عقائد الشيعة الإمامية / شرف الدين الموسوي

 

 

الرد على مسائل جار الله

الرد على نسبة تكفير أبي بكر وعمر ولعنهما إلى الشيعة

 

 

المسألة الثانية: قال: وللشيعة في تكفير الاول والثاني صراحة شديدة ومجازفات طاغية، إلى آخر ارجافه. المسألة الثالثة: زعم أن لهم في لعنهما عبارات ثقيلة شنيعة، إلى آخر عدوانه

فأقول: ليس هذا الرجل أول من رمى الشيعة بهاتين المسألتين، ولا نحن أول من ناقش في ذلك، وقد أكل الدهر على هذه الامور وشرب، فالتحريش بمثل هذه المسائل ليس إلا إيقاظاً للفتنة الراقده، وإيقاداً للحرب الخامدة، (وتفريقاً بين المؤمنين، وارصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، وليحلفنَ إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد انهم لكاذبون) وأي فائدة للأمة في هذا البوق يجأر فيه المرجف بأنكر الاصوات؟ وأي عائدة من هذا الطنبور ونغمه المزعج، وقد تقطعت أوتاره بتقادم عهده؟ وطول ما وقعت عليه اجيال المرجفين، وقد كان لبني أبي سفيان وبني مروان وأوليائهم قدم في هذه الدعاية وهم أهل السطوة، وأهل الحول والقوة، وأهل الطول والثروة، وأهل المكر والنكرة، وأهل الخداع والحيلة، وقد سخروا كل ما ليدهم في تعريض هذه المسائل وتطويلها (فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين) والشيعة كانوا حيال ذلك كالجبل الأشم لا يحفل بالعواصف، ولا يأبه بالقواصف، هذا والعصر مظلم، والحياة مهددة، أما اليوم فنور وحرية يأبيان ذلك كل الاباء، وما على الشيعة لو جابهت النواصب بالحقيقة الناصعة، وأدلتها القاطعة، ولعل النواصب يضطروننا إلى هذا.

رأيت الحلم دل على قومي * وقد يُجهل الرجل الحليم

أستغفر الله، إن المسلمين إلى المسالمة أحوج منهم إلى الملاكمة، وما أغنانا عن استعراض مثل هذه المسائل المثيرة عونا في المعارك الفكرية التي لا تحمد عقباها، وقد اعذر من أنذر.

على أن هاتين المسألتين ـ مسألتي التكفير واللعن ـ مما لا وزن له عند أهل السنة لو رجعوا إلى اصول مذهبهم الاشعري، لأن الايمان عندهم عقد بالقلب لا ينافيه شيء مما يلفظه اللسان، حتى شتم الله تعالى ورسوله، كما نص عليه ابن حزم في ص204 من الجزء 4 من كتابه الفِصَل حيث نسب إلى إمام أهل السنة ابي الحسن بن اسماعيل الاشعري واصحابه القول: بأن الايمان عقد بالقلب، وإن أعلن الفكر بلسانه بلا تقية، وعبد الأوثان، أو لزم اليهودية أو النصرانية في دار الاسلام، وعبد الصليب، وأعلن التثليث في دار الاسلام، ومات على ذلك فهو مؤمن كامل الايمان عند الله ولي لله من أهل الجنة، هذا كلامه بعين لفظه، وقال في اول ص206 من الجزء 4 من فِصَله ايضاً: وأما الأشعرية فقالوا: إن شتم من أظهر الاسلام لله تعالى ولرسوله بأفحش ما يكون من الشتم وإعلان التكذيب بهما باللسان بلا تقية ولا حكاية، والاقرار بأنه يدين بذلك ليس شيء من ذلك كفراً، انتهى بعين لفظه.

نقل في الصفحة نفسها عن الأشاعرة القول بأن من عرف الحق من اليهود والنصارى المعاصرين لرسول الله فأعتقد بأنه رسول الله حقا، ثم كتم ذلك وتمادى في الجحود، واعلان الكفر، فحارب النبي في خيبر وغيرها فهو مؤمن عند الله، ولي لله تعالى من أهل الجنة.

قلت: ما عسى بعد هذا أن يقول المرجف بالشيعة مع علمه بما انعقدت عليه قلوبهم واعتقدته ضمائرهم، ولهجت به السنتهم ونبضت به شرايينهم، فخالط دمهم ومخهم، ونبت عليه لحمهم، واشتد عظمهم ودانت به جوارحهم من الايمان بالله وحده، والتصديق بما جاءت به رسله، وهبطت به ملائكته ونزلت به كتبه، ولو فرض أن في الشيعة جماعة يُكفرون أو يلعنون الذين ذكرهم هذا المرجف فإنهم انما نزلوا في ذلك علي حكم الادلة الشرعية، وهبها شبهاً لكنها توجب العذر لمن غلبت عليه، لأنها لا تعدو الكتاب والسنة، وقد أو جبت لهم القطع الجازم لما صاروا اليه، فهم معذورون ومأجورون بحكم ما سمعته من النص والفتوى، وقد قال ابن حزم ـ في ص 227 من الجزء الثالث من الفصل ـ ما هذه لفظه: وأما من سب أحداً من الصحابة فان كان جاهلا فمعذور، وإن قامت عليه الحجة فتمادى غير معاند فهو فاسق كمن زنى أو سرق، وإن عاند الله في ذلك ورسوله فهو كافر (قال): وقد قال عمر بحضرة النبي عن حاطب، وحاطب مهاجري بدري: دعني اضرب عنق هذا المنافق. فما كان بتكفيره حاطباً كافراً، بل كان مخطئاً متأولا.

قلت: هذا رأي من لا تزدهفه العاطفة، ولا يستخفه في هذه المسألة غضب، من كل عالم معتدل لا يؤثر على اتباع الأدلة شيئاً، وابن حزم لم يكن من هؤلاء المنصفين، لكن الله عز وجل غالب على أَمره، والحق ينطق منصفاً وعنيداً. إن أدلة العقل والنقل، وشواهد الطبع والوضع لتثبت معذرة المتأولين في هاتين المسألتين وامثالهما كما فصلناه في فصولنا المهمة.

وهو الذي صرح مجتهدو الامة. وقد كان الصحابة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتنازعون ويتشاتمون فلم يؤثر عنه في حقهم شيء سوى الصلح بينهم. وقد تشاتموا مرة امامه وتضاربوا بالجرائد والأيدي والنعال فأصلح صلى الله عليه وآله وسلم بينهم، وتقاتل الاوس والخزرج على عهده صلى الله عليه وآله وسلم واخذوا السلاح واصطفوا للقتال فلم يروَ عنه صلى الله عليه وآله وسلم إلا اصلاح ذات البينهم. وتشاتم عمار بن ياسر وخالد بن الوليد بين يديه صلى الله عليه وأله وسلم فأغلظ عمار لخالد فغضب خالد وقال: يا رسول الله اتدع هذا العبد يشتمني؟ فو الله لولا أنت ما شتمني، فقال رسول الله صلى لله عليه وآله وسلم: يا خالد كف عن عمار، فإنه من يسب عماراً يسبه الله، ومن يبغض عماراً يبغضه الله، الحديث وشتم رجل أبا بكر، والنبي جالس فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعجب ويبتسم، فلما أكثر الشتم رد عليه ابو بكر بعض قوله فغضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقام منصرفاً من المجلس، فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله كان يشتمني وأنت جالس؟ فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت، الحديث وليس فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعل مع ذلك الرجل او قال له شيئاً اصلا. وتسور على مقام ابي بكر أيام خلافته بالشتم رجل آخر فقال ابو برزة الاسلمي: يا خليفة رسول الله دعني أضرب عنقه، فقال: اجلس ليس ذلك لأحد إلا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا حكم أبي بكر فيمن واجهه بالسب وتسور علي مقامه بالشتم، فمن اين نحكم بعده بالتكفير، او نفتي بالتعزيز؟؟ واقتدى به في ذلك عمر بن عبد العزيز إذ كتب اليه عامله بالكوفة يستفتيه في قتل رجل سب عمر بن الخطاب، فكتب اليه: لا يحل قتل امرء مسلم بسب أحد من الناس، إلا رجلا سب رسول الله فمن سبه صلى الله عليه وأله وسلم حل دمه.

وأنت إذا نظرت في أحوال الصحابة بعد رسّول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجدت حروبا تشب، وغارات تشن، وحرمات مهتوكة ودماء مسفوكة، وشتماً وضربا، وهضما وسلباً، وحسبك: اقتلوا نعثلا فقد كفر، فحوصر وقتل، ثم كانت وقعة الجمل الاصغر فوقعة الجمل الأكبر فصفين، ثم كان معاوية وأوليائه ما كان مما طار في الأجواء، وطبق الأرض والسماء، فلينظر ناظر بعقله هل كان بين هؤلاء وبين الله عز وجل قرابة فيحابيهم بها؟ كلا ما كان الله ليثيب قوماً بأمر يعاقب عليه آخرين، إن حكمه في الأولين والآخرين لواحد، وما بينه عز وجل وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرمه على العالمين، فإذا كان التأول عذراً للأولين فهو عذر للآخرين (ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد).

 

 

فصل

إن في سيرة الصحابة نوادر تؤيد ما قلناه من أن الصحبة بمجردها ليست بعاصمة، وحسبك ما كان من قدامة بن مظعون

 

الصحابي إذ شرب الخمر على عهد الخليفة الثاني، وشهد عليه بذلك أبو هريرة الدوسي، والجارود العبدي، وهما يعلمان أنه أحد السابقين الأولين، وانه ممن هاجر الهجرتين، وانه من أهل بدر، فلم تمنعهما صحبته، ولا سابقته من الشهادة عليه ولا كان شيء من ذلك وازعاً للخليفة عن إقامة الحد عليه إذ جلده ثمانين.

وشهد أبو بكرة وهو من فضلاء الصحابة، ونافع بن الحرث وهو من الصحابة أيضاً، وشبل بن معبد وزياد بن عبيد ـ وهم اخوة لأم ـ شهدوا جميعاً عند الخليفة الثاني على المغيرة بن شعبة بالزنى، في محصنة الحجاج بن عتيك الجشمي؛ وهي أم جميل بنت عمرو، في قضية ثابتة هي من أشهر الوقائع التاريخية، فما أنكر عليهم أحد بشهادتهم على الصحابي بالفاحشة ولا رد الخليفة شهادتهم من حيث انها توجب رجم الصحابي، وحين تلكأ الشاهد الرابع وهو زياد أمر الخليفة بجلد كل من الشهود الثلاثة، ثمانين جلدة، ولم تكن صحبة أبي بكرة ونافع وازعة للخليفة عن جلدهما حدّ القذف.

وقال عمر لأبي هريرة مرة: يا عدو الله، وعدو كتابه سرقت مال الله، قال أبو هريرة: فقلت ما أنا بعدو الله، ولا عدُو كتابه ولكني عدو من عاداهما، ولا سرقت مال الله، قال: فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف؟ قال. قلت خيلي تناسلت، وعطائي تلاحق، قال: فأمر بها أمير المؤمنين فقبضت. الحديث، أخرجه ابن سعد في ترجمة أبي هريرة من طبقاته.

وقال ابن عبد ربه المالكي في أوائل الجزء الأول من عقده الفريد: دعا عمر أبا هريرة فقال له: هل علمت أني استعملتك على البحرين، وانت بلانعلين، ثم بلغني انك ابتعت أفراساً بألف دينار وستمائة دينار، قال: كان لنا أفراس تناتجت، وعطايا تلاحقت قال: قد حسبت لك رزقك ومؤنتك، وهذا فضل فأده، قال: ليس لك ذلك، قال: بلى والله أوجع ظهرك، ثم قام إليه بالدرة حتى أدماه، ثم قال: إئت بها، قال: احتسبتها عند الله قال: ذلك لو أخذتها من حلال، وأديتها طائعاً، آجئت من أقصى حجر البحرين يجبي الناس لك لا الله ولا للمسلمين، مارجّعت بك اميمة إلا لرعية الحمر، قال ابن عبد ربه وأميمة ام ابي هريرة، قال: وفي حديث ابي هريرة: لما عزلني عمر عن البحرين قال لي: يا عدو الله، وعدو كتابه سرقت مال الله، قال: فقلت: ما انا عدو الله، ولا عدو كتابه، ولكني عدو من عاداك، وما سرقت مال الله، قال: فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف؟ قلت خيل تناتجت، وعطايا تلاحقت، وسهام تتابعت، قال فقبضها مني فلما صليت الصبح استغفرت لأمير المؤمنين، قال لي بعد ذلك: اتعمل؟ قلت: لا، قال: قد عمل من هو خير منك يوسف عليه السلام، قلت: يوسف نبي، وانا ابن اميمة اخشى ان يشتم عرضي، ويضرب ظهري، وينزع مالي، اهـ.

قلت: لو كان أَمر الصحابة كما تعتقده العامة ما ضرب عمر ظهره، ولا شتم عرضه، ولا اخذ ماله. وقتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة وهما صحابيان، ونكح خالد من ليلته زوجة مالك ام تميم بنت المنهال، وكانت من اجمل نساء العرب ثم رجع إلى المدينة وقد غرز في عمامته اسهما، فقام إليه عمر فنزعها وحطمها، وقال له ـ كما في تاريخ ابن الأثير وغيره ـ قتلت امرءاً مسلماً ثم نزوت عن امرأته والله لأرجمنك بأحجارك ثم قال لأبي بكر ـ كما في ترجمة وثيمة بن موسى من وفيات ابن خلكان: إن خالداً قد زنى فارجمه، قال: ما كنت لأرجمه، فإنه تأول فأخطأ، قال: انه قتل مسلماً فاقتله به، قال ماكنت لأقتله به، إنه تأول فأخطأ، و ودى مالكا من بيت المال، وفك الاسرى والسبايا من آله.

وإن هذه العجالة لتضيق عن استقصاء ما كان من هذا القبيل من الحوادث الدالة على ان الصحابة لم يثبتوا لأنفسهم من المنزلة ما أثبته لهم المجازفون.