موقع عقائد الشيعة الإمامية

 

صلح الحسن عليه السلام

في الموقف السياسي

12- التضحية

 ما كان من السهل الانصياع الى هذه النبالة في رقمها القياسي الذي لا تحلم بمثله كبريات النفوس مهما بلغ بها انكار الذات ، لو لا ما أودع الله في هذه النفس من القوة و الصبر و الاحتمال و الكبرياء على الحياة.
 وأين تكون التضحية في سبيل الله والفناء في ذات الله والعمل في جنب الله الا حين تستقيم النفس سافرة لا تلتمس ريبة ، صريحة لا تتكلف مداراة ولا مداورة ولا استخفاء ، مجاهدة جهادها الاكبر في تحطيم ميولها الشخصية ، ومعاكسة طبيعتها البشرية بكبح جماحها الارضي الانانيّ.
 وها هي ذي الامامة بكل معانيها المنقطعة الى الله وها هو ذا الامام المنقطع الى الله بكل معانيه.
 واذا لم يكن الظرف القائم بين يديه ، كافيا للانتصار على الباطل فلم لا يتخذ منه ظرفا كافيا للاحتفاظ بالحق ؟
 وذلك هو ما انتهت اليه صورة الموقف ، بعد أن رفع الستار عن نوايا الجماهير التي كانت ترتجز أمامه للجهاد ، وتتركز في حقيقتها على الاغراض.
 واذا كان لا يردّ عادية معاوية عن الاسلام الصحيح ، متمثلا في الصفوة من آل محمد (ص) والبقية الباقية من حزب الله المخلصين ، ولا يردّ أجناده من أهل الشام ، ورتله الخامس المتغلغل في صميم الكوفة وفي معسكر الامام الا الغلب على الملك .. فلتكن لهذه الايدى العادية الضارية غنيمتها من الدنيا ، بشهواتها ومطامعها ومضارها ومعايبها ، ولتسلم للحسن وللبقية من حزب الله ، مبادئُهم الروحية ، بجلالها و قوتها و اتساعها و عظمتها و خلودها.
 وما من غضاضة على ابن رسول الله (ص) اذا تنزّه عن و ضر المادة ، فترك الدنيا لاهلها ، و انفرد بسلطان الروح ، ثابت المقام في عظمته ، مرفوع الاعلام في امامته ، معروف الفضل في أمثولته ، مشكور الشمائل في جهاده و صبره و تضحياته.
 وما لمسلم معنيّ باسلاميته ، ولا لمؤمنٍ حريص على الصحيح من عقيدته ، أن يشتبه في أمره ، أو يفرط بحقه ، أو يتناسى مكانته من رسول الله (ص) أو يتجاهل امامته الثابتة بأمر الله ـ تلك الامامة التي لا تقبل تغييرا ولا انتقالا ، ولاتحتمل ضعفا ولا انخذالا ، ولكنها الغالبة المتصرة رغم المحاولات المخذولة المناوئة ، تقوى بقوة الله ، و تثبت بثبوت الحق ، و تمتد في أعناق الاجيال كما تمتد النبوّات في أعناق أممها ، فيها كلّ معاني المجد الحقيقي ، و فيها الهيبة القادرة ، و فيها الاستخفاف بخيلاء المناوئين.
 انها المرحلة الدقيقة من مراحل تاريخ الاسلام. وهي مرحلة الفصل بين الخلافة الحقيقية والملك [ بين الامامة الدينية والسلطان ] ، بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية.
 ولم يكن هذا الفصل ـ على صورته الظاهرة ـ مما تألفه الذهنية الاسلامية بادىء الرأي ، ولكنه الامر الواقع الذي درج عليه الاسلام و الفه المسلمون من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون ، منذ قبض رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، الا في الفترات القصيرة التي كانت قطرةً في بحر هذه القرون. وكان الاستسلام لعملية الفصل من قبل أولاياء الامر الشرعيين ، الوسيلة الاصلاحية التي يجب الاخذ بها عند الخوف على بيضة الاسلام.
 ولكي نكون أكثر صراحةً في البحث ، وأوضح تعبيرا عن الغرض نقول : ان الامام الحسن لم يفعل في موقفه من معاوية ، الا مثل ما فعله أبوه امير المؤمنين (ع) في موقفه من أبي بكر وصاحبيه. وذلك هو معنى جوابه لاخيه الحسين (ع) فيما مرّ عليك ، حين سأله : ما الذي دعاك الى تسليم الامر ؟ فقال له : الذي دعا أباك فيما تقدم .
 ولكل من الامامين في ظرفه الخاص ، تضحياته الرفيعة التي حفظ بها الاسلام.
 ومحا الحسن ـ على هذه القاعدة ـ خارطة مملكته المادية من الارض ، لينقش بدلها خارطة عظمته الروحية في الارض والسماء معا. وتلفّت الى حدود مملكته في الملك الجديد الذي لا يبلى ، فاذا هي الحدود بين مملكة الحق والمملكة التي هي شيء غير الحق ، بين الانسانية المثالية و الانانية الطاغية ، بين روحانية الامام الذي يحيا ويموت ، وعلى لسانه كلمات الله : أقيموا الصلوة ، وآتوا الزكوة ، كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ، ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا ـ وبين مادية الجبّار الذي يعالن الناس قائلا : والله اني ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتزكوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ، وانما قاتلتكم لأتأمَّر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون ! .
 واعتاد الناس ان يتلقوا مثل هذه الحادثة ، كما يتلقون الصدمة الكبيرة من أحداث الزمان ، ذلك لانهم انما ينظرون اليها من ناحيتها الدنيوية الضيقة فلا يرون فيها الا الخسارة.
 أما النفس المطمئنة المفطورة على الخير المحض ، فالحادثة عندها وسيلة أهداف هي أعز من الملك ، وهي أعز من الدنيا بأسرها ، وهي ـ مع ذلك ـ التاريخ الذى يلعلع على الانسانية بالامجاد.
 وهكذا غلب الحسن الناس في جهاده ، وفي صبره ، وفي تضحيته جميعا. وهذه ثلاث هن امهات الفضائل كلها. وللحسن ثلاث اخرى وثلاث ثالثة ، كلهن أدوات عظمته ، وشواهد مزاياه.
غلب الناس بامامته ، وبوجوب مودته ، وببنوته من رسول الله (ص).
 ونُكب من الناس بأنصاره ، وبأعدائه ، وبزوجه.
 وخُصَّ بين الناس ـ كما قلنا ـ بالنوع الممتاز من جهاده ، والنوع العظيم من صبره ، والنوع الفريد من تضحيته.
 ولكي نتوفر على فهم هذه المواهب الثلاث على الاخص ، كخصائص حسنية لها مميزاتها التي لا تقبل الجدال ، نقول :
 1 ـ اما جهاده
 فقد كان أروع الجهاد ، وآلمه للنفس ، وأوسعه ميدانا وأطوله عناء.
 انه جاهد في سبيل الله ولكن في ميادين كثيرة ، لا في ميدان واحد : جاهد عدوه بما زحف الى لقائه ، وبما جوبه به من فِتنَه وأسوائه ، وجاهد أصحابه وجنوده بما حاول من استصلاحهم بمخلتف الاساليب ، فأعيته الاساليب كلها ، وجاهد نفسه بما ضبط من عواطفها ، وبما كبت من طموحها ، وبما ردًّ من سلطانها ، ولا نعرف في زعماء البشرية انسانا تمكن من نفسه ومن أعصابه ومن عواطفه كما تمكن منها الحسن في مواقفه التي مرّ عليها ، وجاهد شيعته المخلصين في تشيّعهم له ، بما تحمل من عتابهم الجرىء على قبوله الصلح ، فوقف منهم موقفه الذي دلّ بذاته ، على خصائصه الملكية الممتازة التي لا تفارق الامام المعصوم ، بما ملك من حفيظته ، وبما ربط من جأشه ، وبما قابلهم به من هدوء الطبيعة ، وميوعة اللهجة وطول الاناة.
 وأجاب كلا على عتابه أوضح جواب ، وأقربه الى صواب ، وكشف له عن أهدافه فيما أتاه ، بما استأصل به شأفة عتابه ، فاذا المخاطب مأخوذ ببراعة الحجة وروعة الغرض وأصالة الرأى ، يستذكر بمواقف امامه مواقف الانبياء ، ويتسقط من أخباره مساقط الوحي ، فاذاهو هي.
 واليك هنا نموذجا واحدا مما قاله له أحدهم ومما أجابه به ، قال :
  يا ابن رسول الله لم هادنت معاوية وصالحته ، وقد علمت ان الحق لك دونه ، وان معاوية ضال باغ ؟ .
 فأجابه :
  يا أبا سعيد ألست حجة الله تعالى على خلقه واماما عليهم بعد أبي ؟ قال : بلى ، قال : الست الذي قال رسول الله لي ولا حي : الحسن والحسين امامان قاما أو قعدا ؟ قال : بلى ، قال فأنا اذاً امام لو قمت وأنا امام اذا قعدت .
  يا ابا سعيد ، علة مصالحتي لمعاوية ، علة مصالحة رسول الله لبني ضمرة وبني أشجع ولاهل مكة حين انصرف من الحديبية ، اولئك كفار بالتنزيل ، ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل .
  يا أبا سعيد ، اذا كنت اماما من قبل الله تعالى ذكره ، لم يجب ان يسفّه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة ، وان كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبسا ، ألا ترى الخضر لما خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار ، سخط موسى فعله لاشتباه وجه الحكمة عليه ، حتى أخبره فرضي ، هكذا أنا ، سخطتم عليَّ بجهلكم وجه الحكمة ، ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الارض أحد الا قتل (1) .
 اقول : وللحسن من فصيلة هذا الجهاد ، جهاد اخر مثله ، مع فصيلة أخرى من الناس ، هم الامويون أنفسهم [ وسنشير اليه قريبا ] .
 وهذه وحدها خمسة ميادين ، أفنى الحسن عليه السلام فيها عمره الشريف وتحمل همومها بقوة ثابتة ، وجلد عنيف.
 ولم يبق ميدان للجهاد ، لم يبرز الحسن فيه للنضال.
 وانه اذ ينزل عن سلطان ملكه ، انما يجاهد في الله من هذا الطريق ابقاءً على الاسلام ، و تيسيرا لحياة المسلمين ، ودفعا للقتل عن المؤمنين ، وهو في ذلك كالذي يزل عن حقه في حياته جهادا في سبيل الله ، ويبيع الله نفسه ليشتري منه جنته.
 


1 ـ البحار ( ج 10 ص 101 ).


 2 ـ واما صبره
 فانه صدى جهاده ، والحصن الذي يلجأ اليه في مختلف ميادينه.
 ولقي من زمانه ومن أهل زمانه ، الحرمان و الخيانة و الغدر و المؤامرات و النفاق و الغيلة و نقض العهود ، و بهتان الاعداء و سبابهم ، و ازورار الاصدقاء و عتابهم ، وما لم يلقه أحد غيره فيما نعهد من زعماء التاريخ ، وتفجرت عليه من كل مكان ، المحن السود والنكبات الفواتن.
 فقابل كل ذلك بالصبر الذي لا توازنه الجبال.
 وعالج الاوضاع التي دارت حوله ، بما اوتي من الحكمة البالغة الحنكة الموهوبة ، متدرّجا معها من البداية الى النهاية ، لا يستسلم للغضب ولا يتأثر بالعاطفة ، ولا يستكين للحوادث ، ولا يتقلقل للمربكات ، ولا تهزّه الا نُصرَةُ الدين كلمة القرآن ودعوة الاسلام.
 وهذا هو الحسن السبط على حقيقته التي خلقه الله عليها. ولن ينكر على الحسن خصاله هذه ، الا متعنت جاهل ، أو عدّو متحامل ، وكانت مزاياه في عصره مُثُلَ المزايا ، وكان كرمه في الناس مضرب المثل. وكان من حلاوة حديثه ، و سرعة بديهته ، و قوة حجته ، و هيبته ، و حلمه ، و حجاه ، ما شهد به أعداؤه فضلا عن أصدقائه.
 انظر الى تقريظ معاوية له في خواتيم المشاجرات التي كان يثيرها عليه في مجالسه ، والى اطرائه اياه في مناسبات أخرى لا تتصل بهذه المشاجرات.
 فقال مرة وهو يطري حلاوة حديثه :
  ما تكلم عندي أحد أحب اليَّ اذا تكلم ان لا يسكت من الحسن ابن علي (1) .


1 ـ اليعقوبي ( ج 2 ص 202 ) ، وابن كثير ( ج 8 ص 39 ).


 وقال عنه وقد ذكر عنده :
  انهم قوم قد الهموا الكلام (1) .
 وقال عن هيبته وحسن محضره :
  والله ما رأيته الا كرهت غيابه وهبت عتابه (2) .
 وقال ايضا :
  فوالله ما رأيته قط ، جالسا عندي ، الا خفت مقامه وعيبه لي (3) .
 وقال يمدحه :

أما حسن فابن الذي كان قبله *** اذا سار سار الموت حيث يسير

وهل يلد الرئبال الا نظيره *** وذا حسن شبه له ونظير

ولكنه لو يوزن الحلم والحجا *** بأمر ـ لقالوا يذبل و ثبير (4)

نعم هذا هو معاوية وهو عدو الحسن رقم 1. واما مروان بن الحكم ، فهو الذي كان يقول عن الحسن عليه السلام : انه ليوازن حلمه الجبال (5) .
 وكان التظاهر بالثناء على الحسن من عدويه هذين ، دليل قوة الحسن في الناس ، والا فدليل خضوعهما للامر الواقع ، أو هو الستار الذي يسدله الخصم على الفكرة التي يجهز بها على خصمه.
 اما هذه المشاجرات التي مررنا على ذكرها مرورا ، والتي حفل بكثير منها بعض الموسوعات ذات الشأن ، فهي الحُدَيَّا (6) التي كان ينشط لها معاوية في مضطربه مع الحسن ، حين يوجد الحسن في الشام [ بعد الصلح ] أو حين يوجد هو في المدينة.
 


1 ـ العقد الفريد ( ج 2 ص 323).
2 ـ البحار ( ج 10 ص 116 ).
3 ـ شرح النهج ( ج 2 ص 101 ).
4 ـ ابن ابي الحديد ( ج 4 ص 73 ).
5 ـ ابن ابي الحديد ( ج 4 ص 5 و ص18 ).
6 ـ : ( المنازعة والمباراة ).


 وكانت مجالس يستعد لها معاوية ، بالاقوياء من أصدقائه الخلّص واقرابئه الأدنين ، الذين يساهمونه النظر الى أهل البيت عليهم السلام كالعائق لهم عن النفوذ الى قلوب الناس ، فيجمع اليه ـ عمرو بن العاص ، عتبة بن أبي سفيان ، وعمرو بن عثمان بن عفان ، والمغيرة بن شعبة ، والوليد بن عقبة بن أبي معيط ، ومروان بن الحكم ، وعبد الله بن الزبير ، وزياد أبن ابيه ، وربما جمع بعض هؤلاء دون بعض ، وربما ضم اليهم آخرين. ثم يدعو الحسن عليه السلام ، فلا يزال يبرز لمشاجرته رجال الحلبة من هذا الحزب ، الواحد تلو الاخر ، مشبوب الحفيظة ، وارم الانف لا يدع شيئا يقدر عليه فيما يتحدّى به الحسن الا أتاه ، ليشفي نفسه وليرضي هواه ، فاذا هي مؤامرة في أسلوب مشاجرة.
 أما الحسن عليه السلام وهو الصخرة الململمة التي تنحط عنها السيول ، وتقصر دونها الوعول ، ولا تبلغها السهام ـ على حد تعبير عبد الله بن جعفر عنه (1) ـ ، فقد كان له من براءة القلب وروحانية النفس وشعار الطهر ، ما يربأ به عن النزول الى مثل مهاتراتهم.ولكنه كان يجيبهم وهو يقول : أما والله لوالا أن بني أمية تنسبني الى العجز عن المقال لكففت تهاونا .
 ويردّ عليهم بالحجة القوية البالغة التي ترغم ذلك العناد الصاعد ليعود استكانةً وهزيمةً و ذهولاً.
 ويسعرض في بعض ردوده عليهم ، ميراث النبوة و ولاية الامر ، فيستدرجهم ببديهته التي تغترف من بحره المتدفق الزاخر ، الى الاعتراف له بحقه وبحق أبيه.
 


1 ـ يراجع المحاسن والمساويء للبيهقي ( ج 1 ص 62 ).


 ويمضي قائلاً فلا يزال بهم ، حتى يجزيهم على بذاءتهم المنكرة ، غير مستعين ـ مثلهم ـ بالكذب ، ولا متذرع ـ مثلهم ـ بالبذاء. بل يطعن كلاً على انفراده ، فيصيب منه أبرز مقوّماته ، في نسبه المعروف أو حسبه الموصوف ... وان أبلغ حدياك لخصمك ، أن تمسه في غروره وفي صميم مزاياه التي يخالها مناط أمجاده ، ومرتكز شخصيته.
 وكان الحسن في كل هذه المجالس ، الغالب القوي الى جانب الضعفاء المغلوبين.
 وكان أشد القوم شعورا بالضعف والتماسا للهزيمة [ في هذه المجالس ] كبيرهم الذي كان أكثرهم وسائل في القوة المادية الطيعة لاوامره ، وكان يغيظه أن يرى أشلاء اخوانه وبني عمومته ، مضرجةً بطعناتها النجل ، عند نهاية كل شجار.
 فيقول لهم آنذاك : قد كنت أخبرتكم و أبيتم ، حتى سمعتم ما أظلم عليكم بيتكم وأفسد عليكم مجلسكم ! .
 ويقول لهم : قد انبأتكم أنه ـ يعني الحسن ـ ممن لا تطاق عارضته ! .
 ويقول وهو يخاطب مروان بن الحكم : قد كنت نهيتك عن هذا الرجل ، وأنت تأبى الا انهماكا فيما يعنيك ، اربع على نفسك ، فليس أبوك كأبيه ، ولا أنت مثله. أنت ابن الطريد الشريد ، وهو ابن رسول الله صلى الله عليه واله الكريم ، ولكن رب باحث عن حتفه ، وحافر عن مديته .
 ويقول لعمرو بن العاص مؤنبا ومحرضا : طعنك أبوه ـ يعني أمير المؤمنين عليه السلام ـ فوقيت نفسك بخصييك ، فلذلك تحذره ! .
 ويقول له في مجلس اخر : لا تجار البحار فتغمرك ، ولا الجبال فتبهرك ، واسترح من الاعتذار ! .
 و يندم ابن الزبير ، وهو اذ ذاك من ندماء معاوية ، على مشاجرته للحسن (ع) ، فيعتذر قائلا : اعذر ابا محمد فما حملني على محاورتك الا هذا ـ ويشير الى معاوية ـ ، أحبَّ الاغراء بيننا ، فهلا اذ جهلت أمسكتَ عني ، فانكم أهل بيت سجيتكم الحلم والعفو .. .
 فيقول له معاوية وقد عزّ عليه أن يسمعه وهو يعتذر الى الحسن اعتذار المنهزم المغلوب : أما انه قد شفى بلابل صدري منك ، ورمى مقتلك فصرت كالحجل في كف البازيّ ، يتلاعب بك كيف أراد ، فلا أراك تفتخر على أحد بعدها ! .
 ويقول في أعقاب مشاجرة اشترك فيها ابن العاص و مروان و ابن سمية في جهة ، و الحسن بن علي (ع) في جهة ، ما لفظه : أجاد عمرو الكلام لولا أن حجته دحضت ، وتكلم مروان لولا أن نكص ، ثم التفت الى زياد وقال : ما دعاك الى محاورته ، ما كنت الا كالحجل في كف البازي ! .
 فقال عمرو : الا رميت من ورائنا ؟ ، قال معاوية : اذاً كنت شريككم في الجهل ، أفاخر رجلاً جده رسول الله وهو سيد من مضى ومن بقي ، وأمه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين . ثم قال لعمرو : والله لئن سمع به اهل الشام ، لهي السوءة السوءاء ، فقال عمرو : لقد ابقى عليك ، ولكنه طحن مروان وزيادا طحن الرحى بثفالها ، و وطئهما وطء البازل القراد بمنسمه ! ، فقال زياد : قد والله فعل ، ولكن معاوية يأبى الا الاغراء بيننا وبينهم .
 وهكذا شهد على معاوية بالاغراء على هذه المهاترات كل من ابن الزبير ورياد صريحا ، وشهد عليه السلام في الكثير من ردوده عليهم. قالوا : وخلا عبدالله بن عباس بالحسن ، فقبّل بين عينيه وقال : أفديك يا ابن عم والله ما زال بحرك يزخر ، وانت تصول حتى شفيتني من أولاد .... (1) .


1 ـ يراجع المحاسن والمساوىء للبيهقي ( ج 1 ص 59 ـ 64 ) ، والعقد الفريد ( ج 2 ص 323 ) ، والبحار ( ج 10 ص 116 ).
وتجد خطب الحسن عليه السلام في هذه المشاجرات مجتمعة في كتابنا أوج البلاغة ـ فيما اثر عن الامامين الحسنين من الخطب والكتب والكلمات ـ مشروحا.


 وكانت نصوص هذه المشاجرات بصيغها البلاغية ، وقيمها الادبية ، جديرة بالعرض ، كتراث عربي أصيل يدل بنفسه على صحة نسبه ويعطينا بأسلوبه وصياغته ، صورة عن أدب المشاجرات في عصره. ولكن الذي رغّبنا عن استعراضها في سطورنا هذه ، ايغالها المؤسف بالتهتــار البذيء ، الذي بلغ به صاغة الاكاذيب الامويون غايتهم ، فأساءوا لانفسهم أكثر مما أرادوا بعّد وهم ، وما كانوا محسنين.
 واذ قد آثرنا الرغبة عن استعراضها هنا ، فلا نؤثر أن نتجاهل ـ في موضوع الكلام على صبر الحسن عليه السلام ـ ما بلغته هذه المجالس ، من الاساءة الى الحسن ، وما بلغه الحسن في نفسه من عظيم الصبر عليها ، وعظيم البلاء في التعرض لها ولا مثالها من اساليب معاوية وأحابيله ، سلما وحربا.
 ومما لا شك فيه ، انها كانت مجالس مبيتة ، وكان لها هدفها السياسي المقصود ، وهي من هذه الناحية ، أحد ميادين معاوية ، فيما شنه على الحسن وشيعته من حزب الاعصاب التي استبدل بها حرب الميدان.
 ثم كان من ميادين حربه ( الباردة ) ما سيجيء الالمام بطرف منه في الفصول القريبة.
 3 ـ التضحية
 واما النوع الفريد من تضحيته ، فهو موقفه من الحكم والسلطان ، وفي سبيل مبدئه.
 وقد تكون التضحية بالعرش من صاحب الحق به ، أشد دلالة على انكار الذات من التضحية بالنفس. وانكار الذات في سبيل المبدأ ، أوضح صفات الحسن بن علي (ع) ، وأروع أدواته في جهاده الموصول الحلقات.
 وهي على كل حال ، آلم التضحيتين للنفس ، وأطولهما عناء في الحياة ، وأشدهما ارهاقا لكيان الانسان.


 وقديما كان الحرص على العرش أعنف اثرا في نفوس القائمين عليه ، من الحرص على النفس بله المبدأ ، فترى العدد الكثير ممن فدى عرشه بنفسه ، ولا ترى الا عددا ضئيلا جدا ممن فدى نفسه بعرشه.
 وفي التاريخ صور بشعة كثيرة من قرابين العروش التي كان يفتدي الملوك عروشهم بها اولا ، وبأنفسهم أخيرا [ اذا لم يكن بد من الفداء بالنفس ] .
 وعلى مثل هذه النسبة من كثرة التضحية بالنفس في سبيل التاج وندرة التضحية بالتاج في سبيل النفس ، كان الفرق بين قيمتها المعنوية فيما يتواضع عليه الناس من القيم المعنوية للاشياء.
 وذلك هو سر ما تستأثر به الحادثة النادرة ، من حوادث السخاء بالعرش من اهتمام الناس ، ولغط الاندية ، وقالة الجماهير. وهو سر ما تستثير من نهم المتطفلين الى الاشتباك بألوان النقاش ومختلف التحاليل والتعاليل. ولا يروى التاريخ حادثة سلطان يتنازل عن عرشه ، ثم لا يختلف عليه الناس ، فمن مصوّب ومخطيء ، وعاذر وعاذل ، [ فقوم له وآخرون عليه ] .
 الا الحسن بن علي عليهما السلام.
 فقد خرج عن سلطان ملكه ، وضحّى بامكانياته الدنيوية كلها ، في سبيل مبدئه ، فما شك انسان قط في نيته واخلاصه واستهدافه المصلحة ، وسمّو تضحيته في الله. وسمي عامه عام الجماعة اشعارا بالاجماع على موافقته والاخذ برأيه ـ عمليا ـ.
 وتلك هي آية عظمته في التاريخ.
 وآية مقامه المكين من قلوب المسلمين.
 وآية سلطانه الروحي الذي لا يضيره نزع الصولجان.
 وشكا بعضهم عزوفه ـ بهذه التضحية ـ عن معركة السلاح وكان من هؤلاء أفراد من كبار شيعته ، ولكن أحدا ممن شكا ذلك بدوافعه الزمنية ، لم يشكَّ قط في صحة ما أتاه الامام بدوافعه الدينية ، من صلاح الامة ، وحقن دمائها ، والانتصار لاهدافها.
 وسترى فيما تقرأه قريبا ـ في الفصل الاتي ـ أن العاتيين لم ينصفوا الحسن فيما شكوه منه ، أو عتبوا به عليه ، وان الحل الذي اتخذه الحسن للخروج من مشاكله الاخيرة ، كان هو المخرج الوحيد لظرفه الخاص.
 ولم يكن الحسن بن علي عليهما السلام ، حين قرر النزول الى اصعب التضحيتين ألما في النفس ، وأفضلهما أثرا في الدين ، واقلهما حدوثا في التاريخ ، وأكبرهما قيمة في عرف الناس ، مثارا لشبهة ، أو مجالا لنقد ، أو هدفا لاتهام ، وأين يجد الاتهام أو الشبهة او النقد سبيله فيمن يختار من الوجوه أشدها على نفسه. وأنفعها لغيره ، وأقربها الى ربه. وهو هو الرباني المعترف به ، والمطهر بنص الكتاب عن كل ما يوجب شبهةً أو خطأ او اتهاما.
 ومتى كانت الدنيا من حساب الحسن ، حتى يطمع بالحياة فيها ، وحتى يستأخر على حسابها ما ينتظره ـ في لقاء ربه ـ من المقام المحمود ، و ـ في جوار جده وأبويه ـ من الكرامة ، يحبونه بها ويزلفونه الى الله تعالى شأنه ؟
 ومتى كان الحسن بن علي ، الرعديد الجبان ، حتى يخاف القتل ، فيتقيه بالتنازل عن ملكه. ومن أين تَسمُتُ الى الحسن بن علي الجبانة يا ترى ؟. أمن أبيه اسد الله واسد رسوله ، أم من جديه رسول الله صلى الله عليه واله وشيخ البطحاء ، أم من عميه سيدي الشهداء العظيمين حمزة وجعفر ، أم من اخيه أبي الشهداء ، أم من مواقفه المشهورة في مختلف الميادين ، يوم الدار ويوم البصرة وفي مظلم ساباط (1) ، وهو ذلك الرئبال الذي اذا سار سار الموت حيث يسير على حد تعبير عدوه فيه ؟؟؟ [ والفضل ما شهدت به الاعداء ] .
 


1 ـ يراجع الفخري عن موقف الحسن يوم الدار ، و كتاب الجمل للمفيد عن مواقفه يوم البصرة ، و اليعقوبي عن بسالته في حادثة مظلم ساباط.


 وكانت تضحيته بسلطانه لذاتها ، من أروع آيات شجاعته ، لو كانوا يشعرون.
 فأين هو الطمع بالحياة ، أو الخوف من القتل.
 وليس في موازين الحسن ، الا مبادئُه التي لا يوازنها في حسابه شي ء اخر ، فرأى أن يفدي مبادئه بسلطانه ليحفظ كيانها وكرامتها ، وليحميها من الايدي العادية التي لا تخاف عاجل عار ولا آجل نار ، وتولّى شطر هذه الخطة متساميا على الدنيا لا يتغير ولا ينحرف ولا يحيد ، فاذا به المنتصر في صميم الخذلان ، والفاتح في صميم الهزيمة ، والظافر في صميم الانهيار.
 ورضي لنفسه أن تحيا حياة أهون من آلامها الموت ، صيانة لاهدافه من أن تموت ، ورضي لنفسه أن تكون بكل وجودها أداة الخير للغير ، دون أيّ استغلال أو استئثار أو احتكار. وهذا بمفرده ، قصارى ما يصل اليه أفذاذ المصلحين في التاريخ ، وقصارى ما تصبو اليه التربية الاسلامية لتحقيق وجهة النظر الاسلامي ، في نشر الاصلاح في الناس ، وفي تعبئة المبادىء الصحيحة في المجتمع.
 وكثير اولئك الذين خدموا مبادئهم ، بتحمل النوائب في أنفسهم ، الا أنّ أحدا من اولئك لم يبلغ مبلغ الحسن فيما تحمله ، من الوانها المختلفة ، التي اصطلحت عليه ، وصحبته كظله الملازم له حتى ختمت حياته ـ في نهاية المطاف ـ بالنكبة الكبرى.
 فكان ـ من جميع أطرافه ـ أمثولة الامام الصاعد في مثاليته ، والمصلح العظيم الذي اختط للمصلحين ، آلم التضحيات للنفس ، في سبيل الابقاء على المبدأ.
 وقاد الخطوات المقبلة ، بما زهد فيه من حظوظ الدنيا العاجلة ، فكان زهده في دنياه ، وصبره على مثل حياته ، وتضحيته بملكه ، هو نفسه جهادا في سبيل الله ، وانتصارا في خلود المبدأ ، وأداته في الخلود.

 

الفهرس