موقع عقائد الشيعة الإمامية >> العلامة الحلي >> مناهج اليقين في أصول الدين

 

المنهج العاشر: في الوعد والوعيد

وفيه مباحث

 

البحث الأول: في بيان وجه استحقاق هذه الامور

البحث الثاني: في مسائل يتعلق بالثواب والعقاب

البحث الثالث: في الإحباط والتكفير

البحث الرابع: في أن عقاب الفاسق منقطع

البحث الخامس: فيما يسقط به العقاب

المقصد الأول: في العفو

المقصد الثاني: في التوبة

المقصد الثالث: في الشفاعة

 

 

 

مقدمة

المستحق بالأفعال سبعة:

المدح، وهو القول الكاشف عن ارتفاع حال الغير مع القصد الى الرفع منه.

والذم، وهو القول الكاشف عن اتضاع حال الغير اذا قصد به ذلك، فقول المسلم للمسلم: يا مسلم مدح لقصده الى ارتفاعه، وقول اليهودي له ليس بمدح، وقول المسلم لليهودي: يا يهودي، ذم، بخلاف قول اليهودي.

والتعظيم، وهو كل قول أو فعل أو ترك يكشف عن ارتفاع حال الغير إذا قصد به ذلك.

والاستخفاف، وهو كل قول أو فعل يكشف عن اتضاعه مع القصد.

والثواب، وهو النفع المستحق المقارن للتعظيم والاجلال.

والعقاب، وهو الضرر المقارن للإهانة.

والشكر، هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم.

البحث الأول: في بيان وجه استحقاق هذه الامور

أما المدح والتعظيم فيستحقان بوجوه ثلاثة: فعل الواجب والمندوب والإخلال بالقبيح.

واما الذم والاستخفاف فيستحقان بفعل القبيح والإخلال بالواجب.

والثواب يستحق بما يستحق به التعظيم والمدح اذا كان مكلفا به والعقاب يستحق بما يستحق به الذم والاستخفاف.

والشرط في استحقاق ما يستحق بالمدح والتعظيم والثواب أن يفعل الواجب لوجه وجوبه او لوجوبه وهما متلازمان وأن يترك القبيح لقبحه، فإن الفاعل للواجب رياء او لغرض دنياوي غير مستحق لهما.

والشرط في استحقاق الذم والاستخفاف أن يمكنه التحرز من فعله لقبحه او لأنه إخلال بواجب، وهذا أيضا شرط في استحقاق العقاب والفاعل للقبيح، والمخل بالواجب مستحق للذم والاستخفاف سواء علم قبحه أو أنه إخلال بواجب او تمكين من العلم بذلك، وهاهنا شرط آخر في استحقاق الثواب وهو المشقة بما يستحق به الثواب.

مسألة : نقل عن المشايخ قبل أبي هاشم: إن الإخلال لا يستحق به شيء لكونه عدميا، وإنما يستحق بفعل الضد أعني ترك القبيح او ترك الواجب الذي يحصل عنده الإخلال بهما.

وأما أبو هاشم وأصحابه وأبو الحسين البصري فقد ذهبوا الى أنه صالح للعلية في الاستحقاق، قالوا: والدليل عليه أنا نعلم حسن المدح والذم بالإخلال بالقبيح والواجب وإن لم نعلم فعل الضد الذي يشيرون إليه كما أنا نعلم حسن المدح والذم بفعل الواجب والقبيح.

وألزم أصحاب المذهب الأول أبا هاشم كونه تعالى يستحق من المدح ما لا نهاية له، لأنه لا يفعل من القبيح ما يقدر عليه، وكذلك الواحد منا اذا لم يفعل الجهالات ما لا نهاية له.

وألزم أبو هاشم أصحاب المذهب الأول أن لا يستحق اللّه تعالى الذم اذا لم يفعل الثواب، وإنما الشرط أن يكلف لغرض الثواب والإلزامان غير واردين.

أما الأول، فإن عنوا به أنه تعالى يمدح بأنه لا يفعل جميع ما يقدر عليه من القبائح، فهو تعالى ممدوح بذلك.

وإن عنوا به أنه يفعل من الأقوال ما لا نهاية له، لم يلزم، لأن الأول كاف في مدحه بذلك، والواحد منا انما لا يستحق المدح على أن لا يفعل الجهل، لأنه لا يدعوه الداعي الى أن يفعله ولا يخطر بباله منه الاّ اليسير فلا يستحق المدح إلا على ذلك.

واما الثاني، فلأنه لو لم يفعله لكان عالما في الأزل بأنه لا يفعله فيفوت غرض التعريض بالتكليف فيقبح التكليف.

مسألة : المطيع يستحق بطاعته الثواب، وقد خالف في ذلك الأشاعرة بأسرهم وأبو القاسم الكعبي.

لنا أن التكليف مشقة يقبح فعلها من غير عوض وذلك العوض إن صح الابتداء به كان توسّط التكليف عبثا فهو عوض مستحق لا يصحّ الابتداء به وذلك هو الثواب لأنه عبارة عن النفع المستحق المقارن للتعظيم.

لا يقال: نمنع كونه عبثا على تقدير صحة الابتداء به، وذلك لأن النفع المستحق آثر عند العاقل من النفع المتفضل به لما في الثاني من الغضاضة، فلعل اللّه تعالى قصد بالتكليف إيصال النفع الى المكلف على وجه لا يكون عليه فيه غضاضة، ولأن نعم اللّه تعالى كثيرة وهي أجل النعم من الإيجاد والإحياء والإقدار وغير ذلك، فيجب أن يكون الشكر في مقابلتها أعظم الشكر وذلك هو العبادة، ولا شك أن من أنعم على غيره فشكره فإن الشاكر لا يستحق بذلك الشكر شيئا.

وأيضا يلزم أن من مات مرتدا يثاب ثواب المؤمن والتالي باطل فالمقدم مثله، بيان الشرطية أن فعل الطاعة السابق إن كان سببا لاستحقاق الثواب مطلقا وجب بقائه بعد الرّدة لأن الإحباط باطل على ما سيأتي، وإن كان سببا بشرط الموافاة لزم أن يحصل المعلول حال عدم العلة لا حال وجودها.

لأنا نجيب عن الأول، بأن نعم اللّه لا يخلو منها أحد، ومع ذلك فإن أحدا من العقلاء لا يجد في نفسه غضاضة من تلك النعم والعلم به ضروري.

وعن الثاني، أن تكليف العبد الشكر بالعبادة عقيب النعمة عليه قبيح، ولهذا فإن العقلاء يذمون من كلف غيره الشكر على نعمة أنعمها عليه وقالوا: إنه أبطل نعمته.

وعن الثالث، أن الشرط ليس هو الموافاة بل هو الاستمرار على فعل الطاعة والموافاة دليل على ذلك الاستمرار.

مسألة : اتفق اهل العدل على استحقاق العاصي العقاب بمعصيته، وخالفهم في ذلك الأشاعرة.

ثم اختلف العدلية فقالت المعتزلة والزيدية والقائلون بالوعيد: إن العلم به عقلي.

وقالت المرجئة ومن وافقها من الإمامية: ان العلم به سمعي.

احتجت المعتزلة بأن العاقل إذا علم أنه تعالى كلفه وعلم أنه حكيم علم أنه مريد لفعله، والمريد للفعل من غيره فاعل لما يقرب الفاعل من ذلك الفعل ويبعده عن تركه والعقاب من الأسباب المقربة للعبد الى الفعل فهو واجب في حكمته تعالى.

وأيضا أوجب علينا أفعالا، فإما أن يكون إيجابها لأجل النفع فيها وهو باطل بالنوافل، او لأن في تركها ضررا وذلك هو المطلوب.

وقالت المرجئة: لم لا يكون العقاب مشتملا على وجه من وجوه القبح؟ومعه لا يمكن الجزم بوجوبه، والمعتزلة ينفون هذا بأن وجوه القبح معلومة لنا لأنا مكلفون باجتنابها وهو بأسرها منفية هاهنا.

تذنيب : الثواب والعقاب انما يستحقان على اللّه تعالى لأنه هو المكلف لا غير، وهو الذي جعل هذه الأفعال شاقة، وهو تعالى المختص بالقدرة على إثابة المكلف دائما فكان الاستحقاق عليه تعالى.

وحكى قاضي القضاة عن الشيخ أبي علي: أن العقاب قد يستحق عن غيره تعالى كما في القصاص لولي الدم وهو عقوبة، وهذا ضعيف لأن القصاص انما وجب شرعا للمصلحة لا من جهة العقل، ولهذا إذا تاب القاتل واعتذر لا يسقط عنه القصاص، ولأن ولي الدم لا مضرة عليه في قتل وليه فكيف يكون هو المستحق للعقوبة دون الاجنبي؟ مسألة : اختلفوا في العلم بدوام الثواب والعقاب، فقالت المعتزلة: إنه عقلي، وذهبت المرجئة الى أنه سمعي.

احتج الأولون بوجوه:

احدها: أن العلم بدوام الثواب والعقاب ادعى الى الفعل الواجب وترك القبيح، فيكون أدخل في باب اللطف فيكون واجبا.

الثاني: أن المدح والذم [دائمان فيكون الثواب والعقاب كذلك، بيان الشرطية ان المدح والذم] معلولا للطاعة والمعصية وهما لا شك في دوامهما فالعلتان كالدائمتين فالمعلولان الآخران أعني الثواب والعقاب دائمان.

الثالث: أن التفضل الدائم قد يستحسن، فلو لم يستحق الثواب على الدوام لكان التفضل الدائم آثر عند العقلاء من الثواب المنقطع فكان لا يحسن التكليف تعريضا له، بل الاولى أن يكون قبيحا، لأن وجه حسن التكليف هو أنه تعريض لمنافع لا طريق إليها الا التكليف فلو كان طريق الى ما فوقه لكان التكليف قبيحا.

اعترضت المرجئة على الأول، بأن العلم بجهة الحسن لا يقتضي الوجوب لجواز اشتماله على نوع مفسدة، وقد مضى هذا.

وعلى الثاني، أنه كما قد يحصل الحسن والقبح الموجبان للمدح والذم ولا يحصل الثواب والعقاب كما في حق اللّه تعالى، فلم لا يجوز حصول الحسن والقبح الموجبان للمدح والذم ولا يحصل دوام الثواب والعقاب في حق العبيد؟ وعلى الثالث، أنه قد يحسن التكليف، لأن للنفع المستحق مزيّة على المتفضل به فجاز أن يختار المكلف التكليف لتلك المزيّة وقد يمكن الجواب عن هذه.

البحث الثاني: في مسائل يتعلق بالثواب والعقاب

مسألة : يجوز توقف الثواب على شرط، لأن العارف باللّه تعالى مطيع لا يستحق ثوابا الاّ بشرط المعرفة بالنبي عليه السلام والنظر في معجزته.

لا يقال: الثواب إنما يستحق بالإيمان الذي هو معرفة اللّه تعالى ومعرفة رسوله فلا يلزم أن يكون جزء الايمان الذي هو معرفة اللّه تعالى سببا في الاستحقاق، سلمنا لكن يجوز أن يقال: إنه عارف ولكنه لا يستحق ثوابا لجواز أنه لم يوقع المعرفة على وجه القربة أولم يوقعها لوجه وجوبها، سلمنا لكن لو توقف استحقاق الثواب على شرط لجاز توقف استحقاق المدح على شرط والتالي باطل لأن العقلاء يمدحون على فعل الطاعة من غير تأخير.

وبيان الشرطية أن المقتضي لاستحقاق الثواب والمدح هو الطاعة، فلو لم تكف الطاعة في استحقاق الثواب لم يكف في استحقاق المدح.

لأنا نقول: كما يستحق الثواب على مجموع الإيمان فكذلك يستحق على أجزائه، لأن كل واحد من تلك الأجزاء له مدخل في التأثير، ولأن كل من عرف اللّه تعالى ومات فانه يستحق الثواب.

قوله: لا يستحق ثوابا لأنه لم يوقعها على وجه القربة، قلنا: وقوع المعرفة على وجه القربة ممتنع، فإن من لا يعرف اللّه تعالى لا يتقرب إليه.

قوله: لم يوقعها لوجه وجوبها، قلنا: وجه الوجوب في المعرفة هي أنها دافعة للضرر الحاصل من الخوف، ولا شك أن من خاف من ترك المعرفة فإنه يفعلها لدفع ذلك الضرر.

وأيضا وجه وجوب المعرفة ليس له مدخل في الاستحقاق، لأن وجه الوجوب إما جلب النفع له او دفع الضرر، ومن فعل الواجب لهذين لم يستحق المدح بل يذمه العقلاء، ولأجل ذلك اتفقت العدلية بأسرهم أن من فعل لأجلها لم يستحق الثواب.

قوله: المدح معلول الطاعة ولا يتوقف فلا يتوقف الثواب، قلنا: أين دليل الملازمة؟ولا استبعاد في كون أحد المعلولين مشروطا دون الآخر.

وأيضا فإنه يجوز أن يحصل أحد المعلولين دون الآخر فالتوقف لأحدهما على شرط أولى، فإنه تعالى يستحق المدح بالواجب ولا يستحق الثواب.

مسألة : اختلفت المعتزلة في اشتراط الموافاة في الثواب والعقاب.

فقال بهما مشايخ بغداد، وأنكره الباقون.

والقائلون بالموافاة اختلفوا، فمنهم من قال: لا تثبت الاستحقاق بهما إلا في الآخرة وهو إذا وافى العبد بالطاعة سليمة إلى دار الآخر، ومنهم من قال: بل يثبت في حال الموت وهو إذا وافى العبد بهما الى الموت، ومنهم من قال: بل في حال الطاعة او المعصية بشرط الموافاة وهو أنه اذا كان معلوم الحكيم منه أنه لا يحبط الطاعة الى حالة الموت او لا يندم على المعصية الى حالة الموت.

واحتج المشترطون بأن ثواب الإيمان دائم، فلو لم تتوقف على الموافاة لكان المرتد إما أن يستحق العقاب الدائم مع استحقاق دوام الثواب [فهو باطل]،أو يكون أحدهما زائلا بالآخر وهو المطلوب.

واحتج النافون بأن حسن المدح والذم على الطاعة والمعصية غير متوقف فكذلك الثواب والعقاب.

مسألة : اعلم أنه يطلق على الذنب أنه صغير وأنه كبير، إما على الاطلاق أو باعتبار الطاعة والمعصية، فالذنب الصغير مطلقا هو الذي ينقص عقابه عن عقاب فاعله او يساويه في كل وقت، وإنما قلنا في كل وقت لأنه إذا اختلف به الحال فكان يزيد عقابه على ثوابه أو يساويه في وقت وينقص عنه في وقت لم يجز إطلاق الوصف فيه بأنه صغير بل ينبغي أن تقيد بتلك الحال.

والكبير في مقابلته وهو يزيد عقابه في كل وقت على ثواب فاعله والتقييد بكل وقت لما ذكرناه أوّلا.

وأما إذا أخذ في مقابلة الطاعة والمعصية فالذنب الصغير هو الذي ينقص عقابه في كل وقت عن ثواب تلك الطاعة أو عقاب تلك المعصية، وكذلك إذا قيل:

هذا كبير في جنب هذه الطاعة أو في جنب هذه المعصية، أي يزيد عقابه على ثوابها أو على عقابها في كل وقت.

البحث الثالث: في الإحباط والتكفير

لا خلاف بين المسلمين في أن الكفر يزيل استحقاق ثواب الطاعات السابقة، والإيمان يزيل استحقاق العقاب السابق.

وإنما الخلاف في أنه هل يجوز اجتماع استحقاق الثواب والعقاب من غير أن يحبط أحدهما الآخر أم لا؟ وقبل الخوض في ذلك فاعلم أن الإحباط يراد به خروج الثواب والمدح المستحقين عن كونهما مستحقين بذم أو عقاب أكثر منهما لفاعل الطاعة، والتكفير هو خروج الذم والعقاب عن كونهما مستحقين بثواب ومدح لفاعل الصغير.

إذا عرفت هذا فنقول: جمهور المعتزلة على أنه لا يمكن اجتماع الاستحقاقين، والحق عندي خلافه، ويدل عليه قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ، وقوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ.

واعلم أن المكلف إذا فعل خمسة أجزاء من الثواب ثم فعل فعلا آخر استحق به خمسة أجزاء من العقاب، فالطاري إما أن يحبط الأول ولا يزول هو في نفسه وهو قول بالإحباط، او يحبط الأول ويزول هو أيضا وهو قول أبي هاشم في الموازنة.

وأبطل قول أبي علي بوجوه:

احدها: أن التنافي إما أن يكون بين الطاعة والمعصية او بين الثواب والعقاب، والأول باطل لأن أحدهما مفقود عند وجود الثاني، والثاني باطل أيضا لأن العقاب والثواب في حال المنافات يكونان معدومين ولا تنافي في المعدومات.

وثانيها: أن من زادت حسناته على سيئاته يلزم أن يكون عند العقلاء بمنزلة من لم يحصل منه إساءة، وكذلك بالعكس، وإن تساويا لزم أن يكون بمنزلة من لم يحصل منه الإساءة والإحسان، وكل ذلك باطل بالضرورة.

وثالثها: أن الثواب والعقاب إما أن يكونا متنافيين أو لا، والثاني يفيد المطلوب، وعلى تقدير الأول لا ينفي أحدهما الآخر، لأن المنافاة من الطرفين فلم يكن الطاري بأن يزيل الباقي أولى من أن يمنع الباقي الطاري من الوجود.

وأبطل قول أبي هاشم بأن من فعل خمسة أجزاء من الثواب عقيب خمسة أجزاء من العقاب فليس زوال إحدى الخمستين بالخمسة المتأخرة أولى من الأخرى، ولأن زوال خمسة أجزاء الثواب بخمسة أجزاء العقاب يستلزم القول بكون المغلوب غالبا، أو يكون كل واحد منهما يعدم ويوجد دفعة واحدة وهو محال.

حجة المعتزلة وجهان:

الأول: قالوا: لو لم يكن القول بالإحباط حقا، إما عند زيادته كما هو مذهب القائلين بالموازنة، أو عند تأخره كما هو مذهب القائلين بالموافاة، كان الاستحقاقان باقيين والتالي باطل فالمقدم مثله والملازمة ظاهرة.

وبيان بطلان التالي أن إيصال الثواب والعقاب الى المكلف إما أن يكونا في الاستحقاقان باقيين والتالي باطل فالمقدم مثله والملازمة ظاهرة.

وبيان بطلان التالي أن إيصال الثواب والعقاب الى المكلف إما أن يكونا في حالة واحدة وهو محال لأن الثواب يجب خلوصه من الشوائب وكذلك العقاب.

وإما أن يكونا في وقتين، فيجب تقدم أحدهما ويوجد الآخر عقيبه وذلك باطل لأن كل واحد منهما دائم.

الثاني: يلزم حسن ذم من أحسن إلينا بأعظم ما يمكن ان يكون من الإحسان على اقل ضرر صدر منه، واللازم باطل فالملزوم مثله.

والجواب عن الاول، انه مبني على دوام عقاب الفاسق، وهو باطل بما يأتي.

وعن الثاني، بالمنع من قبح الذم، بل يحسن مدحه على الإحسان وذمه على ذلك القبيح.

البحث الرابع: في أن عقاب الفاسق منقطع

خالف في ذلك الوعيدية، ولنا في ذلك العقل والنقل، أما العقل من وجوه:

احدها: أن القول بخلود الفاسق ظلم فلا يصدر عنه تعالى، بيان الصغرى أن القول بالإحباط باطل على ما بينا فالفاسق مستحق للثواب بطاعاته وإيمانه، فلا بد من إيصاله إليه، ولا يمكن ذلك قبل العقاب إجماعا فوجب أن يكون بعد العقاب، وذلك هو المطلوب.

ثانيها: أن القول بخلود الفاسق يؤدي الى محال وهو مساواته لحال الكافر مع اختلاف معاصيهما في العظم مع اقتران الإيمان بالفسق وانفكاكه عن الكفر.

وثالثها: أنه يقبح من الحكيم أن يعبده الانسان مائة سنة ثم يفسق مرة واحدة فيحبط بذلك تلك الطاعات بأسرها.

ورابعها: أن معصية الفاسق متناهية فلا يستحق بها عقابا لا يتناهى ولا ينتقض ذلك بالكفر الذي هو أعظم المعاصي المساوي لما لا يتناهى منها.

وأما المنقول، فآيات: منها قوله: يٰا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ الى قوله: اَلنّٰارُ مَثْوٰاكُمْ خٰالِدِينَ فِيهٰا إِلاّٰ مٰا شٰاءَ اللّٰهُ، فاستثنى من الخلود ما شاء اللّه وليس إلاّ أوقات الخروج منها.

اعترضوا على هذه بوجهين:

الأول: أن هذه عامة في الفساق والكفار، فتخصيص الاستثناء باحدهما دون الآخر لا لمخصص.

الثاني: أنه يحتمل الاستثناء ما قبل الدخول.

وهذان ضعيفان، أما الأول، فالتخصيص مستفاد من الأدلة الدالة على استحقاق الفاسق الثواب.

وأما الثاني، فلأن الخلود إنما يكون بعد الدخول، فالاستثناء لو صرف الى ما قبله لزم الإضمار من غير فائدة والقبح في اللفظ.

ومنها قوله تعالى: وَ قٰالُوا مٰا لَنٰا لاٰ نَرىٰ رِجٰالاً كُنّٰا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرٰارِ، وهذا لا يكون الاّ اذا فقدوا قوما خرجوا منها.

ومنها قوله تعالى: خٰالِدِينَ فِيهٰا مٰا دٰامَتِ السَّمٰاوٰاتُ وَ الْأَرْضُ إِلاّٰ مٰا شٰاءَ رَبُّكَ، وهما غير دائمين فالمعلق عليهما كذلك.

وأيضا الاستناد دليل على خروجهم من النار، وأيضا فقد رويت أحاديث كثيرة بالغة حد التواتر أن يخرج اللّه من النار قوما بعد ما صاروا حمما.

واحتجت الوعيدية بالعقل والنقل، أما العقل فهو أن الفساق لو أخرجوا من النار فإما أن يدخل الجنة أو لا، والثاني باطل إجماعا، والأول إما أن يثابوا أولا، والأول إما أن يثابوا تفضلا أو استحقاقا، والأول باطل اجماعا، والثاني باطل بالإحباط، والثاني أيضا باطل اجماعا.

وأما النقل فالآيات الدالة على الخلود من قوله تعالى: وَ مَنْ يَعْصِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نٰاراً خٰالِداً فِيهٰا، ومن قوله تعالى: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً، ومن قوله: بَلىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحٰاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، والخلود هو الدوام بالنقل عن أهل اللغة، وبقوله: وَ مٰا جَعَلْنٰا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ، وبأنه يتأكد بالدوام كقوله تعالى: خٰالِدِينَ فِيهٰا أَبَداً، واستثناء اي وقت شيئا منه والاستثناء يخرج الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه، لأنه كذلك في أسماء العدد اتفاقا فيكون مطلقا كذلك وإلا لزم الاشتراك او المجاز وكلاهما محال.

والجواب عن العقل أنه مبني على الإحباط، وقد أبطلناه.

وعن الآيات من وجهين:

الأول: لا نسلم أن الخلود موضوع للدوام، وما ذكرتموه لا يدل عليه، أقصى ما في الباب أنه قد أريد به الدوام في بعض المواضع، وذلك لا يدل على أنه موضوع له لجواز أن يكون موضوعا للقدر المشترك بين المكث المتطاول من غير دوام وبينه مع الدوام، وهذا أولى، لأنه قد استعمل في كل واحد من المعنيين والاشتراك والمجاز منتفيان.

ثم إنا نعارضهم بآيات الخلود في الوعد من قوله تعالى: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ أُولٰئِكَ أَصْحٰابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ.

الثاني: المنع من عموم لفظةمن هاهنا، إما بالمنع من كونها كذلك في اصل اللغة كما هو مذهب المنكرين للعموم او مذهب المعترفين به المنكرين لكون هذه الصيغة من صيغته.

وإما بالمنع من كونها هاهنا كذلك جمعا بين الأدلة.

مسألة : اتفق المسلمون على أن الكافر المعاند مخلد، أما الكافر الذي بالغ في الاجتهاد ولم يصل الى الحق فقد اتفقوا على أنه كذلك، الا الجاحظ والعنبري فانهما قالا: أنه معذور لقوله تعالى: مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.

وهذا القول عندي باطل.

أما أولا، فلمخالفة الإجماع، وأما ثانيا، فلأن البالغ في الاجتهاد إما أن يصل أو يموت على الطلب وكلاهما ناجيان، ومحال أن يؤدي الاجتهاد الى الكفر، والكافر إن قلد كافرا او كان جاهلا جهلا مركبا كان مقصرا على التقديرين، وقوله تعالى: مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج ليس على عمومه.

البحث الخامس: فيما يسقط به العقاب

وهو ثلاثة أشياء: العفو، والتوبة، والشفاعة.

فهاهنا ثلاثة مقاصد:

المقصد الأول: في العفو

اتفقت المعتزلة على أنه لا يجوز العفو ابتداء عن أصحاب الكبائر سمعا، واختلفوا في جوازه عقلا فذهب البغداديون الى أنه لا يجوز، وذهب البصريون الى جوازه، وذهبت الإمامية الى جوازه عقلا وسمعا.

اما عقلا فلأن العفو إحسان فيكون حسنا والمقدمتان قطعيتان ولأنه حقه وفي استيفائه ضرر على المكلف فلا مضرة عليه تعالى في إسقاطه فيكون إسقاطه حسنا قطعا.

لا يقال: العلم بالعفو إغراء بالقبيح فيكون العفو قبيحا ولأن العفو مع الوعيد كذب.

لأنا نقول: العفو ليس بقطعي فلا يكون إغراء كما أن المكلف يسقط بتوبته العقاب مع أن التوبة ليست إغراء بالقبيح لأنها ليست متيقنة الحصول أما الوعيد فمعارض بآيات الوعد.

وأما النقل فوجوه:

احدها: قوله تعالى: إِنَّ اللّٰهَ لاٰ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ.

فنقول: هذا الغفران إما أن يكون مع التوبة أو بدونها، والأول باطل للإجماع بأن الشرك مغفور على التوبة فالثاني حق، ولا يمكن أن يقال: إن عدم غفران الشرك مع عدم التوبة وغفران ما دون ذلك بها لخروج الكلام عن النظم الصحيح فلا يبقى للفصل معنى، ولأن الغفران مع التوبة واجب فلا يجوز تعليقه بالمشية.

لا يقال: الغفران هو الستر لا الإسقاط، وتحقيق الغفران في حق صاحب الذنب تأخير عقوبته الى يوم القيامة، وتحقيق عدمه في حق الكافر هو تعجيلها، وتحقيق هذا التأويل ما قبل الآية من قوله: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ آمِنُوا بِمٰا نَزَّلْنٰا مُصَدِّقاً لِمٰا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهٰا عَلىٰ أَدْبٰارِهٰا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمٰا لَعَنّٰا أَصْحٰابَ السَّبْتِ ثم عقب بعد ذلك بقوله إِنَّ اللّٰهَ لاٰ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ، التقدير إن لم تؤمنوا فعلنا بكم كما فعلنا بأهل الكتاب من طمس الوجوه والمسخ.

سلمنا أن المراد السقوط، لكن يحتمل أن يكون السقوط اشارة الى بعض أنواع العقاب لا إلى جميع أنواعه، ونحن نقول بذلك، فإن عقاب الكافر أزيد من عقاب الفاسق فيحتمل أن يكون الساقط ذلك القدر الزائد من العقاب.

لأنا نجيب عن الاول، بوقوع الإجماع، على أن المراد بالغفران هاهنا السقوط، فإن الوعيدية تأولوا ذلك بالتائب او بمن زاد ثوابه على عقابه، والتفضلية حملوا ذلك على المضر، فعلم أنهم اتفقوا على ان المراد بالغفران السقوط.

وعن الثاني، ان المراد سقوط جميع أنواع العقاب والاّ لما بقي فرق بين الكافر والفاسق، فإن الكافر لا يمكن أن يعذب بجميع أنواع العذاب.

وثانيها: قوله تعالى: وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّٰاسِ عَلىٰ ظُلْمِهِمْ، وعلى تدل على الحال، فأثبت المغفرة حالة الظلم وذلك هو المطلوب ترك العمل به في حق الكافر فيبقى الباقي على الأصل.

وثالثها: قوله تعالى: قُلْ يٰا عِبٰادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ لاٰ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، ترك العمل به في الكافر للإجماع فيبقى الباقي على عمومه.

ورابعها: اتفقت الأمة على وجوب الشفاعة وتأثيرها في اسقاط العقاب على ما يأتي.

وخامسها: اتفقت الأمة على أن اللّه تعالى يعفو عن العباد ونطق القرآن بذلك، ولا شك أن إسقاط العقاب عن أصحاب الصغائر مطلقا وعن أصحاب الكبائر بعد التوبة واجب، فلا يكون عفوا باسقاط عقابهما فوجب أن يكون بإسقاطه العقاب عن اصحاب الكبيرة قبل التوبة.

احتج المخالف بوجوه:

الأول: أن العقاب لطف فيكون إسقاطه قبيحا.

الثاني: قوله تعالى: وَ مَنْ يَعْصِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نٰاراً خٰالِداً فِيهٰا، وقوله: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ، وقوله: وَ مَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذٰاباً كَبِيراً، وقوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ

ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ، وقوله: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا، ولفظة من للعموم.

الثالث: قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرٰارَ لَفِي نَعِيمٍ وَ إِنَّ الْفُجّٰارَ لَفِي جَحِيمٍ، وجه الاستدلال أن الاسم المحلى بالألف واللام إن قلنا بعمومه كما هو مذهب أبي علي ثبت المطلوب، وإن لم نقل به كما هو مذهب ابي هاشم قلنا إن هذه الحجة خرجت مخرج الزجر على الفجور، فيكون هذا الحكم مترتبا على الفجور فيكون الفجور علة فيلزم العموم أيضا.

والجواب عن الأول، ينتقض ما ذكرتم بوجوب إسقاطه بالتوبة، ثم الجواب الحقيقي أن تجويز العقاب لطف وذلك حاصل على تقدير القول بالعفو فإن الفاسق لا يقطع لحصول العفو.

وعن الوجهين الآخرين، بأن هذه الآيات مشروطة بعدم العفو كما أنه مشروطة بعدم التوبة اتفاقا وذلك للجمع بين آيات الوعيد والوعد.

وأيضا المعارضة بآيات الوعد، وأيضا بالمنع من العموم ولو سلمنا أنها موضوعة له ولكنها غير موضوعة له قطعا، ولو كان كذلك لكنها غير مراد منها العموم قطعا.

المقصد الثاني: في التوبة

وقد حدّ أبو هاشم التوبة بأنها الندم على المعصية والعزم على ترك المعاودة، لأن التوبة بذل الوسع ولا يكون الشخص باذل لوسعه الا اذا عزم على ترك المعاودة مع ندمه على التالف.

وجماعة جعلوا العزم على ترك المعاودة شرطا فيها لا جزءا، ومحمود لم يجعله شرطا ولا جزءا.

مسألة : التوبة إن كانت من فعل القبيح المتضمن لا يصال الضرر الى الغير، فإن كان ظلما وما أشبهه من القذف وغيره فانه لا تصح قبل الخروج الى المظلومين من حقوقهم او الى ورثتهم او الاستيهاب من المظلومين، وان لم يتمكن في الحال من ذلك عزم على أدائه متى أمكن، وإن كان إضلالا فلا تصح التوبة الا بعد أن بيّن لمن أضله بطلان قوله.

وإن لم يتضمن القبيح إيصال الضرر الى الغير كفى في التوبة الندم والعزم.

وإن كانت من إخلال بواجب وكان يصح ادائه في كل وقت كالزكاة لم تصح الاّ بعد أدائه مع المكنة، وإن اختص بوقت وكان مما يصح قضاؤه كالصلاة لم تصح الا بعد الاشتغال في القضاء مع المكنة، وإن لم يكن مما يصح قضاؤه كالعيد كفى الندم والعزم.

واعلم أن التوبة إنما تصح عن القبيح اذا وقعت ندما عليه لأجل قبحه، وهذا ظاهر، فإن جهة القبح جهة صرف، ولأن من تاب عن الخمر لأجل ضرره به لا يعد تائبا، وكذلك من ترك القبيح للخوف من النار، ولو لا خوفه منها لفعله، فإن توبته غير صحيحة، وكذا القول في ترك الواجب.

ومن الناس من قال: يجب أن يندم على القبيح لقبحه ولوجه قبحه، ويتفرع على هذا الخلاف.

مسألة : هي ان التوبة هل تصح من قبيح دون قبيح أم لا؟ ذهب أبو علي الى جوازه وادعى الإجماع عليه، وذهب أبو هاشم الى المنع منه، وحكى قاضي القضاة قول أبي هاشم عن أمير المؤمنين عليه السلام وعن أولاده كعلي بن موسى الرضا عليهما السلام.

حجة ابي هاشم أن القبيح إنما ترك لقبحه فيجب ترك ما ساواه في العلة، كمن يقول: لا آكل الرمانة لحموضتها، فإنه يجب أن لا يأكل كل رمانة حامضة.

واحتج ابو علي بأن الإتيان بواجب دون واجب صحيح اجماعا، فإن من صام ولم يصل صحيح صومه.

وبيان الشرطية أنه كما تجب التوبة من القبيح بقبحه، كذلك إنما يجب فعل الواجب لوجوبه، فإن لزم من اشتراك القبائح في العلة أن لا تصح التوبة من البعض، لزم من اشتراك الواجبات في العلة أن لا يصح البعض.

قال أبو هاشم: الفرق واقع بين الفعل والترك، فإن تارك الرمانة لحموضتها ترك الجميع، وليس الأكل لها للحموضة أكلا للجميع، وهذا المثال باطل، لأن المانع من الأكل في صورة الترك هو الحموضة فلذلك وجب العموم، وأما في صورة الفعل فليس المقتضي للأكل هو الحموضة لا غير بل مع دواع فلا يجب العموم.

واعلم أن ما قال أبو هاشم لازم ولا خلاص عنه الاّ بالقول بأن التوبة انما يجب عن القبيح لقبحه ولوجه قبحه، ولا شك في أن القبائح لا تتشابه في وجوه القبح وإن تشابهت في القبح، وألزموا أبا هاشم خرق الاجماع في صورة اليهودي اذا سرق حبة وتاب عن اليهودية ولم يتب عن السرقة، فإن توبته مقبولة إجماعا.

مسألة : التوبة واجبة، أما عن الكبائر فلأنها دافعة للضرر الذي هو العقاب فيكون واجبة، وأما مطلقا فبالسمع كقوله تعالى: تُوبُوا إِلَى اللّٰهِ تَوْبَةً نَصُوحاً، وما علم من دين الأنبياء عليهم السلام من وجوب التوبة.

واختلفوا في المعصية إذا تاب عنها ثم ذكرها من بعد هل يجب التوبة عنها؟ قال أبو هاشم: لا يجب، وأوجبه آخرون، حجة ابي هاشم أن الواجب قد فعل فيسقط التعبد به.

احتج الآخرون بأنه إذا ذكرها، فإن وجد من نفسه الاستمرار عليها وذلك لا يكون الا بتجديد التوبة، فيكون تجديدها واجبا، وإن لم يجد وجب تجديدها، لأن الآتي بالتوبة لا يعلم سقوط العقاب بها فيجب تجديدها، وفي هذا ضعف.

مسألة : ذهبت المعتزلة الى أن سقوط العقاب عند التوبة واجب، وقالت المرجئة انه تفضل.

احتجت المعتزلة بوجهين:

الأول: أن القول بعدم سقوط العقاب يقتضي قبح التكليف في حق العاصي، لأنه انما يحسن توصلا الى الثواب والثواب لا يجامع استحقاق العقاب، فلو لم يكن له طريق الى التخلص من العقاب لقبح تكليفه.

الثاني: أنه يجب سقوط الذم عقيب التوبة، فيجب سقوط العقاب الذي هو المعلول الآخر.

أما الأول، فلأن من أساء الى غيره واعتذر إليه وعرف صدق اعتذاره وجب عليه أن يسقط ذمه على تلك الإساءة ومتى ذمه ذمه العقلاء.

وأما الثاني، فلأن المقتضي لهما معا المعصية، فلما سقط الذم علمنا أنها خرجت عن التأثير في استحقاق العقاب.

اعترض عليهم في الأول بأن له طريقا غير التوبة وهي العفو أو استكثاره من الطاعات على رأيهم بحيث يزيد ثوابه على عقابه فيسقط عقابه ومع تسليم عدم الطريق نمنع عدم استحقاق الثواب والعقاب فإن العقاب عندنا منقطع.

وفي الثاني بالمنع من وجوب قبول الاعتذار، ولو سلم، فالقياس على الشاهد غير متين مع أنه منقوض، فإن القبح يقتضي الذم ولا يقتضي العقاب كما في حقه تعالى، فلم لا يخرج القبيح عن مؤثريته في استحقاق الذم شاهدا ولا يخرج عن مؤثريته في استحقاق العقاب؟ احتج الآخرون بأن وجوب السقوط إن كان لوجوب القبول وجب أن يكون من أساء الى غيره بأعظم الإساءات ثم اعتذر إليه ولم يقبل اعتذاره يذمه العقلاء، وليس كذلك، وإن كان لأن الثواب المستحق بها اكثر من العقاب بها فهو باطل لما مرّ من إبطال التحابط.

والاوائل قالوا: إن التعلق بالجسمانيات مما يوجب التعذب لاشتغال النفس بها عن المعقولات الملائمة لها، فالتوبة ندم على ذلك التعلق وإقلاع عنه فهو مسقط للعقاب لأنه يدل على التفات النفس الى المعقولات.

مسألة : ذهب الشيوخ الى ان التوبة مسقطة للعقاب لذاتها، وذهب قوم الى أنها مسقطة له بكثرة ثوابها.

احتج المشايخ بأن من أساء وبالغ في الاعتذار قبح ذمه لا لكثرة استحقاق المدح بالاعتذار، لأنه لو كان كذلك، لكان ذلك بالإحسان إليه بعد الإساءة فكان يجب أن لا يسقط الذم الاّ بالإحسان، فلما سقط مطلقا علمنا أنها مسقطة بنفسها.

واحتج المخالف بأنها لو أسقطت العقاب بنفسها لأسقطه في الدار الآخرة.

والجواب، المعارضة، فإنها لو أسقطته بكثرة الثواب لأسقطته في الدار الآخرة.

لا يقال: لا استحقاق بها في الدار الآخرة لأنها ملجأ إليها.

لأنا نقول: فلا يستحق سقوط العقاب بها لأنه ملجأ إليها، لأنه نادم على المعصية لا لقبحها.

المقصد الثالث: في الشفاعة

اتفق المسلمون على ثبوت الشفاعة لنبينا صلى اللّه عليه وآله، واختلفوا فذهبت المعتزلة الى أن الشفاعة إنما هي للمؤمنين في زيادة المنافع، وذهب غيرهم الى أنها تكون للفساق في سقوط عقابهم، وهو الحق عندي لوجوه:

أحدها: أن الشفاعة لا يفهم الا في اسقاط العقاب.

الثاني: أن طلب المنافع للغير لو كان شفاعة لكنا شافعين في الرسول عليه السلام.

لا يقال: الرتبة معتبرة بين الشافع والمشفوع فيه.

لانا نقول: لو اعتبرت منهما اعتبرت بين الشافع والمشفوع إليه، والتالي باطل لأن النبي عليه السلام شفع الى بريرة وهي أخفض منه.

الثالث: ما نقل عنه عليه السلام من قول ادخرت شفاعتي لاهل الكبائر من امتي.

الرابع: أن الشفاعة انما هي للمحتاج الذي هو الفاسق، أما المستغني فالشفاعة له عبث.

احتجوا بقوله تعالى: مٰا لِلظّٰالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لاٰ شَفِيعٍ يُطٰاعُ، وبقوله تعالى: وَ مٰا لِلظّٰالِمِينَ مِنْ أَنْصٰارٍ.

والجواب المنع من العموم والحمل على الكافرين جمعا بين الأدلة لأن نفي الشفيع المطاع لا يستلزم نفي مطلق الشفيع، لأن المفهوم من المطاع الشفيع الذي يكون فوق المشفوع إليه، ولا أحد فوقه تعالى، والناصر يطلق على المغالب المدافع وهو منتف بخلاف الشافع.