عقائد الشيعة الإمامية / الشيخ المفيد / مصادر الشيخ المفيد

 

 

- المسائل العكبرية - الشيخ المفيد ص 45 : -

المسألة الثانية عشر

وسأل فقال : ان قال المخالف : أوجدونا النص على علي عليه السلام ( 7 و ) في القرآن وأن النص أوجب من الاختيار بدليل عقل وشرع ، وبطلان الخبر المروى في الاستخلاف على الصلاة ، وانه لو صح لم يجز خلافة به .


والجواب - وبالله التوفيق ( 1 ) - : هذه ثلاث مسائل متباينات في المعاني والالفاظ ، وقد أمليت في كل واحدة منها كلا ما محفوظا عند أصحابنا ، وأوضحت فيها ما يحتاج إليه المسترشد من البيان . وأنا ( 2 ) أرسم في كل واحدة منها جملة من القول كافية في هذا المكان ، ان شاء الله ( 3 ) .


فصل .
أما قوله ( 4 ) : أوجدونا النص على أمير المؤمنين عليه السلام في القرآن ، فإنا نقول : إن ذلك ثابت في مجمله ( 5 ) دون التفصيل منه والظاهر الذى يخرج عن الاحتمال . ولو كان ظاهرا في القرآن على التفصيل والبيان ، لما وقع فيه تنازع واختلاف .

وليس وجوده في المحتمل من الكلام بمانع من قيام الحجة به على الانام ، كما كان النص على رسول الله صلى الله عليه وآله بالنبوة والبشارة به في مجمل كلام الله سبحانه من التوراة والانجيل . ولم يكن ( 6 ) ذلك مانعا من قيام الحجة به على الانام ،

وكما ثبت عند المخالف لنا إمامة أئمتهم ( 7 ) وإن لم يكن عليها نص جلى من القرآن ، وثبت انهم في الجنة ( 8 ) على قولهم ( 9 ) بالنص ( 10 ) عن

  * هامش *  
 

 1 - " والجواب وبالله التوفيق " ليست في رض ومل ومر ورص 2 . والموجود في ثلاثه الاخيرة : فصل .
 2 - رض ، مل : فانا .
 3 - رض ، رض 2 : + تعالى .
 4 - رض ، مل : أما قولهم . مر ، رض 2 : فاما قولهم .
 5 - مر : في الجملة . رض : في محله .

 6 - رض ، مل ، رض 2 : لم يك .
 7 - باقى النسخ : ائمته .
 8 - في الاصل : بالجنة . اخترناها عن سائر النسخ .
 9 - حش ، رض ، مل : على قوله .
 10 - في الاصل : في النص " اخترناها عن باقى النسخ . ( * )

 

 

- ص 46 -

النبي صلى الله عليه وآله وإن لم يكن ذلك موجودا في نصوص القرآن ، وكما ثبت ( النص ) ( 1 ) على النصاب في المال الذى ( 2 ) فيه الزكاة ، وصفة الصلاة وكيفيتها ، وصفة الصيام ، وفاسك الحج ، وإن لم يكن ذلك كله منصوصا في ( 3 )

القرآن ، وثبتت معجزات النبي ، صلى الله عليه وآله وقامت حجتها على الخلق وان لم تكن منصوصة في ظاهر القرآن ، فكذلك ثبتت ( 5 ) إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بانص من رسول الله صلى الله عليه وآله ( 6 ) وإن لم يكن ذلك مودعا في صريح القرآن .


فصل .
فمن المواضع التى ( 7 ) ثبت فيها النص على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام من مجمل القرآن قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم " ( 8 ) ففرض طاعة أولياء الامر كفرض طاعة نفسه ونبيه صلى الله عليه وآله ( 9 ) .


وأمير المؤمنين عليه السلام من أولياء الامر بغير إشكال ( 10 ) ، إذ كان للناس في معنى هذه الآية أقوال : ( 8 ظ )
أحدها أن أولياء الامر العلماء .
الثاني ( 11 ) هم أمراء السرايا .
الثالث ( 12 ) انهم الائمة للانام .

وقد حصل لأمير المؤمنين عليه السلام جميع هذه الاوصاف ، فكان من جملة العلماء باتفاق ، وكان من وجوه أمراء السرايا للنبى ( 13 ) صلى الله عليه وآله

  * هامش *  
 

 1 - أثبتناها عن رض ، مل ، مر ورض 2 .
 2 - مل : + تزكو . مر ، رض 2 : + يجب .
 3 - رض ، مل ، مر ، رض 2 : + ظاهر .
 4 - رض ، مل : للرسول . مر : الرسول . رض 2 : النبي الرسول .
 5 - رض 2 : ثبتنا .
 6 - حش : عليهم السلام . مر : عليهما السلام . رض 2 : عليه واله السلام .

7 - في الاصل : الذى ، صححناها على باقى النسخ .
 8 - سورة النساء ( 4 ) : 59 .
 9 - رض 2 : عليه وآله السلام .
 10 - رض : بلا اشكال .
 11 - باقى النسخ : والثانى .
 12 - باقى النسغ : والثالث .
 13 - رض : سرايا النبي . ( * )

 

 

- ص 47 -

بغير اختلاف ، وكانت له الامامة بعده في حال ، على الاجتماع ( 1 ) في ذلك وعدم التنازع فيه ين جمهور العلما ، فوجب أن يكون معينا بالآية على ما بيناه . وإذا كانت الآية مفيدة لفرض طاعته على حسب إفادتها طاعة النبي صلى الله عليه وآله ( 2 ) ثبت بذلك ( 3 ) إمامته في تنزيل القرآن ( 4 ) .


فصل .
ومن ذلك قوله تعالى : " يا ايها الذين آمنوا اتقوا اللة وكونوا مع الصادقين " ( 5 ) ، وقد ثبت أن المنادى به غير المنادى إليه ، وأن المأمور بالاتباع غير المدعو إلى اتباعه . فدل ذلك على أن ( 6 ) المأمورين باتباع الصادقين ليسوا هم الامة بأجمعها ،

وإنما هم طوائف منها ، وأن المأمور باتباعه غير المأمور بالاتباع ( 7 ) ، و لابد من تمييز الفريقين بالنص ، وإلا وقع الالتباس ( 8 ) وكان فيه تكليف ما لا يطاق .


فلما بحثنا عن المأمور باتباعه وجدنا القرآن دالا عليه بقوله تعالى : " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكثاب والنيين وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل

والسائلين وفى الرقاب وأقام الصلوة وآتى الزكوة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين ابأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون " ( 9 ) فذكر سبحانه خصا لا تقتضي لصاحبها بمجموعها التصديق والصدق ، ودل على انه عنى بالصادقين - الذين

  * هامش *  
 

 1 - رض 2 : الاجماع .
 2 - رض 2 : عليه واله السلام .
 3 - حش : ذكر .
 4 - مر : + 9 على ما بيناه .
 5 - سورة التوبة ( 9 ) : 119 .

 6 - رض ، مل : + المؤمنين . حش ، مر ، رض 2 : + أمير المؤمنين ، وهو تصحيف من الناسخ كما انه في حش قد شطب عليها .
 7 - رض : وأن المأمور بالاتباع غير المأمور باتباعه .
 8 - رض ، مل ، رض 2 : الاباس .
 9 - سورة البقرة ( 2 ) : 177 . ( * )

 

 

- ص 48 -

أمروا ( 1 ) باتباعهم - من جمع الخلال التى عددناها دون غيره ( 2 ) . وصح بذلك التمييز ( 2 ) بين المأمور بالاتباع والمدعو إلى اتباعه ، ولم نجد أحدا كملت له هذه الخصال المذكورة في القرآن من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله سوى أمير المؤمنين عليه السلام ( 4 ) ( 8 و ) بتواتر الاخبار ودلائل معاني القرآن .


ألا ترى انه ( 5 ) أعظم من آمن بالله واليوم الآخر وأجلهم وأرفعهم قدرا، إذ كان أولهم إيمانا ، وكان مشهودا له بالايمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ، وكان عليه السلام ممن آتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن

السبيل وفى الرقاب . وقد شهد بذلك له القرآن في قوله تعالى : " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا " ( 6 ) . وكان هو المعنى بذلك في هذه الآية على اتفاق العلماء ( 7 ) على تأويل القرآن .


وكان عليه السلام ممن أقام الصلاة وآتى الزكاة . وقد نطق القرآن بذلك فيه ( 8 ) على الخصوص والافراد ، حيث يقول سبحانه : " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون " ( 9 ) .

فكانت هذه الآية على ما جاء به الثبت ( 10 ) في تفسير القران ، وطابق اللفظ باللفظ في الاثنين " ( 11 ) معا على البيان ، وكان عليه السلام من الموفين لله بالعهد ، إذ لم يول الدبر في حرب قط و لا انهزم في مقام من المقامات عن الاعداء ، ولاعصى نبى الله تعالى ( 12 ) في شئ ،

  * هامش *  
 

( 1 ) - رض " مل ، مر ، رض 2 : أمر .
( 2 ) - في الاصل : غير ، صححناها على باقى النسخ .
( 3 ) - رض ، رض 2 : التميز .
( 4 ) - مل : صلوات الله عليه .
( 5 ) - رض ، مل ، مر ، رض 2 : + من .
( 6 ) - سورة الانسان ( 76 ) : 8 .

( 7 ) - رض 2 : وكان المعنى في هذه الآية علي باتفاق العلماء .
( 8 ) - حش ، رض ، مر ، رض 2 . فيه بذلك .
( 9 ) - سورة المائدة ( 5 ) : 55 .
( 10 ) - حش : السبب . مر ، رض 2 : الاثر .
( 11 ) - حش ، رض ، مل : الآيتين . رض 2 : التلفظ اللفظ في الاثنين .
( 12 ) - رض 2 : عليه وآله السلام . ( * )

 

 

- ص 49 -

ولا فرط في عهد له عليه وعقد على حال ( 1 ) .

وكان عليه السلام من الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، بظاهر شجاعته ( 2 ) وثبوته في كل هول، من غير جزع ولاخور له معروف ( 3 ) على حال ، وليس يمكن القطع باجتماع هذه الخلال لاحد سواه من الصحابة وغيرهم من الناس .

فثبت انه هو الذى عناه الله تعالى بقوله : " وكونوا مع الصادقين " ( 4 ) .
وهذا نص على فرض اتباعه والطاعة له والايمان ( 5 ) به في الدين من معنى المنزل في القرآن .


فصل .
ومن ذلك قوله تعالى : " إنما وليكم الله ورسوله و الذين آمنوا يقيمون الصلاة ويؤتون الزكوة وهم راكعون " ( 6 ) . فواجه الله سبحانه بالنداء جماعة أضافهم إلى غيرهم بالولاء، وجعل علامة المنادى إليه ايتاءه ( 7 ) الزكاة في حال الركوع ،

بقوله سبحانه : ويؤتون الزكوة وهم راكعون " ولا خلاف عند أهل اللغة ( 9 ظ ) أن قول القائل ( 8 ) : " جاءني زيد راكبا ، وجاءني زيد في حال ركوبه ، ورأيت عمرا قائما ورايت عمرا وهو قائم ، ورأيتة في حال قيامه " ، كل واحد ( 9 ) من

هذه الالفاظ يقوم مقام صاحبه ويفيد مفاده . وإذا ثبت أن الولاء في هذه الآية واجب لمن آتى الزكاة في حال ركوعه ، ولم يدع أحد من أهل القبلة لاحد انه آتى الزكاة في حال ركوعه ، سوى أمير المؤمنين عليه السلام وجب انه المعنى بقوله : [ " والذين آمنوا " ] ( 10 ) وإذا ثبت ولايته حسب ولاية الله ورسوله صلى الله عليه وآله ، وجبت له بذلك الامامة ،
 

  * هامش *  
 

( 1 ) - مل : كل حال .
( 2 ) - حش ، مل ، مر ، رض 2 : + عليه السلام .
( 3 ) - حش ، رض . مل : ولاخور معروف له . مر ، رض 2 : ولا جاوز معروفا له .
( 4 ) - سورة التوبة ( 9 ) : 119 .
( 5 ) - باقى النسخ : الايتمام .
( 6 ) - سورة المائدة ( 5 ) : 55 .
( 7 ) - في الاصل وحش ومل : اتيانه ، صححناها على رض ، وفي مر ورض 2 : بايتاء .
( 8 ) - رض ، مل : + " جاءني زيد وهو راكب " ، يفيد مفاد قوله : " جاءني زيد راكبا " .
( 9 ) - رض : واحدة .
( 10 ) - أثبتناها من رض ، مل ، رض 2 ومر . ( * )

 

 

- ص 50 -

إذ كانت ولاية الله ورسوله صلى الله عليه وآله للخلق إنما هي فرض الطاعة التى تجب للرعية . وهذا كاف في معنى الآية عن إطالة خطب ينتشر به الكلام .


فصل .
مع أن الولاية في اللغة وإن كانت تكون بمعنى المودة فإنها في هذا الموضع غير متوجهة إلا إلى معني فرض الطاعة ، لان قوله تعالى : " إنما وليكم الله " جار مجرى قوله : " لاولى لكم الا الله " ( 1 ) ومحال أن يقصد بالولاية هاهنا المحبة

والمودة ولانه ( 2 ) قد أخبر في آية أخرى أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض ، فدل على أن الولاية بهذه ( 3 ) الآية خاصة لأمير المؤمنين ( 4 ) ، عليه السلام بمعنى يزيد على المودة ، ولاوجه لما زاد على معنى المودة إلآ ما ذكرناه من فرض

الطاعة ، المقتضى لصاحبه من الخلق التقدم بالامامة ( 5 ) على من عداه من الانام . وفى هذا القدر مع ايجازه غناء ( 6 ) عما سواه ، والابانة ( 7 ) عما ذكرناه من تضمن الآية النص على أمير المؤمنين عليه السلام بالامامة حسب ما قدمناه .


فصل .
وقد اشتبه على ضعفة من مخالفينا اختصاص أمير المؤمنين عليه السلام بالولاية المذكورة في القرآن ، لظاهر لفظ العموم في قوله ( 8 ) : " والذين آمنوا " فأنكروا لذلك أن يكون المعنى بها أمير المؤمنين عليه السلام ، وهو واحد ، وهذا بعد منهم عن

اللغة ، إذ كانت قد أتت بمثله في مواضع كثيرة من القران كقوله تعالى : " إنا نخن نزلنا الذكر " ( 9 ) ، وهو لفظ عموم اختص بالبارى وحده تعالى ( 10 ) .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) - في الاصل وحش : الاولى لكم الله . صححناها على رض ومل .
( 2 ) - رض ، مل : لانه .
( 3 ) - حش ، رض ، مل : في هذه .
( 4 ) - حش : بأمير المؤمنين .
( 5 ) - رض ، مل : بالامام .

( 6 ) - رض ، مل : غنى .
( 7 ) - رض ، مل : وفى الابانة .
( 8 ) - رض : + تعالى .
( 9 ) - سورة الحجر ( 15 ) : 9 .
( 10 ) - رض : خص بالبارى تعالى وحده .

 

 

- ص 51 -

وكذلك قوله : " إنا أرسلنا نوحا الى قومه " ( 1 )
وقوله عزوجل : " والسماء بنيناها بأيد " ( 2 ) ،
وقوله : " إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم " ( 3 ) ،
وقوله : " يأيها الرسل كلوا من الطيبات " ( 4 ) ، والمخاطب به رسول [ 9 و ] واحد .
وقوله تعالى " يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن " ( 5 ) ، فواجه ( 6 ) تعالى بلفظ التوحيد ، ثم اتبع الكلام بلفظ الجمع . وقال المفسرون في قوله تعالى : " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس " ( 7 ) : ان الناس هاهنا واحد ،
وقوله ( 8 ) تعالى : " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات اكثرهم لا يعقلون " ( 9 ) نزلت في واحد بعينه نادى النبي صلى الله عليه وآله فقال : يا محمد إن مدحى زين وإن شتمى شين .
 

وقد جنى مخالفونا في هذا الباب على أنفسهم ( 10 ) . جناية واضحة ، وذلك لقولهم إن المعنى بقوله : " والذى جاء بالصدق وصدق به اولئك هم المتقون " ( 11 ) نزلت في واحد بعينه وهو أبو بكر بن أبى قحافة ، على قولهم ، فكيف جاز أن يعبر

عن أبى بكر بلفظ الجمع ( 12 ) ، وفسد أن يعبر عن أمير المؤمنين ( 13 ) بذلك ، لولا الخزى ، ( 14 ) والخذلان ؟ نعوذ بالله من عدم التوفيق !

  * هامش *  
 

( 1 ) - سورة نوح ( 71 ) : 1 .
( 2 ) - سورة الذاريات ( 51 ) : 27 .
( 3 ) - سورة الغاشية ( 88 ) : 25 - 26 .
( 4 ) - سورة المؤمنون ( 23 ) : 51 .
( 5 ) - سورة الطلاق ( 65 ) : 1 .
( 6 ) - حش ، رض ، مل : فواجهه .
( 7 ) - سورة البقرة ( 2 ) : 199 .

( 8 ) - رض ، مل : وقالوا في قوله .
( 9 ) - سورة الحجرات ( 49 ) : 4 .
( 10 ) - رض . مل : على أنفسهم في هذا الباب .
( 11 ) - سورة الزمر ( 39 ) : 33 .
( 12 ) - رض ، مل : الجماعة .
( 13 ) - حش . رض ، مل : + عليه السلام .
( 14 ) - في الاصل وحش : الحين ، صححناها على رض .

 

 

- ص 52 -

فصل .
وأما مسألتهم
( 1 ) : من أين صار النص أولى من الاختيار ؟

فالجواب ( 2 ) أنه كان كذلك لان من شرط الامام انه الافضل عند الله والاعلم الاشجع الاصلح ، وذلك مما لا يعلم المستحق له على التعيين بالعقل و لا بالحدس ( 3 ) ، فثبت انه لا طريق إليه إلا بالنصن من العالم بالسرائر ، والتوقيف منه عليه .

وأيضا فإن الامام يجب أن يكون معصوما كعصمة االنبى صلى الله عليه وآله و لا طريق إلى العلم بالعصمة إلآ من جهة النص من صادق عن الله ، أو علم معجز خارق للعادات . وأيضا فإن الاختيار طريقه السمع دون العقول . وليس في الشرع فرض الاختيار ولا اباحته ، فبطلت الدعوى له في الامامة ، وفى بطلانها ثبوت النص والتوقيف .


فصل .
وأما سؤالهم
( 4 ) ، في الخبر المروى عن النبي صلى الله عليه وآله انه استخلف أبا بكر على الصلاة .

فالجواب ( 5 ) أن ذلك من أخبار الآحاد التى لا توجب علما ولا عملا ، وما كان هذا سبيله لم تثبت ( 6 ) به ححة في الدين ، ولان الخبر بذلك جاء مختلفا في لفظه ومعناه اختلافا يتناقض ، والقصة واحدة ، فدل على فساده بحسب ما ذكرناه .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) - حش ، رض ، مل : والجواب عن مسألتهم .
( 2 ) - حش ، رض ، مل : فإنه كان .
( 3 ) - حش ، رض ، مل : بالحس .

( 4 ) - حش ، رض ، مل : والجواب عن سؤالهم .
( 5 ) - حش ، رض ، مل : فإن ذلك من أخبار . . .
( 6 ) - حش ، رض ، مل : لم يثبت . ( * )

 

 

- ص 53 -

ولانهم قد رووا عن النبي صلى الله عليه وآله رواية لا تنازع فيها ، أنه قال : " يؤمكم أقرؤكم للقرآن ، فإن استووا في القرآن فأفقهكم في الدين " ( 1 ) . ( ولم يكن أبو بكر أقرأ الصحابة ( 2 )  ، لما رووه من ( 10 ظ ) قوله صلى الله عليه وآله :

" أقضاكم علي ( 3 )  ، وأعلمكم با لحلال والحرام معاذ ( 4 )  ، وأفرضكم زيد ( 5 )  ، وأقرؤكم أبي ( 6 )  " . ( 7 )

وإذا كان يخالفها إلى غيرها ، لما تضمنه القرآن من قول النبي صلى الله عليه وآله : " وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه " ( 8 )  وهكذا جرت سنة الانبياء ( 9 )  لم يختلفوا فيها ، بل اتفقوا عليها من غير . ( 10 )  اختلاف .


فصل .
ولو ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله أمره بالصلاة ، على ما ادعاه أهل الخلاف ، لما أوجب ( 11 )  ذلك له الاستخلاف في مقام النبوة ، ولا النص ( 12 )  عليه بالامامة ، إذ ليس في الاستخلاف على الصلاة دليل على دعواهم الاستخلاف في

  * هامش *  
 

 1 - روى البيهقى ( في السنن الكبرى 3 / 125 ) بإسناد . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : يؤمكم أقرؤكم لكتاب الله ، وأقدمكم قراءة للقرآن ، فإن كانت قراءتكم سواء فأقدمكم هجرة ، فإن كانت هجرتكم سواء فأقدمكم سنا .

وروي الحاكم ( في المستدرك على الصحيحين 1 / 223 ) بإسناده عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يؤم القوم أكثرهم قرآنا ، فإن كانوا في القرآن واحدا فأقدمهم هجرة ، فإن كانوا في الهجرة واحدا فأفقههم فقها ، فإن كانوا في الفقه واحدا فأكبرهم سنا ، وانظر أيضا سنن أبى داود 1 / 160 ح 585 .

 2 - رض ، مل : + للقرآن .
 3 - بحار الانوار 41 / 141 ، وراجع الغدير 3 / 96 للوقوف على مصادر هذا الحديث من العامة .
 4 - في البداية والنهاية لابن كثر 7 / 96 مانصه : وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل . وفى حلية الاولياء 1 / 228 : أعلم أمتى بالحلال والحرام معاذ بن جبل .
 5 - في كنز العمال 11 / 684 ح 33304 مانصه : أفرض أمتي زيد بن ثابت .
 6 - في الطبقات الكبرى لابن سعد 3 / 498 : قال رسول الله صلى الله عليه آله وسلم : أقرأ أمتى ابى .
 7 - " وأقراكم أبي " ليست في رض ومل .
 8 - سورة هود ( 11 ) : 89 . 9 - رض ، مل : + عليهم السلام .
 10 - رض : + خلاف و .
 11 - رض ، مل : وجب .
 12 - رض . مل : ولا نص . ( * )

 

 

- ص 54 -

الامامة ، من عقل ولاعادة ولا شرع ولا لسان . وقد استخلف رسول الله صلى الله عليه وآله ابن أم مكتوم على الصلاة في المدينة ( 1 )  ، ولم يكن ذلك دليلا على استخلافه في الانام ( 2 )  .


وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمرو بن العاص على أبى بكر وعمر وأبى عبيدة بن الجراح ، وغيرهم من المهاجرين الاولين ، واستخلفه عليهم في الحرب والصلاة ، ولم يكن ذلك دليلا على استخلافه في الامامة العظمى على الانام.


واستخلف عمر بن الخطاب صهيبا مولاه على الصلاة بالمسلمين في مدة أيام الشورى ، ولم يكن في ذلك دليل على استخلافه في مقامه على الانام .


هذا وهم أنفسهم يروون عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : " صلوا خلف كل بر وفاجر " ( 3 )  ، فأباح الصلاة خلف الفجار ، وما أباحه لامته جاز أن يتولى فعله ، فلا يكون في تقديمه ( 4 )  رجلا للصلاة بالناس دليل على بره وطهارته ،

فضلا عن أن يكون في دليل على إمامة للانام ( 5 )  ، مع أنهم قد ناقضوا فيما اعتقدوه ورووه من الاخبار ، فرووا أن النبي صلى الله عليه وآله قال : " يؤمكم خياركم ( 6 )  " فأوجب ( 7 )  بهذا القول إلى ( 8 )  أن يكون الامام خيرا من المأموم .

 

 

* هامش *

 
 

 1 - حش ، رض ، مل : بالمدينة .
 2 - رض : في الامامة .
 3 - روي البيهقى ( في السنن الكبري 4 / 19 ) بإسناده عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : صلاو خلف كل بر وفاجر ، وصلوا على كل بر وفاجر ، وجاهدوا مع كل بر وفاجر . وراجع ايضا : كنز العمال 6 / 54 ح 14815 .
 4 - رض : تقديم النبي صلى الله عليه وآله .
 5 - رض ، مل : الانام .
 6 - في كنز العمال 7 / 596 ح 20433 : إن سركم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم خياركم .
 7 - رض ، مل : فوجب .
 8 - " إلى " ليست في رض ومل . ( * )

 

 

- ص 54 -

ورورا أن أبا بكر قال : " وليتكم ولست بخيركم ( 1 ) " . فنفى أن يكون خيرا من رعيته ، وذلك يبطل روايتهم ( 2 ) عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قدمه للصلاة ودل بذلك على أنه خيرهم . وإذا اختلفت أحاديثهم في هذا المعنى وتضادت أقوالهم

فيه على ما بيناه ، سقط التعلق في الاحتجاج منهم ( 3 ) بالصلاة ، على ما شرحناه وقد أفردت في مسألة الصلاة المنسوبة إلى أبى بكر كتابا ( 10 و ) استقصيت الكلام فيه ، وشرحت وجوه القول في معناه ، فمن ظفر به أغناه في هذا الباب عما سواه ، إن شاء الله .
 

  * هامش *  
 

 1 - شرح نهج البلاغه لابن أبي الحديد 1 / 169 ، وقال ابن سعد ( في الطبقات الكبرى 3 / 212 ) : أخبرنا وهب بن جرير قال : أخبرنا أبي سمعت الحسن قال : لما بويع ابو بكر قام خطيبا - فلا والله ما خطب خطبته احد بعد - فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، فإني وليت هذا الامر وأنا له كاره ووالله لوددت أن بعضكم كفائيه ، ألا وإنكم إني كلفتموني أن أعمل فيكم بمثل عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم . لم أقم به ، كان رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عبدا أكرمه الله بالوحى وعصمه به ، ألا وإنما أنا بشر ولست بخير من احد منكم فراعوني ، فإذا رأيتموني غصبت فاتبعوني ، وإن رأيتموني زغت فقوموني ، واعلموا أن لى شيطانا يعتريني ، فإذا رأيتموني غصبت فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم .

 2 - رض : مبطل رواياتهم . مل : مبطل روايتهم .
 3 - رض : منهم في الاحتجاج . ( * )