عقائد الشيعة الإمامية >> شرف الدين الموسوي

 

 

 

 

الرد على مسائل جار الله

مقدمة

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على هدايته لدينه، والتوفيق لما دعا إليه من سبيله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلّم عبده ورسوله جاء بالحق من عنده وصدّق المرسلين.

وبعد فقد وردت عليّ مسائل موسى جارالله كما رُفعتْ إلى غيري من علماء الإمامية بواسطة جمعية الرابطة العلمية الأدبية النجفية أعزها الله تعالى مؤرخة في 21 ذي القعدة سنة 1353 ووردت عليّ من طريق آخر أيضاً. فما وقفت عليها حتى أوجست من مغازيها خيفة على الوحدة الإسلامية أن تنفصم عروتها، وتتفرق جماعتها، إذ وجدتُ فيها من نبش الدفائن وإثارة الضغائن ما يشق عصا المسلمين ويمزقهم تمزيقاً، والدور عصيب، والظروف حرجة، لا تسع النقض والإبرام ولا المشادَّة والمنافثة، فضلاً عن هذه المحاربة، التي ليس بعدها مصاحبة. وكان الواجب ترك هذه الغارات، ولا سيما بعد أن تركتنا فرائس الحشرات، فحتى مَ هذا الارجاف؟ وفيم هذا الاجحاف؟ أليس الله عز وجل وحده لا شريك له ربنا جميعاً؟ والاسلام ديننا؟ والقرآن الحكيم كتابنا؟ وسيد النبيين وخاتم المرسلين محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلّم نبينا؟ وقوله وفعله وتقريره سنتنا؟ والكعبة مطافنا وقبلتنا؟ والصلوات الخمس، وصيام الشهر، والزكاة الواجبة، وحج البيت فرائضنا؟ والحلال ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرماه، والحق ما حقّقاه، والباطل ما أبطلاه، وأولياء الله ورسوله أولياؤنا وأعداء الله ورسوله أعداؤنا، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (ليجزي الذين أساؤوا بما علموا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) أليس الشيعيون والسنيون شرعاً في هذا كله سواءاً؟ (كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) والنزاع بينهما في جميع المسائل الخلافية صغروي في الحقيقة ولا نزاع بينهما في الكبرى عند أهل النظر أبداً، الا تراهما إذا تنازعا في وجوب شيء أو حرمته، أو في استحبابه أو في كراهته أو في اباحته، أو تنازعا في صحته وبطلانه، أو في جزئيته أو في شرطيته أو في مانعيته، أو في غير ذلك، كما لو تنازعا في عدالة شخص أو فسقه أو إيمانه أو نفاقه أو وجوب موالاته أو وجوب معاداته، فإنما يتنازعان في ثبوت ذلك بالأدلة الشرعية، وعدم ثبوته فيذهب كل منهما إلى ما تقتضيه الادلة الاسلامية، ولو علموا بأجمعهم ثبوت الشيء في دين الاسلام، أو علموا جميعاً عدم ثبوته في الدين الاسلامي، أو شك الجميع في ذلك لم يتنازعوا ولم يختلف فيه منهم شخصان وقد أخرج البخاري في صحيحه عن كل من أبي سلمة وأبي هريرة وعمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر، اهـ.

ولذا قال العلامة الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي المعاصر في رسالته ـ الجرح والتعديل ـ بعد ذكر الشيعة واحتجاج مسلم بهم في صحيحه ما هذا لفظه: لأن مجتهدي كل فرقة من فرق الاسلام مأجورون أصابوا أم أخطأوا بنص الحديث النبوي ا هـ.

وقال الشيخ رشيد رضا ـ في ص44 من المجلد 17 من مناره: إن من أعظم ما بليت به الفرق الاسلامية رمي بعضها بعضهم بالفسق والكفر مع أن قصد كل الوصول إلى الحق بما بذلوا جهدهم لتأييده واعتقاده والدعوة اليه، فالمجتهد وإن أخطأ معذور ـ وقد اطال في اثبات ذلك حتى بلغ ص 50 ـ وقال ابن حزم حيث تلكم فيمن يكفر ولا يكفر في ص247 من الجزء الثالث من كتابه ـ الفِصَل في الملل والنحل ـ ما هذا نصه: وذهبت طائفة إلى أنه لا يكفر ولا يفسق مسلم بقول قاله في اعتقاده أو فُتياً وان كل من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى أنه الحق فإنه مأجور على كل حال ان أصاب فأجران وإن أخطأ فأجر واحد (قال): هذا قول ابن أبي ليلى وابي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود بن علي وهو قول كل من عرفنا له قولا في هذه المسألة من الصحابة لا نعلم منهم خلافاً في ذلك أصلا إلى آخر كلامه. والذين صرّحوا بهذا ونحوه من أعلام الامة كثيرون فلاوجه إذن لهذا المشاغبات والله عز وجل يقول: (إنما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يقول: ذمة المسلمين واحدة يسعى بها ادناهم. وهم يد على سواهم، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين.

كنت أرى أن الاقتصار على هذا المقدار في جواب مسائل موسى جارالله أولى من الاستقصاء في ردها، والامعان في مناقشته عليها، فإن هذا أقرب إلى السلام، وأبقى للوئام ولكنني رأيته يلح في تفصيل الجواب، حتى طرق في ذلك كل باب فلم يبق بُدّ من إجابته، ولاسيما بعد أن كلفني بها من لا تسعني مخالفتهم من الأجلاء وأفاضل العلماء، وقد رأيت أن أضرب صفحاً عن كلماته الجارحة، ولا اناقشه بشيء من مجازفاته الفاضحة، وما أولانا بالاعراض عن نحو قوله: إن جميع كتب الشيعة اجمعت على امور لا تحتملها الامة واتفقت على أشياء كثيرة لا ترتضيها الائمة، وقوله إنها جازفت في مسائل منكرة مستبعدة ما كان ينبغي وجودها في كتب الشيعة، إلى آخر ما جازف به من الأقاويل، التي لا يمكن أن يقوم عليها دليل، ونحن لا نأبه بما لا دليل عليه، وما أشد تهافته في الغرور إذ يقول: أما الامور التي أعُدّها منكرة لا تحتملها الامة، ولا ترتضيها الأئمة فهي مسائل عديدة، ثم استرسل في غروره فجاء بعشرين مسألة رغب في الجواب عنها فبلغ الغاية في ذلك، وأنا أذكرها في هذه العجالة مع ما لدي من الجواب عنها مسألة مسألة، ومن الله استمد الهداية إلى الصواب، واياه أرجو حسن المآب، واليه ارغب أن يكون عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم، وان يهديني فيه الصراط المستقيم صراط الذين انعم الله عليهم (غير المغضوب عليهم ولا الظالين).