عقائد الشيعة الإمامية / الشريف المرتضى

 

 

مختارات من كتاب المقنع في الغيبة

 

 

علة الغيبة والجهل بها

فأما الكلام في علة الغيبة وسببها والوجه الذي يحسنها فواضح بعد تقرر ما تقدم من الأصول: لأنا إذا علمنا بالسياقة التي ساق إليها الأصلان المتقرران في العقل: أن الإمام ابن الحسن عليه السلام دون غيره، ورأيناه غائبا عن الأبصار: علمنا أنه لم يغب -مع عصمته وتعين فرض الإمامة فيه وعليه- إلا لسبب اقتضى ذلك، ومصلحة استدعته، وضرورة قادت إليه وإن لم يعلم الوجه على التفصيل والتعيين لأن ذلك مما لا يلزم علمه.

وجرى الكلام في الغيبة ووجهها وسببها على التفصيل مجرى العلم بمراد الله تعالى من الآيات المتشابهة في القرآن، التي ظاهرها بخلاف ما دلت عليه العقول، من جبر أو تشبيه أو غير ذلك. فكما أنا ومخالفينا لا نوجب العلم المفصل بوجوه هذه الآيات وتأويلها، بل نقول كلنا: إنا إذا علمنا حكمة الله تعالى، وإنه لا يجوز أن يخبر بخلاف ما هو عليه من الصفات، علمنا على الجملة أن لهذه الآيات وجوها صحيحة بخلاف ظاهرها تطابق مدلول أدلة العقل، وإن غاب عنا العلم بذلك مفصلا، فإنه لا حاجة بنا إليه، ويكفينا العلم على سبيل الجملة بأن المراد بها خلاف الظاهر، وأنه مطابق العقل.

فكذلك لا يلزمنا ولا يتعين علينا العلم بسبب الغيبة، والوجه في فقد ظهور الإمام على التفصيل والتعيين، ويكفينا في ذلك علم الجملة التي تقدم ذكرها، فإن تكلفنا وتبرعنا بذكره فهو فضل منا.

كما أنه من جماعتنا فضل وتبرع إذا تكلفنا ذكر وجوه المتشابه والأغراض فيه على التعيين.

 

 

 

 

 

تتمة البحث

- الجهل بحكمة الغيبة لا ينافيها

ثم يقال للمخالف في الغيبة: أتجوز أن يكون للغيبة وجه صحيح اقتضاها، ووجه من الحكمة استدعاها، أم لا تجوز ذلك؟

فإن قال: أنَا لذلك مجوز. قيل له: فإذا كنت له مجوزا فكيف جعلت وجود الغيبة دليلا على أنه لا إمام في الزمان، مع تجويزك أن يكون للغيبة سبب لا ينافي وجود الإمام؟! وهل تجري في ذلك إلا مجرى من توصل بإيلام الأطفال إلى نفي حكمة الصانع تعالى، وهو معترف بأنه يجوز أن يكون في إيلامهم وجه صحيح لا ينافي الحكمة، أو مجرى من توصل بظواهر الآيات المتشابهات إلى أنه تعالى مشبه للأجسام، وخالق لأفعال العباد، مع تجويزه أن يكون لهذه الآيات وجوه صحيحة لا تنافي العدل، والتوحيد، ونفي التشبيه.

وإن قال: لا أجوز أن يكون للغيبة سبب صحيح موافق للحكمة، وكيف أجوز ذلك وأنا أجعل الغيبة دليلا على نفي الإمام الذي تدعون غيبته؟! قلنا: هذا تحجر منك شديد، فيما لا يحاط بعلمه ولا يقطع على مثله.

فمن أين قلت: إنه لا يجوز أن يكون للغيبة سبب صحيح يقتضيها؟! ومن هذا الذي يحيط علما بجميع الأسباب والأغراض حتى يقطع على انتفائها؟! وما الفرق بينك وبين من قال: لا يجوز أن يكون للآيات المتشابهات وجوه صحيحة تطابق أدلة العقل، ولا بد من أن تكون على ما اقتضته ظواهرها؟!

فإن قلت: الفرق بيني وبين من ذكرتم أنني أتمكن من أن أذكر وجوه هذه الآيات المتشابهات ومعانيها الصحيحة، وأنتم لا تتمكنون من ذكر سبب صحيح للغيبة! قلنا: هذه المعارضة إنما وجهناها على من يقول: إنه غير محتاج إلى العلم على التفصيل بوجوه الآيات المتشابهات وأغراضها، وإن التعاطي لذكر هذه الوجوه فضل وتبرع، وإن الكفاية واقعة بالعلم بحكمة القديم تعالى، وإنه لا يجوز أن يخبر عن نفسه بخلاف ما هو عليه. والمعارضة على هذا المذهب لازمة.

- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 41، 44:

 

 

- لا يجوز أن تجتمع صحة إمامة ابن الحسن عليه السلام مع القول بأن الغيبة لا يجوز أن يكون لها سبب صحيح يقتضيها

 [لزوم المحافظة على أصول البحث]

فأما من جعل الفرق بين الأمرين ما حكيناه في السؤال من تمكنه من ذكر وجوه الآيات المتشابهات، فإنا لا نتمكن من ذلك! فجوابه أن يقال له: قد تركت -بما صرت إليه- مذاهب شيوخك، وخرجت عما اعتمدوه، وهو الصحيح الواضح اللائح. وكفى بذلك عجزا ونكولا. وإذا قنعت لنفسك بهذا الفرق -مع بطلانه ومنافاته لأصول الشيوخ- كلنا عليك مثله وهو: أنا نتمكن أيضا أن نذكر في الغيبة الأسباب الصحيحة، والأغراض الواضحة، التي لا تنافي الحكمة، ولا تخرج عن حدها، وسنذكر ذلك فيما يأتي من الكلام -بمشيئة الله وعونه- فقد ساويناك وضاهيناك بعد أن نزلنا على اقتراحك وإن كان باطلا.

ثم يقال له: كيف يجوز أن تجتمع صحة إمامة ابن الحسن عليه السلام ما بيناه من سياقة الأصول العقلية إليها، مع القول بأن الغيبة لا يجوز أن يكون لها سبب صحيح يقتضيها؟! أو ليس هذا تناقضا ظاهرا، وجاريا في الاستحالة مجرى اجتماع القول بالعدل والتوحيد مع القطع على أنه لا يجوز أن يكون للآيات الواردة ظواهرها بما يخالف العدل والتوحيد تأويل صحيح، ومخرج سديد يطابق ما دل عليه العقل؟!

أو لا تعلم: أن ما دل عليه العقل وقطع به على صحته يقود ويسوق إلى القطع على أن للآيات مخرجا صحيحا وتأويلا للعقل مطابقا، وإن لم نحط علما به، كما يقود ويسوق إلى أن للغيبة وجوها وأسبابا صحيحة، وإن لم نحط بعلمها؟!.

- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 44، 45:

 

 

- الكلام في غيبة الإمام ابن الحسن عليه السلام جائز لمن ثبت له إمامته

[تقدم الكلام في الأصول على الكلام في الفروع]

فإن قال: أنا لا أسلم ثبوت أمامة ابن الحسن وصحة طريقها، ولو سلمت ذلك لما خالفت في الغيبة، لكنني أجعل الغيبة -وأنه لا يجوز أن يكون لها سبب صحيح- طريقا إلى نفي ما تدعونه من إمامة ابن الحسن. قلنا: إذا لم تثبت لنا إمامة ابن الحسن عليه السلام فلا كلام لنا في الغيبة، لأنا إنما نتكلم في سبب غيبة من ثبتت إمامته وعلم وجوده، والكلام في وجوه غيبة من ليس بموجود هذيان.

وإذا لم تسلموا إمامة ابن الحسن، جعلنا الكلام معكم في صحة إمامته، واشتغلنا بتثبيتها وإيضاحها، فإذا زالت الشبهة فيها ساغ الكلام حينئذ في سبب الغيبة، وإن لم تثبت لنا إمامته وعجزنا عن الدلالة على صحتها، فقد بطل قولنا بإمامة ابن الحسن عليه السلام، واستغنى معنا عن كلفة الكلام في سبب الغيبة.

يجري هذا الموضع من الكلام مجرى من سألنا عن إيلام الأطفال، أو وجوه الآيات المتشابهات، وجهات المصالح في رمي الجمار، والطواف بالبيت، وما أشبه ذلك من العبادات على التفصيل والتعيين. وإذا عولنا في الأمرين على حكمة القديم تعالى، وأنه لا يجوز أن يفعل قبيحا، ولا بد من وجه حسن في جميع ما فعله، وإن جهلناه بعينه، وأنه تعالى لا يجوز أن يخبر بخلاف ما هو عليه، ولا بد -فيما ظاهره يقتضي خلاف ما هو تعالى عليه- من أن يكون له وجه صحيح، وإن لم نعلمه مفصلا.

قال لنا: ومن سلم لكم حكمة القديم، وأنه لا يفعل القبيح؟! وإنا إنما جعلنا الكلام في سبب إيلام الأطفال ووجوه الآيات المتشابهات وغيرها طريقا إلى نفي ما تدعونه من نفي القبيح عن أفعاله تعالى.

كما أن جوابنا له: أنك إذا لم تسلم حكمة القديم تعالى دللنا عليها، ولم يجز أن نتخطاها إلى الكلام في أسباب أفعاله. فكذلك الجواب لمن كلمنا في الغيبة وهو لا يسلم إمامة صاحب الزمان وصحة أصولها.

- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 45، 47:

 

 

- الكلام في الفروع لا يسوغ إلا بعد إحكام الأصول فلا يجوز قبل ثبوت إمامة ابن الحسن عليه السلام التكلم في سبب الغيبة

[لا خيار في الاستدلال على الفروع قبل الأصول]

فإن قيل: ألا كان السائل بالخيار بين أن يتكلم في إمامة ابن الحسن عليهما السلام ليعرف صحتها من فسادها، وبين أن يتكلم في سبب الغيبة، فإذا بان أنه لا سبب صحيحا لها انكشف بذلك بطلان إمامته؟

قلنا: لا خيار في مثل ذلك، لأن من شك في إمامة ابن الحسن عليهما السلام يجب أن يكون الكلام معه في نفس إمامته، والتشاغل في جوابه بالدلالة عليها، ولا يجوز مع هذا الشك -وقبل ثبوت هذه الإمامة- أن يتكلم في سبب الغيبة، لأن الكلام في الفروع لا يسوغ إلا بعد إحكام الأصول.

ألا ترى: أنه لا يجوز أن يتكلم في سبب إيلام الأطفال إلا بعد الدلالة على حكمته تعالى، وأنه لا يفعل القبيح، وكذلك القول في الآيات المتشابهات. ولا خيار لنا في هذه المواضع.

- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 47:

 

 

- الكلام في الإمامة أصل للغيبة

والكلام في الغيبة مع الكلام في إمامة صاحب الزمان عليه السلام يجري في أنه أصل وفرع بمجرى الكلام في إيلام الأطفال، وتأويل المتشابه، والكلام في حكمة القديم تعالى، فواجب تقدم الكلام في إمامته على الكلام في سبب غيبته من حيث الأصل والفرع اللذان ذكرناهما في سبب إيلام الأطفال وغيره.

- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 50:

 

- الكلام في سبب الغيبة ووجهها فيه من الاحتمال والتجاذب ما ليس في الطريقة التي ذكرناها في إمامة ابن الحسن لأنها مبنية على اعتبار العقل وسبر ما يقتضيه

- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 50:

[مزية في استعمال تلك الطريقة في بحث الغيبة]

ثم يجب تقدمه من وجه الترجيح والمزية على ما ذكره الشيوخ في الفرق بين الكلام في النبوة والكلام في طريق خبر نفي النسخ، لأنه من المعلوم.

لأن الكلام في سبب الغيبة ووجهها، فيه من الاحتمال والتجاذب ما ليس في الطريقة التي ذكرناها في إمامة ابن الحسن عليه السلام، لأنها مبنية على اعتبار العقل وسبر ما يقتضيه، وهذا بين لمن تأمله.

 

 

- سبب الغيبة وإن كان لا يخل الإضراب عن ذكره بصحة مذهبنا هو إخافة الظالمين له عليه السلام وقبضهم يده عن التصرف فيما جعل إليه التصرف والتدبير له

- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 51، 52:

[بيان حكمة الغيبة عند المصنف]

وإذا كنا قد وعدنا بأن نتبرع بذكر سبب الغيبة على التفصيل، وإن كان لا يلزمنا، ولا يخل الإضراب عن ذكره بصحة مذاهبنا، فنحن نفعل ذلك ونتبعه بالأسئلة التي تسأل عليه ونجيب عنها. فإن كان كل هذا فضلا منا، اعتمدناه استظهارا في الحجة، وإلا فالتمسك بالجملة المتقدمة مغن كاف.

[الغيبة استتارا من الظلمة]

أما سبب الغيبة فهو: إخافة الظالمين له عليه السلام، وقبضهم يده عن التصرف فيما جعل إليه التصرف والتدبير له، لأن الإمام إنما ينتفع به إذا كان ممكنا، مطاعا، مخلى بينه وبين أغراضه، ليقوم الجناة، ويحارب البغاة، ويقيم الحدود، ويسد الثغور، وينصف المظلوم من الظالم، وكل هذا لا يتم إلا مع التمكين، فإذا حيل بينه وبين مراده سقط عنه فرض القيام بالإمامة، فإذا خاف على نفسه وجبت غيبته ولزم استتاره.

ومن هذا الذي يلزم خائفا أعداؤه عليه، وهم حنقون أن يظهر لهم وأن يبرز بينهم؟! والتحرز من المضار واجب عقلا وسمعا. وقد استتر النبي صلى الله عليه وآله في الشعب مرة، وأخرى في الغار، ولا وجه لذلك إلا الخوف من المضار الواصلة إليه.

 

 

- إذا لم يكن في الاستتار لائمة على المستتر إذا أحوج إليه جاز أن يتطاول سبب الاستتار كما جاز أن يقصر

 [التفرقة بينهما في طول الغيبة وقصرها]

فأما التفرقة بطول الغيبة وقصرها فغير صحيحة: لأنه لا فرق في ذلك بين القصير المنقطع وبين الممتد المتادي، لأنه إذا لم يكن في الاستتار لائمة على المستتر إذا أحوج إليه؛ جاز أن يتطاول سبب الاستتار، كما جاز أن يقصر زمانه.

- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 54:

 

 

- علة عدم استتار الأئمة السابقون

- ما كان على الأئمة خوف من أعدائهم مع لزومهم التقية والعدول عن التظاهر بالإمامة ونفيها عن نفوسهم وإمام الزمان كل الخوف عليه لأنه يظهر بالسيف ويدعو إلى نفسه ويجاهد من خالف عليه

- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 54، 55:

[لم لم يستتر الأئمة السابقون]

فإن قيل: إن كان الخوف أحوجه إلى الاستتار، فقد كان آباؤه عندكم في تقية وخوف من أعدائهم، فكيف لم يستتروا؟!

قلنا: ما كان على آبائهم عليهم السلام خوف من أعدائهم، مع لزومهم التقية، والعدول عن التظاهر بالإمامة، ونفيها عن نفوسهم وإمام الزمان كل الخوف عليه، لأنه يظهر بالسيف ويدعو إلى نفسه ويجاهد من خالف عليه. فأي نسبة بين خوفه من الأعداء، وخوف آبائه عليهم السلام منهم، لولا قلة التأمل؟!.

 

 

- لا يقطع على أن الإمام ابن الحسن عليه السلام لا يصل إليه أحد ولا يلقاه لأن هذا الأمر مغيب عنا وهو موقوف على الشك والتجويز

- لأن الإمام مستتر بإخافته فكل ما يفوت من المصالح ويرتفع من المنافع منسوبا إلى العباد وهم الملومون عليه المؤاخذون به

[الفرق بين الغيبة وعدم الوجود]

فإن قيل: أي فرق بين وجوده غائبا لا يصل إليه أحد ولا ينتفع به بشر، وبين عدمه؟! وإلا جاز أن يعدمه الله تعالى، حتى إذا علم أن الرعية تمكنه وتسلم له أوجده، كما جاز أن يبيحه الاستتار حتى يعلم منهم التمكين له فيظهره؟! وإذا جاز أن يكون الاستتار سببه إخافة الظالمين، فألا جاز أن يكون الإعدام سببه ذلك بعينه؟!

قيل: ما يقطع قبل أن نجيب عن سؤالك على أن الإمام لا يصل إليه أحد ولا يلقاه، لأن هذا الأمر مغيب عنا، وهو موقوف على الشك والتجويز.

والفرق بعد هذا بين وجوده غائبا من أجل التقية، وخوف الضرر من أعدائه، وهو في أثناء ذلك متوقع أن يمكنوه ويزيلوا خيفته فيظهر ويقوم بما فوض إليه من أمورهم، وبين أن يعدمه الله تعالى جلي واضح؛ لأنه إذا كان معدوما، كان ما يفوت العباد من مصالحهم، ويعدمونه من مراشدهم، ويخرمونه من لطفهم وانتفاعهم به منسوبا إليه تعالى، ومعصوبا لا حجة فيه على العباد، ولا لوم يلزمهم ولا ذم.

وإذا كان موجودا مستترا بإخافتهم له، كان ما يفوت من المصالح ويرتفع من المنافع منسوبا إلى العباد، وهم الملومون عليه المؤاخذون به. فأما الإعدام فلا يجوز أن يكون سببه إخافة الظالمين، لأن العباد قد يلجئ بعضهم بعضا إلى أفعاله.

- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 55، 56:

 

 

- الإمام يجوز أن يلقاه في حال الغيبة جماعة من أوليائه وأن ذلك مما لا يقطع على فقده

 [الفرق بين استتار النبي وعدم وجوده]

على أن هذا ينقلب عليهم في استتار النبي صلى الله عليه وآله فيقال لهم: أي فرق بين وجوده مستترا وبين عدمه؟! فأي شيء قالوا في ذلك أجبناهم بمثله.

وليس لهم أن يفرقوا بين الأمرين بأن النبي صلى الله عليه وآله ما استتر من كل أحد، وإنما استتر من أعدائه، وإمام الزمان عليه السلام مستتر من الجميع! وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله لما استتر في الغار كان مستترا من أوليائه وأعداءه، ولم يكن معه إلا أبو بكر وحده، وقد كان يجوز عندنا وعندكم أن يستتر بحيث لا يكون معه أحد من ولي ولا عدو إذا اقتضت المصلحة ذلك. وإذا رضوا لأنفسهم بهذا الفرق قلنا مثلة، لأنا قد بينا أن الإمام يجوز أن يلقاه في حال الغيبة جماعة من أوليائه وأن ذلك مما لا يقطع على فقده.

- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 56، 57:

 

 

- إمكان ظهور الإمام بحيث لا يمسه الظلم

فإن قيل: إن كان خوف ضرر الأعداء هو الموجب للغيبة، أفلا أظهره الله تعالى في السحاب وبحيث لا تصل إليه أيدي أعدائه فيجمع الظهور والأمان من الضرر؟!

قلنا: هذا سؤال من لا يفكر فيما يورده، لأن الحاجة من العباد إنما تتعلق بإمام يتولى عقاب جناتهم، وقسمة أموالهم، وسد ثغورهم، ويباشر تدبير أمورهم، ويكون بحيث يحل ويعقد، ويرفع ويضع، وهذا لا يتم إلا مع المخالطة والملابسة. فإذا جعل بحيث لا وصول إليه ارتفعت جهة الحاجة إليه، فصار ظهوره للعين كظهور النجوم الذي لا يسد منا خللا ولا يرفع زللا، ومن احتاج في الغيبة إلى مثل هذا السؤال فقد أفلس ولم تبق فيه مسكنة.

- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 57، 58: