عقائد الشيعة الإمامية / الشريف المرتضى

 

 

مختارات من كتاب المقنع في الغيبة

 

 

 

إقامة الحدود في الغيبة

- الحدود يجب إقامتها مع التمكن وزوال الموانع وإنها ثابتة في جنوب الجناة بما يوجبها من الأفعال فإن ظهر الإمام والمستحق لهذه الحدود باق أقامها عليه بالبينة أو الإقرار وإن فات ذلك بموته كان الإثم في تفويت إقامتها على من أخاف الإمام وألجأه إلى الغيبة

- الحق العقلي يصاب بأدلته ويدرك بالنظر فيها والسمعي عليه أدلة منصوبة من أقوال النبي ونصوصه وأقوال الأئمة من ولده وقد بينوا ذلك وأوضحوه ولم يتركوا منه شيئا لا دليل عليه

فإن قيل: فالحدود في حال الغيبة ما حكمها؟ فإن سقطت عن فاعلي ما يوجبها فهذا اعتراف بنسخ الشريعة! وإن كانت ثابتة فمن يقيمها مع الغيبة؟!

قلنا: الحدود المستحقة ثابتة في جنوب الجناة بما يوجبها من الأفعال، فإن ظهر الإمام والمستحق لهذه الحدود باق أقامها عليه بالبينة أو الإقرار، وإن فات ذلك بموته كان الإثم في تفويت إقامتها على من أخاف الإمام وألجأه إلى الغيبة. وليس هذا بنسخ لإقامة الحدود، لأن الحد إنما تجب إقامته مع التمكن وزوال الموانع، ويسقط مع الحيلولة. وإنما يكون ذلك نسخا لو سقط فرض إقامة الحد مع التمكن وزوال الأسباب المانعة من إقامته.

ثم يقلب هذا عليهم فيقال لهم: كيف قولكم في الحدود التي تستحقها الجناة في الأحوال التي لا يمكن فيها أهل الحل والعقد من اختيار الإمام ونصبه؟! فأي شيء قالوه في ذلك قيل لهم مثله.

فإن قيل: كيف السبيل مع غيبة الإمام إلى إصابة الحق؟! فإن قلتم: لا سبيل إليه، فقد جعلتم الناس في حيرة وضلالة وريب في سائر أمورهم. وإن قلتم: يصاب الحق بأدلته، قيل لكم: هذا تصريح بالاستغناء عن الإمام بهذه الأدلة ورجوع إلى الحق؟!

قلنا: الحق على ضربين: عقلي وسمعي: فالعقلي يصاب بأدلته ويدرك بالنظر فيها. والسمعي عليه أدلة منصوبة من أقوال النبي عليه السلام ونصوصه وأقوال الأئمة من ولده عليهم السلام، وقد بينوا ذلك وأوضحوه، ولم يتركوا منه شيئا لا دليل عليه.

غير إن هذا، وإن كان على ما قلناه، فالحاجة إلى الإمام ثابتة لازمة، لأن جهة الحاجة إليه المستمرة في كل زمان وعلى كل وجه هي كونه لطفا لنا في فعل الواجب وتجنب القبيح، وهذا مما لا يغني عنه شيء، ولا يقوم مقامة فيه غيره.

فأما الحاجة إليه المتعلقة بالسمع والشرع فهي أيضا ظاهرة: لأن النقل، وإن كان واردا عن الرسول صلى الله عليه وآله وعن آباء الإمام عليهم السلام بجميع ما يحتاج إليه في الشريعة، فجائز على الناقلين أن يعدلوا عن النقل، إما اعتمادا أو اشتباها، فينقطع النقل أو يبقى فيمن ليس نقلة حجة، فيحتاج حينئذ إلى الإمام ليكشف ذلك ويوضحه ويبين موضع التقصير فيه. فقد بان: أن الحاجة ثابته على كل حال، وإن أمكنت إصابة الحق بأدلته.

- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 58، 60:

 

 

- الحال فيما لو احتيج إلى بيان الإمام الغائب

- الله تعالى لو علم أن النقل لبعض الشريعة المفروضة ينقطع في حال تكون تقية الإمام فيها مستمرة وخوفه من الأعداء باقيا لأسقط ذلك التكليف عمن لا طريق له إليه

- تكليف الشرائع مستمر ثابت على جميع الأمة إلى أن تقوم الساعة فإذا اتفق أن ينقطع النقل بشيء من الشرائع لما كان ذلك إلا في حال يتمكن فيها الإمام من الظهور والبروز والإعلام والإنذار

فإن قيل: أرأيتم إن كتم الناقلون بعض مهم الشريعة واحتيج إلى بيان الإمام، ولم يعلم الحق إلا من جهته، وكان خوفه القتل، فيجب على هذا أن يكون مستمرا، كيف يكون الحال؟ فأنتم بين أن تقولوا: إنه يظهر وإن خاف القتل، فيجب على هذا أن يكون خوف القتل غير مبيح للغيبة، ويجب ظهوره على كل حال! أو تقولوا: لا يظهر، ويسقط التكليف في ذلك الشيء المكتوم عن الأمة، فتخرجوا بذلك من الإجماع، لأن الإجماع منعقد على أن شرعة النبي صلى الله عليه وآله واضحه فهو لازم للأمة إلى أن تقوم الساعة. وإن قلتم إن التكليف لا يسقط، صرحتم بتكليف ما لا يطاق، وإيجاب العلم بما لا طريق إليه.

قلنا: قد أجبنا عن هذا السؤال وفرعنا إلى غاية ما يترفع في كتابنا (الشافي).

وجملته: أن الله تعالى لو علم أن النقل لبعض الشريعة المفروضة ينقطع في حال تكون تقية الإمام فيها مستمرة، وخوفه من الأعداء باقيا لأسقط ذلك التكليف عمن لا طريق له إليه.

وإذا علمنا بالإجماع الذي لا شبهة فيه أن تكليف الشرائع مستمر ثابت على جميع الأمة إلى أن تقوم الساعة، ينتج لنا هذا العلم أنه لو اتفق أن ينقطع النقل بشيء من الشرائع لما كان ذلك إلا في حال يتمكن فيها الإمام من الظهور والبروز والإعلام والإنذار.

- المقنع في الغيبة - الشريف المرتضى ص 60، 61:

 

 

- علة عدم ظهور الإمام لأوليائه

فإن قيل: إذا كانت العلة في غيبته عن أعدائه خوفه منهم، فما باله لا يظهر لأوليائه، وهذه العلة زائلة فيهم؟! فإذا لم يظهر للأولياء وقد زالت عنهم علة استتاره بطل قولكم في علة الغيبة!.

قلنا: قد أجاب أصحابنا عن هذا السؤال بأن علة غيبته عن أوليائه لا تمنع أن يكون خوفه من أن يلقاهم فيشيعوا خبره، ويتحدثوا سرورا باجتماعه معهم، فيؤدي ذلك وإن كان ذلك غير مقصود إلى الخوف من الأعداء.

[عدم ارتضاء المصنف لهذه العلة]

وهذا الجواب غير مرضي، لان عقلاء شيعته لا يجوز أن يخفي عليهم ما في إظهار اجتماعهم معه من الضرر عليه وعليهم، فكيف يخبرون بذلك مع العلم بما فيه من المضرة الشاملة؟! وإن جاز هذا الذي ذكروه على الواحد والاثنين، لم يجز على جماعة شيعته الذين لا يظهر لهم. على أن هذه العلة توجب أن شيعته قد عدموا الانتفاع به على وجه لا يتمكنون من تلافيه وإزالته؛ لأنه إذا علق الاستتار بما يعلم من حالهم أنهم يفعلونه، فليس في مقدورهم الآن ما يقتضي ظهور الإمام، وهذا يقتضي سقوط التكليف -الذي الإمام لطف فيه- عنهم.

[الجواب عن اعتراض المصنف]

وقد أجاب بعضهم عن هذا السؤال بأن سبب الغيبة عن الجميع هو فعل الأعداء، لان انتفاع جماعة الرعية -من ولي وعدو- بالإمام إنما يكون بأن ينفذ أمره وتنبسط يده، ويكون ظاهرا متصرفا بلا دافع ولا منازع، وهذا مما المعلوم أن الأعداء قد حالوا دونه ومنعوا منه. قالوا: ولا فائدة في ظهوره سرا لبعض أوليائه، لان النفع المبتغى من تدبير الأئمة لا يتم إلا بالظهور للكل ونفوذ الأمر، فقد صارت العلة في استتار الإمام وفقد ظهوره -على الوجه الذي هو لطف ومصلحة للجميع- واحدة.

وهذا أيضا جواب غير مرضي: لأن الأعداء إن كانوا حالوا بينه وبين الظهور على وجه التصرف والتدبير، فلم يحولوا بينه وبين من شاء من أوليائه على جهة الاستتار. وكيف لا ينتفع به من يلقاه من أوليائه على سبيل الاختصاص، وهو يعتقد طاعته وفرض أتباع أوامره، ويحكمه في نفسه؟! وإن كان لا يقع هذا اللقاء لأجل اختصاصه، ولأن الإمام معه غير نافذ الأمر في الكل، ولا مفوض إليه تدبير الجميع، فهذا تصريح بأنه لا انتفاع للشيعة الإمامية بلقاء أئمتها من لدن وفاة أمير المؤمنين عليه السلام إلى أيام الحسن بن علي أبي القائم عليهم السلام، للعلة التي ذكرت.

ويوجب أيضا أن أولياء أمير المؤمنين عليه السلام وشيعته لم يكن لهم بلقائه انتفاع قبل انتقال الأمر إلى تدبيره وحصوله في يده. وهذا بلوغ من قائله إلى حد لا يبلغه متأمل.

على أنه: إذا سلم لهم ما ذكروه من أن الانتفاع بالإمام لا يكون إلا مع ظهوره لجميع الرعية، ونفوذ أمره فيهم بطل قولهم من وجه آخر، وهو: أنه يؤدي إلى سقوط التكليف -الذي الإمام لطف فيه- عن شيعته: لأنه إذا لم يظهر لهم لعلة لا ترجع إليهم، ولا كان في قدرتهم وإمكانهم إزالة ما يمنعهم من الظهور؛ فلا بد من سقوط التكليف عنهم، ولا يجرون في ذلك مجرى أعدائه، لأن الأعداء وإن لم يظهر لهم فسبب ذلك من جهتهم، وفي إمكانهم أن يزيلوا المنع من ظهوره فيظهر، فلزمهم التكليف الذي تدبير الإمام لطف فيه، ولو لم يلزم ذلك شيعته على هذا الجواب. ولو جاز أن يمنع قوم من المكلفين غيرهم من لطفهم، ويكون التكليف -الذي ذلك اللطف لطف فيه- مستمرا عليهم؛ لجاز أن يمنع بعض المكلفين غيره بقيد أو ما أشبهه من المشي على وجه لا يتمكن ذلك المقيد من إزالته، ويكون المشي مع ذلك مستمرا على المقيد.

وليس لهم أن يفرقوا بين القيد وفقد اللطف، من حيث كان القيد يتعذر معه الفعل ولا يتوهم وقوعه، وليس كذلك فقد اللطف؛ لان المذهب الصحيح -الذي نتفق نحن عليه- أن فقد اللطف يجري مجرى فقد القدرة والآلة، وأن التكليف مع فقد اللطف -في من له لطف- معلوم قبحه، كالتكليف مع فقد القدرة والآلة ووجود المانع، وأن من لم يفعل به اللطف -ممن له لطف معلوم- غير متمكن من الفعل، كما أن الممنوع غير متمكن.

[الأولى في علة الاستتار من الأولياء]

والذي يجب أن يجاب به عن هذا السؤال -الذي قدمنا ذكره في علة الاستتار من أوليائه- أن نقول أولا [لا] قاطعين على أنه لا يظهر لجميع أوليائه، فإن هذا مغيب عنا، ولا يعرف كل واحد منا إلا حال نفسه دون حال غيره.

وإذا كنا نجوز ظهوره لهم كما نجوز خلافه: فلا بد من ذكر العلة فيما نجوزه من غيبته عنهم. وأولى ما قيل في ذلك وأقربه إلى الحق -وقد بينا فيما سلف أن هذا الباب مما لا يجب العلم به على سبيل التفصيل، وأن العلم على وجه الجملة فيه كاف-: أن نقول: لا بد من أن تكون علة الغيبة عن الأولياء مضاهية لعلة الغيبة عن الأعداء، في أنها لا تقضي سقوط التكليف عنهم، ولا تحلق اللائمة بمكلفهم تعالى، ولا بد من أن يكونوا متمكنين من رفعها وإزالتها فيظهر لهم، وهذه صفات لا بد من أن تحصل لما تعلل به الغيبة، وإلا أدى إلى ما تقدم ذكره من الفساد.

وإذا ثبتت هذه الجملة فأولى ما علل به التغيب عن الاولياء أن يقال: قد علمنا أن العلم بإمام الزمان على سبيل التعيين والتمييز لا يتم إلا بالمعجز، فإن النص -في إمامة هذا الإمام خاصة- غير كاف في تعينه، ولا بد من المعجز الظاهر على يده حتى نصدقه في أنه ابن الحسن عليه السلام. والعلم بالمعجز ودلالته على الظهور، طريقه الاستدلال الذي يجوز أن تعترض فيه الشبهة. ومن عارضته شبهة في من ظهر على يده معجز، فاعتقد أنه زور ومخرقه، وأن مظهره كذاب متقول، لحق بالأعداء في الخوف من جهته.

 

 

- جهة الخوف من الأولياء عند الظهور

فإن قيل: فأي تقصير وقع من الولي الذي لم يظهر له الإمام لأجل هذا المعلوم من حاله؟ وأي قدرة له على فعل ما يظهر له الإمام معه؟ وإلى أي شيء يفزع في تلافي سبب غيبته عنه؟

قلنا: ما أحلنا في سبب الغيبة عن الأولياء إلا على معلوم يظهر موضوع التقصير فيه، وإمكان تلافيه؛ لأنه غير ممتنع أن يكون من المعلوم من حاله أنه متى ظهر له الإمام قصر في النظر في معجزه، وإنما أتي في ذلك؛ لتقصير الناظر في العلم بالفرق بين المعجز والممكن، والدليل من ذلك وما ليس بدليل.

ولو كان من هذا الأمر على قاعدة صحيحة وطريقة مستقيمة؛ لم يجز أن يشتبه عليه معجز الإمام عند ظهوره له. فيجب عليه تلافي هذا التقصير واستداركه، حتى يخرج بذلك من حد من يشتبه عليه المعجز بغيره.

 

 

- هل تكليف الولي بالنظر هو بما لا يطاق؟

وليس لأحد أن يقول: هذا تكليف ما لا يطاق، وحوالة على غيب لا يدرك، لان هذا الولي ليس يعرف ما قصر فيه بعينه من النظر والاستدلال، فيستدركه، حتى يتمهد في نفسه ويتقرر، ونراكم تلزمونه على ما لا يلزمه؟!

والجواب عن هذا الاعتراض: أن ما يلزم في التكليف قد يتميز وينفرد، وقد يشتبه بغيره ويختلط وإن كان التمكن من الأمرين حاصلا ثابتا فالولي على هذا إذا حاسب نفسه ورأى إمامه لا يظهر له، واعتقد أن يكون السبب في الغيبة ما ذكرناه من الوجوه الباطلة وأجناسها؛ علم أنه لا بد من سبب يرجع إليه.

وإذا رأى أن أقوى الأسباب ما ذكرناه، علم أن تقصيرا واقعا من جهته في صفات المعجز وشروطه، فعليه حينئذ معاودة النظر في ذلك، وتخليصه من الشوائب، وتصفيته مما يقتضي الشبهة ويوجب الالتباس. فإنه متى اجتهد في ذلك حق الاجتهاد، ووفي النظر نصيبه غير مبخوس ولا منقوص؛ فلا بد له من وقوع العلم بالفراق بين الحق والباطل.

وإذا وقع العلم بذلك؛ فلا بد من زوال سبب الغيبة عن الولي. وهذه المواضع؛ الإنسان فيها على نفسه بصيرة، وليس يمكن أن يؤمر فيها بأكثر من التناهي في الاجتهاد والبحث والفحص والاستسلام للحق.

- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 66، 68:

 

 

- عدم الانتفاع من الجميع من صاحب الزمان ابن الحسن عليه السلام لشيء يرجع إليهم لا إليه

- لا يجب بيان السبب في غيبة صاحب الزمان ابن الحسن عليه السلام على التعيين بل يكفي في العلم بحسن الغيبة منه علمنا بعصمته وأنه ممن لا يفعل قبيحا ولا يترك واجبا

[مقدمة الزيادة المكملة]

بسم الله الرحمن الرحيم قال السيد المرتضى علم الهدى قدس الله روحه، ورضي عنه وأرضاه: قد ذكرنا في كتابنا (الشافي في الامامة) ثم في كتابنا (المقنع في الغيبة) السبب في استتار إمام الزمان عليه السلام عن أعدائه وأوليائه، وخالفنا بين السببين، وبينا أن عدم الانتفاع من الجميع به لشيء يرجع إليهم، لا إليه، واستقصينا ذلك وبلغنا فيه أبعد غاية.

ثم استأنفنا في (المقنع) طريقة غريبة لم نسبق إليها، ودللنا على أنه لا يجب علينا بيان السبب في غيبته على التعيين، بل يكفي في العلم بحسن الغيبة منه علمنا بعصمته وأنه ممن لا يفعل قبيحا ولا يترك واجبا، وضربنا لذلك الأمثال في الأصول، وأن مثل ذلك مستعمل في مواضع كثيرة. وخطر ببالنا الآن ما لا بد من ذكره ليعرف، فهو قوي سليم من الشبه والمطاعن.

- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 73، 74:

 

- استلهام الأولياء من وجود الإمام ولو في الغيبة

وجملته: أن أولياء إمام الزمان عليه السلام وشيعته ومعتقدي إمامته ينتفعون به في حال غيبته النفع الذي نقول إنه لا بد -في التكليف- منه، لأنهم مع علمهم بوجوده بينهم، وقطعهم على وجوب طاعته عليهم، ولزومها لهم، لا بد من أن يهابوه ويخافوه في ارتكاب القبائح، ويخشوا تأديبه وانتقامه ومؤاخذته وسطوته، فيكثر منهم فعل الواجب، ويقل ارتكاب القبيح، أو يكون ذلك أقرب وأليق، وهذه هي جهة الحاجة العقلية إلى الإمام.

- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 74:

 

 

- هل الغيبة تمنع الإمام من التأثير والعمل؟

وكأني بمن سمع هذا من المخالفين ربما عجب وقال: أي سطوة لغائب مستتر خائف مذعور؟! وأي انتقام يخشى ممن لا يد له باسطة، ولا أمر نافذ، ولا سلطان قاهر؟! وكيف يرهب من لا يعرف ولا يميز ولا يدرى مكانه؟!

والجواب عن هذا: أن التعجب بغير حجة تظهر وبينة تذكر هو الذي يجب العجب منه وقد علمنا أن أولياء الإمام وإن لم يعرفوا شخصه ويميزوه بعينه، فإنهم يحققون وجوده، ويتيقنون أنه معهم بينهم، ولا يشكون في ذلك ولا يرتابون به؛ لأنهم إن لم يكونوا على هذه الصفة لحقوا بالأعداء، وخرجوا عن منزلة الأولياء، وما فيهم إلا من يعتقد أن الإمام بحيث لا تخفي عليه أخباره، ولا تغيب عنه سرائره فضلا عن ظواهره، وأنه يجوز أن يعرف ما يقع منهم من قبيح وحسن، فلا يأمنون إن يقدموا على القبائح فيؤدبهم عليها.

ومن الذي يمتنع منهم إن ظهر له الإمام، وأظهر له معجزة يعلم بها أنه إمام الزمان، وأراد تقويمه وتأديبه وإقامة حد عليه، أن يبذل ذلك من نفسه ويستسلم لما يفعله إمامه به، وهو يعتقد إمامته وفرض طاعته؟!.

 

 

- لا فرق في الاستلهام من وجود الأئمة بين الغيبة والظهور

وهل حاله مع شيعته غائبا إلا كحاله ظاهرا فيما ذكرناه خاصة، وفي وجوب طاعته، والتحرز من معصيته، والتزام مراقبته، وتجنب مخالفته. وليس الحذر من السطوة والإشفاق من النقمة بموقوفين على معرفة العين، وتمييز الشخص، والقطع على مكانه بعينه، فإن كثيرا من رعية الإمام الظاهر لا يعرفون عينه ولا يميزون شخصه، وفي كثير من الأحوال لا يعرفون مكان حلوله، وهم خائفون متى فعلوا قبيحا أن يؤدبهم ويقومهم، وينتفعون بهذه الرهبة حتى يكفوا عن كثير من القبائح، أو يكونوا أقرب إلى الانكفاف.

وإذا كان الأمر على ما أوضحناه فقد سقط عنا السؤال المتضمن لأن الإمام إذا لم يظهر لأعدائه لخوفه منهم وارتيابه بهم، فألا ظهر لأوليائه؟! وإلا؛ فكيف حرم الأولياء منفعتهم ومصلحتهم بشيء جره الأعداء عليهم؟! وإن هذا شيء ينافي العدل مع استمرار تكليف شيعته ما الإمام لطف فيه؟ لأنا قد بينا أنهم بإمامهم عليهم السلام مع الغيبة منتفعون، وأن الغيبة لا تنافي الانتفاع الذي تمس الحاجة إليه في التكليف. وبينا أنه ليس من شرط الانتفاع الظهور والبروز، وبرئنا من عهدة هذا السؤال القوي الذي يعتقد مخالفونا أنه لا جواب عنه ولا محيص منه.

- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 75:

 

 

- يسقط وجوب ظهور صاحب الزمان ابن الحسن عليه السلام للولي لحصول الانتفاع والارتداع من دون ظهوره

[الظهور للأولياء ليس واجبا]

ومع هذا، فما نمنع من ظهوره عليه السلام لبعضهم إما لتقويم أو تأديب أو وعظ وتنبيه وتعليم، غير أن ذلك كله غير واجب، فيطلب في فوته العلل وتتمحل له الأسباب. وإنما يصعب الكلام ويشتبه إذا كان ظهوره للولي واجبا من حيث لا ينتفع أو يرتدع إلا مع الظهور. وإذا كان الأمر على خلاف ذلك سقط وجوب الظهور للولي، لما دللنا عليه من حصول الانتفاع والارتداع من دونه، فلم تبق شبهة.

- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 77:

 

 

- معرفة الإمام صاحب الزمان ابن الحسن عليه السلام بوقوع القبائح من بعض أوليائه قد يكون من كل الوجوه التي يعلم منها وقوع ذلك منهم وهو ظاهر نافذ الأمر باسط اليد

[علم الإمام حال الغيبة بما يجري وطرق ذلك]

فإن قيل: ومن أين يعلم الإمام في حال الغيبة والاستتار بوقوع القبائح من شيعته حتى يخافوا تأديبه عليها، وهو في حال الغيبة ممن لا يقر عنده مقر، ولا يشهد لديه شاهد، وهل هذا إلا تعليل بالباطل؟!

قلنا: ما المتعلل بالباطل إلا من لا ينصف من نفسه، ولا يلحظ ما عليه كما يلحظ ماله!.

فأما معرفة الإمام بوقوع القبائح من بعض أوليائه فقد يكون من كل الوجوه التي يعلم منها وقوع ذلك منهم، وهو ظاهر نافذ الأمر باسط اليد.

- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 77:

 

 

- يجوز أن يكون اطلاع الإمام حال غيبته على وقوع القبائح من أوليائه أقوى لأن الإمام إذا لم تعرف عينه ويميز شخصه كان التحرز من مشاهدته لنا على بعض القبيح أضيق وأبعد

[مشاهدته للأمور بنفسه عليه السلام]

فمنها: أنه قد يجوز أن يشاهد ذلك فيعرفه بنفسه، وحال الظهور في هذا الوجه كحال الغيبة، بل حال الغيبة فيه أقوى؛ لأن الإمام إذا لم تعرف عينه ويميز شخصه، كان التحرز من مشاهدته لنا على بعض القبيح أضيق وأبعد، ومع المعرفة له بعينه يكون التحرز أوسع وأسهل، ومعلوم لكل عاقل الفرق بين الامرين؛ لأنا إذا لم نعرفه جوزنا في كل من نراه ولا نعرف نسبه أنه هو، حتى أنا لا نأمن أن يكون بعض جيراننا أو أضيافنا أو الداخلين والخارجين إلينا، وكل ذلك مرتفع مع المعرفة والتمييز. وإذا شاهد الإمام منا قبيحا يوجب تأديبا وتقويما، أدب عليه وقوم، ولم يحتج إلى إقرار وبينة، لأنهما يقتضيان غلبة الظن، والعلم أقوى من الظن.

- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 78:

 

 

- لا تمنع الغيبة الإمام من استماعه البينة والعمل بها

[قيام البينة عنده عليه السلام]

ومن الوجوه أيضا: البينة، والغيبة أيضا لا تمنع من استماعها والعمل بها؛ لأنه يجوز أن يظهر على بعض الفواحش من أحد شيعته العدد الذي تقوم به الشهادة عليها، ويكون هؤلاء العدد ممن يلقى الإمام ويظهر له فقد قلنا: إنا لا نمنع من ذلك، وإن كنا لا نوجبه فإذا شهدوا عنده بها، ورأى إقامة حدها؛ تولاه بنفسه أو بأعوانه، فلا مانع له من ذلك، ولا وجه يوجب تعذره.

فإن قيل: ربما لم يكن من شاهد هذه الفاحشة ممن يلقى الإمام، فلا يقدر على إقامة الشهادة؟

قلنا: نحن في بيان الطرق الممكنة المقدرة في هذا الباب، لا في وجوب حصولها، وإذا كان ما ذكرناه ممكنا فقد وجب الخوف والتحرز، وتم اللطف. على أن هذا بعينه قائم مع ظهور الامام وتمكنه؛ لأن الفاحشة يجوز أولا أن لا يشاهدها من يشهد بها، ثم يجوز أن يشاهدها من لا عدالة له فلا يشهد، وإن شهد لم تقبل شهادته، وإن شاهدها من العدول من تقبل مثل شهادته يجوز أن لا يختار الشهادة. وكأننا نقدر على أن نحصي الوجوه التي تسقط معها إقامة الحدود! ومع ذلك كله فالرهبة قائمة، والحذر ثابت، ويكفي التجويز دون القطع.

- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 78، 79:

 

 

- الإقرار عند الإمام في غيبته ممكنة

[الإقرار عند الإمام]

فأما الإقرار: فيمكن أيضا مع الغيبة، لأن بعض الأولياء الذين ربما ظهر لهم الإمام قد يجوز أن يواقع فاحشة فيتوب منها، ويؤثر التطهير له بالحد الواجب فيها، فيقر بها عنده. فقد صارت الوجوه التي تكون مع الظهور ثابتة في حال الغيبة.

- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 79، 80:

 

 

- احتمال بعد الإمام وقربه

فإن قيل: أليس ما أحد من شيعته إلا وهو يجوز أن يكون الإمام بعيد الدار منه، وأنه يحل إما المشرق أو المغرب، فهو آمن من مشاهدته له على معصيته، أو أن يشهد بها عليه شاهد، وهذا لا يلزم مع ظهور الإمام والعلم ببعد داره، لأنه لا يبعد من بلد إلا ويستخلف فيه من يقوم مقامه ممن يرهب ويخشى ويتقى انتقامه؟!

قلنا: كما لا أحد من شيعته إلا وهو يجوز بعد محل الإمام عنه، فكذلك لا أحد منهم إلا وهو يجوز كونه في بلده وقريبا من داره وجواره، والتجويز كاف في وقوع الحذر وعدم الأمان.

وبعد، فمع ظهور الإمام وانبساط يده، ونفوذ أمره في جميع الأمة، لا أحد من مرتكبي القبائح إلا وهو يجوز خفاء ذلك على الإمام ولا يتصل به، ومع هذا فالرهبة قائمة، واللطف بالإمام ثابت. فكيف ينسى هذا من يلزمنا بمثله مع الغيبة؟!.

- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 80:

 

 

- إمكان استخلاف الإمام لغيره في الغيبة والظهور

- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 81، 82:

فأما ما مضى في السؤال من: أن الإمام إذا كان ظاهرا متميزا وغاب عن بلد، فلن يغيب عنه إلا بعد أن يستخلف عليه من يرهب كرهبته؟ فقد ثبت أن التجويز في حال الغيبة لأن يكون قريب الدار منا، مخالطا لنا، كاف في قيام الهيبة وتمام الرهبة.

لكننا ننزل على هذا الحكم فنقول: ومن الذي يمنع من قال بغيبة الإمام من مثل ذلك، فنقول: إن الإمام لا يبعد في أطراف الأرض إلا بعد أن يستخلف من أصحابه وأعوانه، فلا بد من أن يكون له، وفي صحبته، أعوان وأصحاب على كل بلد يبعد عنه من يقوم مقامه في مراعاة ما يجري من شيعته، فإن جرى ما يوجب تقويما ويقتضي تأديبا تولاه هذا المستخلف كما يتولاه الأمام بنفسه.

فإذا قيل: وكيف يطاع هذا المستخلف؟! ومن أين يعلم الولي الذي يريد تأدبيه أنه خليفة الامام؟!. قلنا: بمعجز يظهره الله تعالى على يده، فالمعجزات على مذاهبنا تظهر على أيدي الصالحين فضلا عمن يستخلفه الإمام ويقيمه مقامه.

فإن قيل: إنما يرهب خليفة الإمام مع بعد الإمام إذا عرفناه وميزناه!.

قيل: قد مضى من هذا الزمان ما فيه كفاية. وإذا كنا نقطع على وجود الإمام في الزمان ومراعاته لأمورنا، فحاله عندنا منقسمة إلى أمرين، لا ثالث لهما: أما أن يكون معنا في بلد واحد، فيراعي أمورنا بنفسه، ولا يحتاج إلى غيره. أو بعيدا عنا، فليس يجوز مع حكمته أن يبعد إلا بعد أن يستخلف من يقوم مقامه، كما يجب أن يفعل لو كان ظاهر العين متميز الشخص. وهذه غاية لا شبهة بعدها.

 

 

- الفرق بين الغيبة والظهور في الانتفاع بوجود الإمام

- ليس غيبة الإمام كظهوره ففي ظهوره وانبساط يده وقوة سلطانه انتفاع الولي والعدو والمحب والمبغض وليس ينتفع به في حال الغيبة الانتفاع الذي أشرنا إليه إلا وليه دون عدوه

- في ظهور الإمام وانبساط يده منافع دنيوية جمة لأوليائه وغيرهم لأنه يحمي بيضتهم ويسد ثغورهم ويؤمن سبلهم فيتمكنون من التجارات والمكاسب والمغانم ويمنع من ظلم غيرهم لهم

- المنافع الدنيوية لا يجب إذا فاتت بالغيبة أن يسقط التكليف معها والمنافع الدينية الواجبة في كل حال بالإمامة فهي ثابتة مع الغيبة فلا يجب سقوط التكليف لها

فإن قيل: هذا تصريح منكم بأن ظهور الإمام كاستتاره في الانتفاع به والخوف منه ونيل المصالح من جهته، وفي ذلك ما تعلمون!.

قلنا: إنا لا نقول: إن ظهوره في المرافق به والمنافع كاستتاره، وكيف نقول ذلك وفي ظهوره وانبساط يده وقوة سلطانه، انتفاع الولي والعدو، والمحب والمبغض؟! وليس ينتفع به في حال الغيبة الانتفاع الذي أشرنا إليه إلا وليه دون عدوه.

وفي ظهوره وانبساطه أيضا منافع جمة لأوليائه وغيرهم، لأنه يحمي بيضتهم، ويسد ثغورهم، ويؤمن سبلهم، فيتمكنون من التجارات والمكاسب والمغانم، ويمنع من ظلم غيرهم لهم، فتتوفر أموالهم، وتدر معايشهم، وتتضاعف مكاسبهم. غير إن هذه منافع دنياوية لا يجب إذا فاتت بالغيبة أن يسقط التكليف معها، والمنافع الدينية الواجبة في كل حال بالإمامة قد بينا أنها ثابتة مع الغيبة، فلا يجب سقوط التكليف لها. ولو قلنا وإن كان ذلك ليس بواجب: أن انتفاعهم به على سبيل اللطف في فعل الواجب، والامتناع من القبيح وقد بينا ثبوته في حال الغيبة يكون أقوى في حال الظهور للكل وانبساط اليد في الجميع لجاز؛ لان اعتراض ما يفوت قوة للطف مع ثبوت أصله لا يمنع من الانتفاع به على الوجه الذي هو لطف فيه، ولا يوجب سقوط التكليف.

- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 82، 83:

 

 

- تدبير الإمام وتصرفه واللطف لرعيته به مما لا يقوم شيء من الأمور مقامه

[هل يقوم شيء مقام الإمام في أداء دوره]

فإن قيل: ألا جوزتم أن يكون أولياؤه غير منتفعين به في حال الغيبة، إلا أن الله تعالى يفعل لهم من اللطف في هذه الأحوال ما يقوم في تكليفهم مقام الانتفاع بالإمام؟! كما قاله جماعة من الشيوخ في إقامة الحدود إذا فاتت، فإن الله تعالى يفعل ما يقوم مقامها في التكليف.

قلنا: قد بينا أن أولياء الإمام ينتفعون به في أحوال الغيبة على وجه لا مجال للريب عليه، وبهذا القدر يسقط السؤال. ثم يبطل من وجه آخر، وهو: أن تدبير الإمام وتصرفه واللطف لرعيته به، مما لا يقوم عندنا شيء من الأمور مقامه. ولولا أن الأمر على ذلك لما وجبت الإمامة على كل حال، وفي كل مكلف، ولكان تجويزنا قيام غيرها مقامها في اللطف يمنع من القطع على وجوبها في كل الأزمان.

وهذا السؤال طعن في وجوب الإمامة، فكيف نتقبله ونسال عنه في علة الغيبة؟! وليس كذلك الحدود، لأنها إذا كانت لطفا، ولم يمنع دليل عقلي ولا سمعي من جواز نظير لها وقائم في اللطف مقامها، جاز أن يقال: إن الله تعالى يفعل عند فوتها ما يقوم مقامها، وهذا على ما بيناه لا يتأتى في الإمامة.

- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 83، 84:

 

 

- كيف يعلم الإمام بوقت ظهوره

فإن قيل: إذا علقتم ظهور الإمام بزوال خوفه من أعدائه، وأمنه من جهتهم: فكيف يعلم ذلك؟ وأي طريق له إليه؟ وما يضمره أعداؤه أو يظهرونه وهم في الشرق والغرب والبر والبحر لا سبيل له إلى معرفته على التحديد والتفصيل!.

قلنا: أما الإمامية فعندهم: أن آباء الإمام عليه وعليهم السلام عهدوا إليه وأنذروه وأطلعوه على ما عرفوه من توقيف الرسول صلى الله عليه وآله على زمان الغيبة وكيفيتها، وطولها وقصرها، وعلاماتها وأماراتها، ووقت الظهور، والدلائل على تيسيره وتسهيله.

وعلى هذا لا سؤال علينا، لان زمان الظهور إذا كان منصوصا على صفته، والوقت الذي يجب أن يكون فيه، فلا حاجة إلى العلم بالسرائر والضمائر. وغير ممتنع مضافا إلى ما ذكرناه أن يكون هذا الباب موقوفا على غلبة الظن وقوة الأمارات وتظاهر الدلالات.

وإذا كان ظهور الإمام أنما هو بأحد أمور: إما بكثرة أعوانه وأنصاره، أو قوتهم ونجدتهم، أو قلة أعدائه، أو ضعفهم وجورهم، وهذه أمور عليها أمارات يعرفها من نظر فيها وراعاها، وقربت مخالطته لها، فإذا أحس الإمام عليه السلام بما ذكرناه إما مجتمعا أو متفرقا وغلب في ظنه السلامة، وقوي عنده بلوغ الغرض والظفر بالإرب، تعين عليه فرض الظهور، كما يتعين على أحدنا فرض الإقدام والإحجام عند الأمارات المؤمنة والمخيفة.

- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 84، 85:

 

 

- يظهر الإمام إذا كان قاطعا على النصر والظفر ولا يعتمد على الظن في أسباب ظهوره

[هل يعتمد الإمام على الظن في أسباب ظهوره]

فإن قيل: إذا كان من غلب عنده ظن السلامة، يجوز خلافها، ولا يأمن أن يحقق ظنه، فكيف يعمل إمام الزمان ومهدي الأمة على الظن في الظهور ورفع التقية وهو مجوز أن يقتل ويمنع؟!.

قلنا: أما غلبة الظن فتقوم مقام العلم في تصرفنا وكثير من أحوالنا الدينية والدنياوية من غير علم بما تؤول إليه العواقب، غير إن الإمام خطبه يخالف خطب غيره في هذا الباب، فلا بد فيه من أن يكون قاطعا على النصر والظفر.

[الجواب على مسلك المخالفين] وإذا سلكنا في هذه المسألة الطريق الثاني من الطريقين اللذين ذكرناهما، كان لنا أن نقول: إن الله تعالى قد أعلم إمام الزمان من جهة وسائط علمه، وهم آباؤه وجده رسول الله صلى الله عليه وآله أنه متى غلب في ظنه الظفر وظهرت له أمارات السلامة، فظهوره واجب ولا خوف عليه من أحد، فيكون الظن ها هنا طريقا إلى العلم، وبابا إلى القطع.

وهذا كما يقوله أصحاب القياس إذا قال لهم نافوه في الشريعة ومبطلوه: كيف يجوز أن يقدم من يظن أن الفرع مشبه للأصل في الإباحة، ومشارك له في علتها على الفعل، وهو يجوز أن يكون الأمر بخلاف ظنه؟ لأن الظن لا قطع معه، والتجويز بخلاف ما تناوله ثابت، أو ليس هذا موجبا أن يكون المكلف مقدما على ما لا يأمن كونه قبيحا؟! والإقدام على ما لا يؤمن قبحه كالإقدام على ما يعلم قبحه؛ لأنهم يقولون: تعبد الحكيم سبحانه بالقياس يمنع من هذا التجويز، لان الله تعالى إذا تعبد بالقياس فكأنه عز وجل قال: (من غلب على ظنه بأمارات، فظهر له في فرع أنه يشبه أصلا محللا فيعمل على ظنه، فذلك فرضه والمشروع له) فقد أمن بهذا الدليل ومن هذه الجهة الإقدام على القبيح، وصار ظنه أن الفرع يشبه الأصل في الحكم المخصوص طريقا إلى العلم بحاله وصفته في حقه وفيما يرجع إليه، وإن جاز أن يكون حكم غيره في هذه الحادثة بخلاف حكمه إذا خالفه في غلبة الظن. ومن هذه حجته وعليها عمدته، كيف يشتبه عليه ما ذكرناه في غلبة الظن للإمام بالسلامة والظفر؟! والأولى بالمنصف أن ينظر لخصمه كما ينظر لنفسه ويقنع به من نفسه.

- المقنع في الغيبة- الشريف المرتضى ص 85، 87:

 

 

اقرأ كتاب المقنع في الغيبة