضيف بذلك إلى آلامها من ورائه محنة جديدة.

(الثالث) أن عليا هو وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا ريب، للحديث الدال على ذلك الذي ارتفع به رواته إلى درجة التواتر واليقين حتى شاع في شعر أكابر الصحابة فضلا عن رواياتهم كعبد الله بن عباس وخزيمة بن ثابت الأنصاري وحجر بن عدي وأبي الهيثم بن التيهان وعبد الله بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب وحسان بن ثابت وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب. وإذن فالوصاية من الأوسمة الإسلامية الرفيعة التي اختص بها الأمام بلا ريب. وقد اختلف شيعة علي وشيعة أبي بكر في معنى هذه الوصاية فذهب السابقون الأولون إلى أنها بمعنى النص عليه بالخلافة، وتأولها الآخرون فقالوا: إن عليا وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على علمه أو شريعته أو مختصاته. ولا نريد الان الاعتراض على هؤلاء أو تأييد أولئك، وإنما نتكلم على الحديث بمقدار ما يتطلبه اتصاله بموضوع هذا البحث ونقرر النتيجة التي يقضي بها على كل من تلك التفاسير.

فنفترض أولا: إن الوصاية بمعنى الخلافة، ثم نتبين الصديق على هدى الحديث. فإنا سوف نراه شخصا سارقا لأنفس المعنويات الإسلامية، ومتصرفا في مقدرات الأمة بلا سلطان شرعي. ولا مجال لهذا الشخص حينئذ أن يحكم بين الناس، ولا يسعنا أن نؤمن له بحديث. ولنترك هذا التفسير ما دام شديد القسوة على صاحبنا ونقول: إن عليا وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على علمه وشريعته، فهل يسعنا مع الاعتراف بهذه الوصاية المقدسة أن نؤمن بحديث ينكره الوصي؟! وما دام هو العين الساهرة على شريعة السماء، فلا بد أن يؤخذ رأيه في كل مسألة نصا لا مناقشة فيه، لأنه أدرى بما أوصاه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وائتمنه عليه. وخذ إليك بعد ذلك الأسلوب الثالث، فإنه ينتهي إلى النتيجة السابقة عينها لأن عليا إذا كان وصيا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على تركته ومختصاته، فلا معنى لسطو الخليفة على التركة النبوية ووصي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليها موجود وهو أعرف بحكمها ومصيرها الشرعي.

(الرابع) أن تأميم التركة النبوية من أوليات الخليفة في التاريخ، ولم يؤثر في تواريخ الأمم السابقة ذلك، ولو كان قاعدة متبعة قد جرى عليها الخلفاء بالنسبة إلى تركة سائر الأنبياء لاشتهر الأمر، وعرفته أمم الأنبياء جميعا.

كما أن إنكار الخليفة لملكية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفدك - كما تدل عليه بعض المحاورات السابقة - كان فيه من التسرع شيء كثير، لأن فدك مما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، بل استسلم أهلها خوفا ورعبا باتفاق أعلام المؤرخين من السنة والشيعة. وكل أرض يستسلم أهلها على هذا الأسلوب فهي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خالصة. وقد أشار الله تعالى في الكتاب الكريم إلى أن فدك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب). ولم يثبت تصدق النبي بها ووقفه لها.

(الخامس) إن الحديثين اللذين استدل بهما في الموضوع لا يقوم منهما دليل على ما أراد، وقد خرجنا من دراستهما قريبا بمعنى لكل منهما لا يتصل بمذهب ا لخليفة عن قرب أو بعد. وإن أبيت فلتكن المعاني الانفة الذكر متكافئة، ولتكن العبارة ذات تقادير متساوية، ولا يجوز حينئذ ترجيح معنى لها والاستدلال بها عليه.

2 - هذه هي الاعتراضات التي انتهينا إليها أنفا. ونضيف إليها الان اعتراضا سادسا بعد أن نفترض أن جملة (إنا معاشر الأنبياء لو نورث) أقرب إلى نفي الحكم بالميراث منها إلى نفي التركة الموروثة، ونقدر لجملة: (لا نورث ما تركناه صدقة) من المعنى ما ينفع الخليفة، ونلغي تفسيرها بأن الصدقة المتروكة لا تورث، ثم ندرس المسألة على ضوء هذه التقادير. وهذا الاعتراض الجديد هو أن اللازم - في العرف العلمي - متى صحت هذه الفروض تأويل الخبر، ولم يجز الركون إلى أوضح معانيه، لأنه يقرر حينئذ عدم توريث سائر الأنبياء لتركاتهم، لما جاء في بعضها من التصريح بالتعميم نحو إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ولما يدل عليه بالنون في قوله: لا نورث ما تركناه صدقة، من تعليق الحكم على جماعة. وحيث يتضح أن الحكم في الحديث عدم توريث التركة، يتجلى أن المراد بالجماعة جماعة الأنبياء، إذ لا توجد جماعة أخرى نحتمل عدم انتقال تركاتها إلى الورثة. وقد دل صريح القرآن الكريم على توريث بعض الأنبياء، إذ قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم مخبرا عن زكريا عليه السلام: (وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا). والأرث في الآية بمعنى إرث المال، لأنه هو الذي ينتقل حقيقة من الموروث إلى الوارث، وأما العلم والنبوة فلا ينتقلان انتقالا حقيقيا، وامتناع انتقال العلم على نظرية اتحاد العاقل والمعقول واضح كل الوضوح. وأما إذا اعترفنا بالمغايرة الوجودية بينهما، فلا ريب في تجرد الصور العلمية وأنها قائمة بالنفس قياما صدوريا، بمعنى أنها معلولة للنفس والمعلول الواحد بحسب الذات - لا بمجرد الاتصال فقط - متقوم بعلته ومرتبط الهوية بها، فيستحيل انتقاله إلى علة أخرى. ولو افترضنا أن الصور المدركة أعراض وكيفيات قائمة بالمدرك قياما حلوليا، فيستحيل انتقالها لاستحالة انتقال العرض من موضوع إلى موضوع كما برهن عليه في الفلسفة سواء أقلنا بتجردها أو بماديتها بأن اعترافنا باشتمال الصور المدركة على الخصائص العامة للمادة من قابلية الانقسام ونحوها.

وإذن فالعلم يستحيل انتقاله في حكم المذاهب الفلسفية الدائرة حول الصور العلمية جميعا.

وإذا لاحظنا النبوة وجدنا أنها هي الأخرى أيضا مما لا يجوز في عرف العقل انتقالها سواء أذهبنا في تفسيرها مذهب بعض الفلاسفة وقلنا أنها مرتبة من مراتب الكمال النفسي، ودرجة من درجات الوجود الإنساني الفاضل الذي ترتفع إليه المهية الإنسانية في ارتقاءاتها الجوهرية وتصاعداتها نحو الكمال المطلق، أو أخذنا بالمعنى المفهوم للناس من الكلمة واعتبرنا النبوة منصبا إلهيا مجعولا لا كمنصب الملك والوزير، ويكون ذلك التكامل النفسي شرطا له، فالمفهوم الأول يمتنع انتقاله بالضرورة لأنه نفس وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكمالاته الذاتية، والنبوة بالمعنى الاخر يستحيل انتقالها أيضا لأنها حينئذ أمر اعتباري متشخص الأطراف ولا يعقل تبدل طرف من أطرافه إلا بتبدل نفسه وانقلابه إلى فرد آخر. فنبوة زكريا مثلا هي هذه التي اختص بها زكريا ولن يعقل ثبوتها لشخص آخر لأنها لا تكون حينئذ تلك النبوة الثابتة لزكريا بل منصبا جديدا أو مقاما نبويا حادثا.

والنظر الأولي في المسألة يقضي بامتناع انتقال العلم والنبوة من دون حاجة إلى هذا التعمق والتوسع. وإذن فالنتيجة التي يقررها العقل في شوطه الفكري القصير الذي لا يعسر على الخليفة مسايرته فيه هي أن المال وحده الذي ينتقل دون العلم والنبوة.

3 - وقد يعترض على تفسير الإرث في كلام زكريا بإرث المال بأن يحيى عليه السلام لم يرث مال أبيه لاستشهاده في حياته فيلزم تفسير الكلمة بإرث النبوة، لأن يحيى قد حصل عليها ويكون دعاء النبي حينئذ قد استجيب. ولكن هذا الاعتراض لا يختص بتفسير دون تفسير، لأن يحيى عليه السلام كما أنه لم يرث مال أبيه كذلك لم يخلفه في نبوته. وما ثبت له من النبوة لم يكن وراثيا وليس هو مطلوب زكريا وإنما سأل زكريا ربه وا رثا يرثه بعد موته ولذا قال: (وإني خفت الموالي من ورائي) أي بعد موتي، فإن كلامه يدل بوضوح على أنه أراد وارثا يخلفه ولم يرد نبيا يعاصره، وإلا لكان خوفه من الموالي بعد وفاته باقيا. فلا بد - على كل تقدير - أن نوضح الآية على أسلوب يسلم عن الاعتراض، وهو أن تكون جملة (يرثني ويرث من آل يعقوب)، جوابا للدعاء بمعنى إن رزقتني ولدا يرث، لا صفة ليكون زكريا قد سأل ربه وليا وارثا. فما طلبه النبي من ربه تحقق وهو الولد وتوريثه المال أو النبوة لم يكن داخلا في جملة ما سأل ربه وإنما كان لازما لما رجاه في معتقد زكريا عليه السلام.

ويختلف تقدير العبارة صفة عن تقديرها جوابا من النواحي اللفظية في الاعراب، لأن الفعل إذا كان صفة فهو مرفوع، وإذا كان جوابا يتعين جزمه. وقد ورد في قراءته كلا الوجهين.

وإذا لا حظنا قصة زكريا في موضعها القرآني الاخر وجدنا أنه لم يسأل ربه إلا ذرية طيبة، فقد قال تبارك وتعالى في سورة آل عمران: (هنالك دعا زكريا ربه قال رب هبب لي من لدنك ذرية طيبة).

وأفضل الأساليب في فهم القرآن ما كان منه مركزا على القرآن نفسه، وعلى هذا فنفهم من هذه الآية أن زكريا كان مقتصدا في دعائه ولم يطلب من ربه إلا ذرية طيبة، وقد جمع القرآن الكريم دعاء زكريا في جملة واحدة تارة وجعل لكل من الذرية ووصفها دعوة مستقلة في موضع آخر فكانت جملة هب لي من لدنك وليا طلبا للذرية، وجملة واجعله ربي رضيا دعوة بأن تكون الذرية طيبة. وإذا جمعنا هاتين الجملتين أدت نفس المعنى الذي تفيده عبارة هب لي من لدنك ذرية طيبة وتخرج كلمة (يرثني) بعد عملية المطابقة بين الصيغتين القرآنيتين عن حدود الدعاء، ولا بد حينئذ أن تكون جوابا له.

4 - وعلى ذلك يتضح أن كلمة الإرث في الآية الكريمة قد أعطيت حقها من الاستعمال وأريد بها إرث النبوة، لأن الشئ إنما يصح أن يقع جوابا للدعاء فيما إذا كان ملازما للمطلوب ومتحققا عند وجوده دائما أو في أكثر الأحايين. ووراثة النبوة ليست ملازمة لوجود الذرية إطلاقا، بل قد لا تتفق في مئات الملايين من الأشخاص لما يلزم في هذا المقام من كفاءة فذة وكمال عظيم، فلا يجوز أن توضع النبوة بجلالها الفريد جوابا لسؤال الله تعالى ذرية طيبة، لأن النسبة بين الذرية الإنسانية وبين الجديرين بتحمل أعباء الرسالة السماوية هي النسبة بين الآحاد والملايين. وأما وراثة المال فيمكن أن تكون جوابا لدعاء زكريا عليه السلام لأن الولد يبقى بعد أبيه عليه الأكثر فوراثته للمال مما يترتب على وجوده غالبا، وأضف إلى ذلك أن زكريا نفسه لم يكن يرى النبوة ملازمة لذريته بل ولا ما دونها من المراتب الروحية، ولذا سأل ربه بد ذلك بأن يجعل ولده رضيا.

5 - ولنترك هذا لندرس كلمة الإرث في الآية على ضوء تقدير الفعل صفة لا جوابا للدعاء. وفي رأيي أن هذا التقدير لا يضطرنا إلى الخروج بنتيجة جديدة، بل الإرث في كلمة (يرثني) هو إرث المال في الحالين معا بلا ريب. والذي يعين هذا المعنى للكلمة على التقدير الجديد أمران:

(الأول) أن زكريا عليه السلام لو كان قد طلب من ربه ولدا وارثا لنبوته لما طلب بعد ذلك أن يكون رضيا، لأنه دخل في دعوته الأولى ما هو أرفع من الرضا.

(الثاني) أن إغفال الإرث بالمرة في قصة زكريا الواردة في سورة آل عمران إن لم يد ل على أن الإرث خارج عن حدود الدعاء، فهو في الأقل يوضح أن معنى الإرث في الموضع القرآني الاخر للقصة إرث المال لا إرث النبوة، لأن زكريا لو كان قد سأل ربه أمرين: أحدهما أن يكون ولده طيبا رضيا، والاخر أن يرث نبوته، لما اقتصر القرآن الكريم على ذلك الوصف الأول الذي طلبه زكريا عليه السلام فإنه ليس شيئا مذكورا بالإضافة إلى النبوة. ولكي تتفق معي على هذا لاحظ نفسك فيما إذا سألك سائل بستانا ودرهما فأعطيته الأمرين معا. ثم أردت أن تنقل القصة وتخص الدرهم بالذكر، لا أراك تفعل ذلك إلا إذا كنت كثير التواضع. ورجحان البستان على الدراهم في حساب القيم المادية هو دون امتياز النبوة على طيب الذرية في موازين المعنويات الروحية. وإذن فقصة زكريا التي جاءت في سورة آل عمران، ولم يذكر فيها عن الإرث كثير أو قليل، دليل على أن الإرث المذكور في الصورة الأخرى للقصة بمعنى إرث المال لاإر ث النبوة، وإلا لكان من أبرز عناصر القصة التي لا يمكن إغفالها.

6 - ولاحظ بعض الباحثين في الآية الكريمة نقطتين تفسران الإرث فيها بإرث النبوة:

(الأولى) قول زكريا عاطفا على كلمة (يرثني): -(ويرث من آل يعقوب)- فإن يحيى لا يرث أموال آل يعقوب، وإنما يرث منهم النبوة والحكمة.

(الثانية) ما قدمه النبي تمهيدا لدعائه من قوله: وإني خفت الموالي من روائي، حيث أن خوفه إنما كان سبب الاشفاق على معالم الدين، والرغبة في بقائها باستمرار النبوة، لأن هذا هو اللائق بمقام الأنبياء دون الحرص على الأموال، والخوف من وصولها إلى بعض الورثة.

واعترض أصحابنا على النقطة الأولى، بأن زكريا عليه السلام لم يسأل ربه أن يرث ولده أموال آل يعقوب جميعا، وإنما أراد أن يرث منها، فلا يكون دليلا على التفسير المزعوم.

وأما النقطة الثانية فهي من القرائن على التفسير الذي اخترناه، لأن الخوف على الدين والعلم من أبناء العم لا معنى له، لأن اللطف الإلهي لا يترك الناس سدى بلا حجة بالغة. فمعالم الدين، وكلمة السماء محفوظة بالرعاية الإلهية، والنبوة مخوصة أبدا بالأقلين من نوابغ البشر لا يخشى عليها من السطو والنهب. وإذ ن فماذا كان يحسب زكريا ربه صانعا لو لم يمن عليه بيحيى؟ أكان يحتمل أن يكلف برسالته مواليه؟ أعني بني عمومته مع عدم كفاءتهم للقيام بواجب الرسالة الإلهية وعدم جدارتهم بهذا الشرف؟! أو كان يرى أن الله تعالى يهمل أمر خلقه ليكون لهم الحجة عليه؟ ليس هذا ولا ذاك مما يجوزه نبي، وإنما خاف زكريا من بني أعمامه على أمواله فطلب من الله ولدا رضيا يرثها. ولا جناح عليه في ذلك، إذ يحتمل أن تكون رغبته في صرف أمواله عن بني عمومته بسبب أنها لو آلت إليهم لوضعوها في غير مواضعها، وأنفقوها في المعاصي وألوان الفساد لما كان يلوح عليهم من علامات الشر وإمارات السوء حتى قيل أنهم شرار بني إسرائيل. وقد حاول ابن أبي الحديد أن يصور وجها لخوف زكريا من الموالي على الدين من ناحيتين: - (الأولى) عن طريق أصول الشيعة، فذكر أن دعوى امتناع مثل هذا الخوف على النبي غير مستقيم على مذهب الشيعة لأن المكلفين قد حرموا بغيبة الأمام عندهم ألطافا كثيرة الوصلة بالشرعيات كالحدود وصلاة الجمعة والأعياد، وهم يقولون في ذلك أن اللوم على المكلفين لأنهم قد حرموا أنفسهم اللطف، فهلا جاز أن يخاف زكريا عليه السلام من تبديل لدين وتغييره وإفساد الأحكام الشرعية لأنه إنما يجب على الله التبليغ بالرسول إلى المكلفين، فإذا أفسدوا هم الأديان وبدلوها لم يجب عليه أن يحفظها عليهم لأنهم هم الذين حرموا أنفسهم اللطف. ولأسجل ملاحظتي على هذا الكلام ثم أنتقل بك إلى الناحية الثانية. فأقول: إن الخوف من انقطاع النبوة إنما يصح على أصول الشيعة إذا نشأ عن احتمال إفساد الناس لدينهم على نحو لا يستحقون معه ذلك، كما هو الحال في زمان غيبة الأمام المنتظر صلوات الله عليه، لا فيما إذا كان سببه الاطلاع على عدم لياقة جماعة خاصة للنبوة مع استحقاق الناس لها. فإن إرسال الرسول، أو نصب من يقوم مقامه واجب في هذه الصورة على الله تعالى لما أوجبه على نفسه من اللطف بعباده. وإذن فقصور أبناء العمومة عن نيل المنصب الإلهي لا يجوز أن ينتهي بزكريا إلى احتمال انقطاع النبوة وانطماس معالم الدين إذا كان الناس مستحقين للألطاف الإلهية. وإذا لم يكونوا جديرين بها فمن الممكن انقطاع الاتصال بين السماء والأرض سواء أكان بنو العمومة صالحين أو لا، وسواء من الله عليه بذرية أو بقي عقيما. والآية الكريمة تدل على أن الباعث إلى الخوف في نفس زكريا إنما هو فساد الموالي لا فسا د الناس. (الثانية) عن طريق تفسير الموالي بالأمراء، بمعنى أن زكريا خاف أن يلي بعد موته ا مراء ورؤساء يفسدون شيئا من الدين، فطلب من الله ولدا ينعم عليه بالنبوة والعلم ليبقى الدين محفوظا. ولنا أن نتساءل عما إذا كان هؤلاء الرؤساء الذين أشفق على الدين منهم، هم الأنبياء الذين يخلفونه أو أنهم أصحاب السلطان الزمني والحكم المنفصل عن السماء؟ ولا خوف منهم على التقدير الأول إطلاقا لأنهم أنبياء معصومون. وأما إذا كانوا ملوكا فقد يخشى منهم على الدين. ولكن ينبغي أن نلاحظ أن وجود النبي حينئذ هل يمنعهم عن التلاعب في الشريعة والاستخفاف بالدستور الإلهي أو لا؟ فإن كان كافيا لوقاية الشريعة وصون كرامتها فلماذا خاف زكريا من أولئك الامراء ما دامت الألطاف الإلهية قد ضمنت للنبوة الامتداد في تاريخ الإنسانية الواعية وخلود الاتصال بين الأرض والسماء ما بقيت الأرض أهلا للتثقيف السماوي؟ وإن لم يكن وجود النبي كافيا للحراسة المطلوبة فلا يرتفع الخوف من الحاكمين بوجود ولد لزكريا يرث عنه النبوة ما دام النبي قاصرا عن مقاومة القوة الحاكمة، وما دام الامراء من الطراز المغشوش، مع أن الآية تدل على أن زكريا كان يرى أن خوفه يرتفع فيما إذا من الله عليه بولد رضي يرثه. ونتيجة هذا البحث أن الإرث في الآية هو إرث المال بلا ريب. وإذن فبعض الأنبياء يورثون وحديث الخليفة يقضي بأن الجميع لا يورثون. فالآية والرواية متعاكستان وكل ما عارض الكتاب الكريم فهو ساقط.

ولا يجوز أن نستثني زكريا خاصة من سائر الأنبياء، لأن حديث الخليفة لا يقبل هذا ا لاستثناء وهذا التفريق بين زكريا عليه السلام وغيره. والنبوة إن اقتضت عدم التوريث فالأنبياء كلهم لا يورثون. ولا نحتمل أن يكون لنبوة زكريا عليه السلام خاصية جعلته يورث دون سائر الأنبياء. وما هو ذنب زكريا عليه السلام، أو ما هو فضله الذي يسجل له هذا الامتياز؟ أضف إلى ذلك أن تخصيص كلمة الأنبياء الواردة في الحديث والخروج بها عما تستحقه من وضع لا ضرورة له بعد أن كان الحديث كما أوضحناه سابقا، فهو تفسير على كل حال، فلماذا نفسر الحديث بأن تركة النبي لا تورث لنضطر إلى أن نقول بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعني بالأنبياء غير زكريا عليه السلام؟ بل لنأخذ بالتفسير الاخر ونفهم من الحديث أن الأنبياء ليس لهم من نفائس الدنيا ما يورثونه ونحفظ للفظ العام حقيقته.

ونعرف مما سبق أن صيغة الحديث لو كانت صريحة في ما أراده الخليفة لها من المعاني، لنا قضت القرآن الكريم، ومصيرها الاهمال حينئذ. وليس في المسألة سبيل إلى اعتبار الحديث مدركا قانونيا في موضوع التوريث، ولذا لم يتفطن الصديق إلى جواب يدفع به اعتراض خصمه عليه بالآية الانفة الذكر، ولم يوفق أوحد من أصحابه إلى الدفاع عن موقفه. وليس ذلك إلا لأنهم أحسوا بوضوح أن الحديث يناقض الآية بمعناه الذي يبرر موقف الحاكمين.

ولا يمكن أن نعتذر عن الخليفة بأنه يجوز اختيار أحد النصين المتناقضين وتنفيذه كما يرتئيه جماعة من علماء الإسلام، وقد اختار أن ينفذ مدلول الحديث، وذلك لأن المعارض للقرآن باطل بلا ريب لأنه الحق، وهل بعد الحق إلا الضلال؟؟

 

مسألة النحلة

الناحية الثانية: المناقشة التي قامت بين الخليفة والصديقة حول نحلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إياها فدك، فقد ادعت الصديقة النحلة وشهد بذلك قرينها وأم أيمن فلم يقبل الخليفة دعواها، ولم يكتف بشاهديها، وطالبها بينة كاملة وهي رجلان أو رجل وامرأتان.

1 - والنقطة الأولى التي نؤاخذ الصديق عليها هي وقوفه موقف الحاكم في المسألة مع أن خلافته لم تكتسب لونا شرعيا إلى ذلك الحين على أقل تقدير. ولكننا لا نريد الان أن نضع هذه المؤاخذة قيد الدرس، لأن المناقشة على هذا الشكل تبعثنا إلى آفاق واسعة من البحث وتضطرنا إلى نسف الحجر الأساسي لدنيا السياسة في الإسلام، وهي عملية لها حساب طويل.

2 - والملاحظة الثانية في الموضوع هي أن فدك إذا كانت في حيازة الزهراء عليها السلام فلا حاجة لها إلى البينة وفي هذه الملاحظة أمران:

(أولا) من هو الذي كانت فدك في حيازته؟ وهل كانت في يد الزهراء حقا؟ قد يمكن أ ن نفهم ذلك من قول أمير المؤمنين في رسالته الخالدة إلى عثمان بن حنيف: بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء. فشحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين. فإن المفهوم من كلمة أيدينا أن فدك كانت في أيدي أهل البيت وقد نصت على ذلك روايات الشيعة.

وحصر ما كان في تلك الأيدي التي عناها الأمام بفدك يدل على أنها كانت في حيازة علي وزوجه خاصة، ويمنع عن تفسير العبارة بأن فدك كانت في يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باعتبار أن حيازته حيازة أهل البيت، لأننا نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت في يده أشياء أخرى غير فدك من مختصاته وأملاكه.

(وثانيا) هل الحيازة دليل على الملكية؟ والجواب الإيجابي عن هذه المسألة مما أجمع عليه المسلمون، ولولا اعتبارها كذلك لاختل النظام الاجتماعي للحياة الإنسانية.

وقد يعترض على دعوى أن فدك كانت في يد الزهراء بأنها لم تحتج بذلك، ولو كانت في يدها لكفاها عن دعوى النحلة والاستدلال بآيات الميراث، وفي المستندات الشيعية للقضية جواب عن هذا الاعتراض لأنها تنقل احتجاج أهل البيت بذلك على الخليفة، غير أننا لا نريد دراسة المسألة على ضوء شيء منها.

ولكن ينبغي أن نلاحظ أن فدك كانت أرضا مترامية الأطراف وليس شأنها شأن التوافه من الأملاك والمختصات الصغيرة التي تتضح حيازة مالكها لها بأدنى ملاحظة. فإذا افترضنا أن فدك كانت في يد فاطمة يتعهدها وكيلها الذي يقوم بزراعتها، فمن يجب أن يعرف ذلك من الناس غير الوكيل؟!

ونحن نعلم أن فدك لم تكن قريبة من المدينة ليطلع أهلها على شؤونها، ويعرفوا من يتولاها، فقد كانت تبعد عنها بأيام، كما أنها قرية يهودية، وليست في محيط إسلامي لتكون حيازة فاطمة لها معروفة بين جماعة المسلمين.

فماذا كان يمنع الزهراء عن الاعتقاد بأن الخليفة سوف يطالبها بالبينة على أن فدك في يدها إذا ادعت ذلك كما طالبها على النحلة ما دام - في نظرها - مسيرا في الموقف بقوة طاغية من هواه لا تجعله يعترف بشيء؟

وكان من السهل في ذلك اليوم أن تبتلع الحوت وكيل فاطمة على فدك أو أي شخص له اطلاع على حقيقة الأمر كما ابتلعت أبا سعيد الخدري فلم يرو النحلة. وقد حدث بها بعد ذلك كما ورد في طريق الفريقين، أو أن تقتله الجن كما قتلت سعد بن عبادة وأراحت الفاروق، أو أن يتهم بالردة لأنه امتنع عن تسليم صدقة المسلمين للخليفة كما اتهم مانعوا الزكاة والرافضون لتسليمها له.

3 - ولنترك هذه المناقشة لنصل إلى المسألة الأساسية وهي: أن الخليفة هل كان يعتقد بعصمة الزهراء ويؤمن بآية التطهير التي نفت الرجس عن جماعة منهم فاطمة أو لا؟!

ونحن لا نريد أن نتوسع في الكلام على العصمة وإثباتها للصديقة بآية التطهير لأن موسوعات الأمامية في فضائل أهل البيت تكفينا هذه المهمة. ولا نشك في أن الخليفة كان على علم بذلك لأن السيدة عائشة نفسها كانت تحدث بنزول آية التطهير في فاطمة وقرينها وولديها، وقد صرحت بذلك صحاح الشيعة والسنة. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلما خرج إلى الفجر بعد نزول الآية يمر ببيت فاطمة ويقول الصلاة يا أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، وقد استمر على هذا ستة أشهر.

وإذن فلماذا طلب الخليفة بينة من فاطمة على دعواها؟ وهل تحتاج الدعوى المعلوم صدقها إلى بينة؟

قال المعترضون على أبي بكر: إن البينة إنما تراد ليغلب في الظن صدق المدعي، والعلم أقوى منها فإذا لزم الحكم للمدعي الذي تقوم البينة على دعواه يجب الحكم للمدعي الذي يعلم الحاكم بصدقه.

وألاحظ أن في هذا الدليل ضعفا ماديا لأن المقارنة لم تقم فيه بين البينة وعلم الحاكم، بالإضافة إلى صلب الواقع، وإنما لوحظ مدى تأثير كل منهما في نفس الحاكم، وكانت النتيجة حينئذ أن العلم أقوى من البينة لأن اليقين أشد من الظن. وكان من حق المقارنة أن يلاحظ الأقرب منهما إلى الحقيقة المطلوب مبدئيا ا لأخذ بها في كل مخاصمة. ولا يفضل علم الحاكم في هذا الطور من المقايسة على البينة، لأن الحاكم قد يخطأ كما أن البينة قد تخطأ، فهما في شرع الواقع سواء كلاهما مظنة للزلل والاشتباه.

ولكن في المسألة أمر غفل عنه الباحثون أيضا، وهو أن ما يعلمه الخليفة من صدق الزهراء يستحيل أن لا يكون حقيقة، لأن سبب علمه بصدقها ليس من الأسباب التي قد تنتج توهما خاطئا وجهلا مركبا، وإنما هو قرآن كريم دل على عصمة المدعية. وعلى ضوء هذه الخاصية التي يمتاز بها العلم بصدق الزهراء، يمكننا أن نقرر أن البينة التي قد تخطأ إذا كانت دليلات شرعيا مقتضيا للحكم على طبقه. فالعلم الذي لا يخطئ وهو ما كان بسبب شهادة الله تعالى بعصمة المدعي، وصدقة أولى بأن يكتسب تلك الصفة في المجالات القضائية.

وعلى أسلوب آخر من البيان نقول: إن القرآن الكريم لو كان قد نص على ملكية الزهراء لفدك وصدقها في دعوى النحلة لم يكن في المسألة متسع للتشكيك لمسلم أو مساغ للتردد لمحكمة من محاكم القرآن. ومن الواضح أن نصه على عصمة الزهراء في قوة النص على النحلة، لأن المعصوم لا يكذب، فإذا ادعى شيئا فدعواه صائبة بلا شك. ولا فرق بين النص على العصمة والنص على النحلة فيما يتصل بمسألتنا، سوى أن ملكية الزهراء لفدك هي المعنى الحرفي للنص الثاني، والمعنى المفهوم من النص الأول عن طريق مفهومه الحرفي.

4 - ونقول من ناحية أخرى: إن أحدا من المسلمين لم يشك في صدق الزهراء ولم يتهمها بالافتراء على أبيها، وإنما قام النزاع بين المتنازعين في أن العلم بصواب الدعوى هل يكفي مدركا للحكم على وفقها أو لا؟ فلندع آية التطهير ونفترض أن الخليفة كان كأحد هؤلاء المسلمين، وعلمه بصدق الزهراء حينئذ ليس حاويا على الامتياز الذي أشرنا إليه في النقطة السابقة، بل هو علم في مصاف سائر الاعتقادات التي تحصل بأسباب هي عرضة للخطأ والاشتباه، ولا يدل حينئذ جعل البينة دليلا على مشاركته لها في تلك الخاصية، لأنه ليس أولى منها بذلك كما عرفنا سابقا.

ولكن الحاكم يجوز له مع ذلك - أن يحكم على وفق علمه، كما يجوز له أن يستند في الحكم إلى البينة بدليل ما جاء في الكتاب الكريم مما يقرر ذلك، إذ قال الله تعالى في سورة النساء: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)، وقال في سورة الأعراف: (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) أي يحكمون.

وللحق والعدل ملاحظتان:

(إحداهما) الحق والعدل في نفس الأمر والواقع.

(والأخرى) الحق والعدل بحسب الموازين القضائية. فالحكم على وفق البينة. حق واعتدال في عرف هذه الملاحظة وإن أخطأت، ويعاكسه الحكم على وفق شهادة الفاسق، فإنه ليس حقا ولا عد لا وإن كان الفاسق صادقا في خبره.

والمعني بالكلمتين في الآيتين الكريمتين إن كان هو المعنى الأول للحق والعدل، كانتا دالتين على صحة الحكم بالواقع من دون احتياج إلى البينة فإذا أحرز الحاكم ملكية شخص لمال صح له أن يحكم بذلك لأنه يرى أنه الحق الثابت في الواقع والحقيقة العادلة، فحكمه بملكية ذلك الشخص للمال مصداق في عقيدته للحكم بالحق والعدل الذي أمر به الله تعالى. وأما إذا فسرنا الكلمتين في الآيتين بالمعنى الثاني أعني ما يكون حقا وعدلا بحسب مقاييس القضاء فلا يستقيم الاستدلال بالنصين القرآنيين على شيء في الموضوع لأنهما لا يثبتان حينئذ أن أي قضاء يكون قضاء بالحق وعلى طبق النظام، وأي قضاء لا يكون كذلك؟

ومن الواضح أن المفهوم المتبادر من الكلمتين هو المعنى الأول دون الثاني وخاصة كلمة الحق، فإنها متى وصف بها شي فهم أن ذلك الشئ أمر ثابت في الواقع، فالحكم بالحق عبارة عن الحكم بالحقيقة الثابتة. ويدل على ذلك الأسلوب الذي صيغت عليه الآية الأولى، فإنها تضمنت أمرا بالحكم بالعدل. وواضح جد ا أن تطبيق التنظيمات الإسلامية في موارد الخصومة لا يحتاج إلى أمر شرعي، لأن نفس وضعها قانونا للقضاء معناه لزوم تطبيقها، فلا يكون الأمر بالتزام القانون إلا تكرارا أو تنبيها، وليس من حقيقة الأمر في شيء. وأما الأمر بالحكم على طبق الحقائق الواقعية سواء أكان عليها دليل من بينة وشهادة أو لا، فهو من طبيعة الأمر بالصميم لأنه تقرير جديد يوضح أن الواقع هو ملاك القضاء الإسلامي والمحور الذي ينبغي أن يدور عليه دون أن يتقيد بالشكليات والأدلة الخاصة. وإذن فالآيتان دليل على اعتبار علم الحاكم في قوانين القضاء الإسلامية.

وأضف إلى ذلك أن الصديق نفسه كان يكتفى كثيرا بالدعوى المجردة عن البينة. فقد جاء عنه في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما مات، جاء لأبي بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي فقال أبو بكر: من كان له على النبي دين أو كانت له قبله عدة فليأتنا. قال جابر: وعدني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا فبسط يده ثلاث مرات، قال جابر: فعد في يدي خمسمائة، ثم خمسمائة، ثم خمسمائة.

وروي في الطبقات عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت منادي أبي بكر ينادي بالمدينة حين قدم عليه مال البحرين: من كانت له عدة عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فليأت؟ فيأتيه رجال فيعطيهم. فجاء أبو بشير المازني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا أبا بشير إذا جاءنا شيء فأتنا، فأعطاه أبو بكر حفنتين أو ثلاثا فوجدوها ألفا وأربعمائة درهم.

فإذا كان الصديق لا يطالب أحدا من الصحابة بالبينة على الدين أو العدة فكيف طب من الزهراء بينة على النحلة؟!

وهل كان النظام القضائي يخص الزهراء وحدها بذلك أو أن الظروف السياسية الخاصة هي التي جعلت لها هذا الاختصاص؟ ومن الغريب حقا أن تقبل دعوى صحابي لوعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمبلغ من المال وترد دعوى بضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنها لم تجد بينة على ما تدعيه.

وإذا كان العلم بصدق المدعي مجوزا لاعطائه ما يدعيه فلا ريب أن الذي لا يتهم جابر ا أو أبا بشير بالكذب يرتفع بالزهراء عن ذلك أيضا.

وإذا لم يكن إعطاء الخليفة لمدعي العدة ما طلبه على أساس الأخذ بدعواه، وإنما دعاه احتمال صدقة إلى إعطائه ذلك، وللأمام أن يعطي أي شخص المبلغ الذي يراه، فلماذا لم يحتط بمثل هذا الاحتياط في مسألة فدك؟!

وهكذا أنجز الصديق وعود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي لم تقم عليها بينة وأهمل هباته المنجزة التي ادعتها سيدة نساء العالمين. وبقي السؤال عن الفارق بين الديون والعدات وبين نحلة بلا جواب مقبول.

5 - ولنستأنف مناقشتنا على أساس جديد وهو: إن الحاكم لا يجوز له الحكم على طبق الدعوى المصدقة لديه إذا لم يحصل المدعي على بينة تشهد له، ونهمل النتيجة التي انتهينا إليها في النقطة السابقة ونسأل على هذا التقدير:

(أولا) عما منع الصديق من التقدم بالشهادة على النحلة إذا كان عالما بصدق الحوراء سلام الله عليها، إذ يضم بذلك شهادته إلى شهادة علي وتكتمل بهما البينة ويثبت الحق. واعتباره لنفسه حاكما لا يوجب سقوط شهادته لأن شهادة الحاكم معتبرة وليست خارجة عن الدليل الشرعي الذي أقام البينة مرجعا في موارد الخصومة.

(وثانيا) عن التفسير المقبول لاغفال الخليفة للواقع المعلوم لديه بحسب الفرض. ولأجل توضيح هذه النقطة يلزمنا أن نفرق بين أمرين اختلطا على جملة الباحثين في المسألة.

(أحدهما) الحكم للمدعي بما يدعيه.

(والاخر) تنفيذ آثار الواقع. وإذا افترضنا أن الأول محدود بالبينة فالاخر واجب على كل تقدير، لأنه ليس حكما ليحدد بحدوده. فإذا علم شخص بأن بيته للاخر فسلمه لمالكه، لم يكن هذا حكما بملكيته له، وإنما هو إجراء للأحكام التي نص عليها القانون. كما أن الحاكم نفسه إذا ادعى شخص عنده ملكية بيت وكان في حيازته، أو دل الاستصحاب على الملكية المدعاة، فاللازم عليه وعلى غيره من المسلمين أن يعتبروا هذا البيت كسائر ممتلكات ذلك ا لمدعي. وليس معنى هذا ان الحاكم حكم بأن البيت ملك المدعية مستندا إلى قاعدة اليد أو الاستصحاب. وإن المسلمين أخذوا أنفسهم باتباع هذا الحكم، بل لو لم يكن بينهم حاكم للزمهم ذلك. وليس الاستصحاب أو اليد من موازين الحكم في الشريعة وإنما يوجبان تطبيق أحكام الواقع.

والفارق بين حاكم الحاكم بملكية شخص لمال، أو فسقه ونحو هما من الشؤون التي تتسع لها صلاحيات الحاكم وبين تطبيق آثار تلك الأمور هو: امتياز الحكم بفصل الخصومة، ونعني بهذا الامتياز أن الحاكم إذا أصدر حكما حرم نقضه على جميع المسلمين، ولزم اتباعه من دون نظر إلى مدرك آخر سوى ذلك الحكم.

وأما تطبيق القاضي لاثار الملكية عمليا بلا حكم فلا يترتب عليه ذلك المعنى ولا يجب على كل مسلم متابعته وإجراء تلك الآثار كما يجريها إلا إذا حصل له العلم بذلك كما حصل للحاكم.

والنتيجة: إن الخليفة إذا كان يعلم بملكية الزهراء لفدك، فالواجب عليه أن لا يتصرف فيها بما تكرهه، ولا ينزعها منها سواء أجاز له أن يحكم على وفق علمه أو لا. ولم يكن في المسألة منكر ينازع الزهراء ليلزم طلب اليمين منه واستحقاقه للمال إذا أقسم، لأن الأموال التي كانت تطالب بها الزهراء أما أن تكون لها أو للمسلمين. وقد افترضنا أن أبا بكر هو الخليفة الشرعي للمسلمين يومئذ، وإذن فهو وليهم المكلف بحفظ حقوقهم وأموالهم، فإذا كانت الزهراء صادقة في رأيه، ولم يكن في الناس من ينازعها فليس للخليفة أن ينتزع فدك منها. وتحديد الحكم بالبينة خاصة إنما يحرم الحكم ولا يجيز انتزاع الملك من صاحبه.

وإذن فعدم جواز حكم الحاكم على وفق علمه لا يخفف من صعوبة الحساب ولا يخرج الخليفة ناجحا من الامتحان.

 

عودة لصفحة الشهيد محمد باقر الصدر