عقائد الشيعة الإمامية / شرف الدين الموسوي

 

 

الرد على مسائل جار الله

الجهاد عند الشيعة

 

 

المسألة السابعة: قال: تعتقد الشيعة أن جهاد الامم الاسلامية لم يكن مشروعاً وهو اليوم غير مشروع، إلى ان قال: الجهاد مع غير الامام المفترض طاعته حرام عند الشيعة مثل حرمة الميتة، وحرمة الخنزير الى آخر كلامه.

والجواب: أن هذا الرجل في كل ما ينقله عن الشيعة كراكب عمياء، في ليلة ظلماء، فان الجهاد ينقسم من جهة اختلاف متعلقاته خمسة اقسام.

احدها الجهاد لحفظ بيضة الدين إذا أراد أعداء الله مسّها بسوء، وهموا بأن يجعلوا كلمتهم أعلا من كلمة الايمان بالله، وان يكون الشرع باسمهم مناقضاً لدين الله عز وجل.

ثانيها الجهاد لدفع العدو عن التسلط على دماء المسلمين بالسفك واعراضهم بالهتك.

ثالثها الجهاد للدفاع عن طائفة من المسلمين التقت مع طائفة من الكفار فخيف من استيلائهم عليها.

رابعها الجهاد لدفعهم عن ثغور المسلمين وقراهم وأرضهم أو لا خراجهم منها بعد تسلطهم عليها بالجور، أو لجبر بيضة المسلمين بعد كسرها، واصلاحها بعد فسادها، والسعي في انقاذ المسلمين وبلادهم من أيدي الكفرة بالله عز وجل.

ويجب الجهاد في هذه الأقسام الاربعة باجماع الشيعة وجوبا كفائياً على معنى انه يجب على الجميع، إلى أن يقوم به منهم من فيه الكفاية، فيسقط عن الباقين سقوطاً مراعى باستمرار القائم به، إلى أن يحصل الغرض المطلوب شرعاً، وتختلف الكفاية بحسب الحاجة، بسبب كثرة العدو وقلته، وضعفه وقوته. ومن قتل في كل من هذه الأقسام الأربعة من المؤمنين فهو من الشهداء السعداء، وله في الآخرة ـ مع الاخلاص في النية ـ ما أعده الله للشهداء بين يدي خاتم الانبياء صلى الله عليه وآله وسلم من الدرجات الرفيعة، والمساكن الطيبة والحياة الدائمة والرضوان الخالد، ويسقط عن الأحياء وجوب تغسيله وتحنيطه وتكفينه، إذا لم يكن عاريا فيدفن في ثيابه ودمائه، ولا ينزع عنه شيء سوى الفرو والجلد، وما كان بقاؤه عليه مضراً في حال الوراث، هذا إذا قتل في المعركة، ولم يدركه المسلمون وفيه رمق من الحياة. ولا فرق في وجوب الجهاد في كل هذه الأقسام الأربعة، بين حضور الامام وغيبته، و وجود المجتهد وعدم وجوده، فيجب على الحاضرين من المسلمين والغائبين ـ إن لم يكونوا مرابطين في الثغور ـ أن ينفروا للجهاد تاركين عيالهم وأشغالهم وسائر مهماتهم، ويجب على من كان ذا مال أو جاه أو سلاح أو رأي أو تدبير أو حيلة أن يبذل مالديه من ذلك، وتجب في هذا المقام طاعة الرئيس الناهض بهذه المهمة، العارفب بتسريب العساكر وتدريب الحرب، وإن لم يكن اماماً، ولا نائباً خاصاً، ولا مجتهداً ـ لتعذر رياستهم في هذه الأيام ـ وله أن يأخذ من أموال المسلمين ما يتوقف عليه الأمر؛ ويجب القيام بهذه الرئاسة على كل من له الأهلية لها، وجوبا عينياً إذا انحصر الأمر فيه، وإلا كان الوجوب عليه كفائياً، وفقه الامامية، وحديثهم صريحان بهذا كله.

الخامس من أقسام الجهاد، ابتداء الكفار بجهادهم في سبيل دعوتهم إلى الإيمان بالله عز وجل، وغزوهم لأجل ذلك في عقر ديارهم، وبحبوحة قرارهم، وهذا المقام عندنا من خواص النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الامام النائب عن رسول الله نيابة صحيحة، أو المنصوب الخاص من احدهما فلا يتولاه المجتهدون النائبون عن الامام أيام غيبته ولا عيرهم. وقد اختلط الأمر على موسى جارالله فلم يعلم ان الممنوع من الجهاد عندنا في هذه الأيام إنما هو القسم الخامس دون الأربعة فانها واجبة، بحكم الضرورة من الدين الاسلامي، والمذهب الامامي، وجوبا كفائياً كما سمعت.

والحرب قد بانت لها الحقائق * وظهرت من بعدها مصادق

وشهدت يوم دارت رحاها العالمية، بآن علماء الامامية، كانوا في ساحتها من أرسخ المجاهدين قدماً، واعلاهم همما، وأمضاهم عزيمة وأشدهم شكيمة؛ قد لبسوا يوم القرنة في العراق لحرب لا متها وادّرعوا لها بدرعها، وكان في مقدمتهم الامامان المجاهدان الشيخ فتح الله المدعو شيخ الشريعة الاصفهاني، والشريف الوحيد السيد محمد سعيد الحبوبي الحسيني، وهما يومئذ من أجل مجتهد الشيعة في العراق، ومن أكبر شيوخ الاسلام على الاطلاق، وكان الشيخ قد أربى على الثمانين، والسيد قد ذرف عليها، فلم يمنعهما ضعف الشيخوخة؛ ودقة عظمها، ورقة جلدها، عن قيادة ذلك الجيش اللهام، المحتشد من العلماء الاعلام، والفضلاء الكرام، والأبرار الأخيار من أهل السوابق في نصرة الاسلام، وقد أبلوا في الجهاد بلاء حسناً لم يكن له نظير، حتى جاءهم من العدو مالا قِبَل لهم به، فتحرّفوا للقتال، وتحيزوا إلى فئتهم يستنفرونها للكفاح؛ فكان ما كان من سقوط العثمانيين وانجلائهم عن العراق، فقضى الشيخ والسيد نحبهما أسفاً ولهفا، وماتا وجداً وكمداً، فلحقا بالشهداء، وكانا من السعداء في دار البقاء، رفع الله درجتهما كما شرف خاتمتهما.