عقائد الشيعة الإمامية /  الشهيد محمد باقر الصدر

 

 

كيف ولد التشيع؟

 

أما فيما يتعلق بالسؤال الأول كيف ولد التشيع فنحن نستطيع أن نعتبر التشيع نتيجة طبيعية للإسلام، وممثلا لأطروحة كان من المفروض للدعوة الإسلامية أن تتوصل إليها حفاظا على نموها السليم.

ويمكننا أن نستنتج هذه الأطروحة استنتاجا منطقيا من الدعوة التي كان الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله يتزعم قيادتها بحكم طبيعة تكوينها، ونوع الظروف التي عاشتها، فإن النبي صلى الله عليه وآله، كان يباشر قيادة دعوة انقلابية، ويمارس عملية تغيير شامل للمجتمع وأعرافه وأنظمته ومفاهيمه، ولم يكن الطريق قصيرا أمام عملية التغيير هذه، بل كان طريقا طويلا وممتدا بامتداد الفواصل يمارسها النبي أن تبدأ بإنسان الجاهلية فتنشئه إنشاء جديدا، وتجعل منه الإنسان الإسلامي، الذي يحمل الدور الجديد إلى العالم، وتجتث منه كل جذور الجاهلية ورواسبها.

وقد خطا القائد الأعظم صلى الله عليه وآله بعملية التغيير خطوات مدهشة، في برهة قصيرة، وكان على العملية التغييرية أن تواصل طريقها الطويل حتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله. وكان النبي يدرك منذ فترة قبل وفاته، أن أجله قد دنا، وأعلن ذلك بوضوح في (حجة الوداع)، ولم يفاجئه الموت مفاجأة.

وهذا يعني أنه كان يملك فرصة كافية للتفكير في مستقبل الدعوة بعده، حتى إذا لم ندخل في الموقف عامل الاتصال الغيبي والرعاية الإلهية المباشرة للرسالة عن طريق الوحي.

 وفي هذا الضوء يمكننا أن نلاحظ أن النبي صلى الله عليه وآله كان أمامه ثلاثة طرق بالإمكان انتهاجها تجاه مستقبل الدعوة: أولهما: الطريق السلبي، وثانيهما: الطريق الايجابي ممثلا بالشورى، وثالثهما: التعيين.

 

 

الطريق الأول (الفرضية الأولى): الموقف السلبي، إهمال أمر الخلافة

وذلك بأن يقف من مستقبل الدعوة موقفا سلبيا، ويكتفي بممارسة دوره في قيادة الدعوة وتوجيهها فترة حياته، ويترك مستقبلها للظروف والصدف.

وهذه السلبية في الموقف لا يمكن افتراضها في النبي صلى الله عليه وآله، لأنها إنما تنشأ من أحد أمرين كلاهما لا ينطبقان عليه:

الأمر الأول:

الاعتقاد بأن هذه السلبية والإهمال لا تؤثر على مستقبل الدعوة، وإن الأمة التي سوف تخلف الدعوة فيها قادرة على التصرف بالشكل الذي يحمي الدعوة، ويضمن عدم الانحراف.

وهذا الاعتقاد لا مبرر له من الواقع إطلاقا، بل إن طبيعة الأشياء كانت تدل على خلافه، لان الدعوة -بحكم كونها عملا تغيير انقلابيا في بدايته، يستهدف بناء أمة واستئصال كل جذور الجاهلية منها- تتعرض لأكبر الأخطار إذا خلت الساحة من قائدها، وتركها دون أي تخطيط، فهنالك الأخطار التي تنبع عن طبيعة مواجهة الفراغ دون أي تخطيط مسبق، وعن الضرورة الآنية لاتخاذ موقف مرتجل في ظل الصدمة العظيمة بفقد النبي، فإن الرسول صلى الله عليه وآله إذا ترك الساحة دون تخطيط لمصير الدعوة فسوف تواجه الأمة، ولأول مرة، مسؤولية التصرف بدون قائدها تجاه أخطر مشاكل الدعوة، وهي لا تمتلك أي مفهوم سابق بهذا الصدد، وسوف يتطلب منها الموقف تصرفا سريعا آنيا على رغم خطورة المشكلة، لان الفراغ لا يمكن أن يستمر، وسوف يكون هذا التصرف السريع في لحظة الصدمة التي تمنى بها الأمة، وهي تشعر بفقدها لقائدها الكبير.

هذه الصدمة التي تزعزع بطبيعتها سير التفكير، وتبعث على الاضطراب حتى أنها جعلت صحابيا معروفا يعلن -بفعل الصدمة- أن النبي لم يمت ولن يموت. نعم سوف يكون مثل هذا التصرف محفوفا بالخطر غير محمود العواقب.

وهناك الأخطار التي تنجم عن عدم النضج الرسالي بدرجة تضمن للنبي، سلفا، موضوعية التصرف الذي سوف يقع، وانسجامه مع الإطار الرسالي للدعوة، وتغلبه على التناقضات الكامنة التي كانت ولا تزال تعيش في زوايا نفوس المسلمين على أساس الانقسام إلى مهاجرين وأنصار، أو قريش وسائر العرب، أو مكة والمدينة.

وهناك الأخطار التي تنشأ لوجود القطاع المتستر بالإسلام، والذي كان يكيد له في حياة النبي صلى الله عليه وآله باستمرار، وهو القطاع الذي كان يسميه القرآن (بالمنافقين).

وإذا أضفنا إليهم عددا كبيرا ممن أسلم بعد الفتح، استسلاما للأمر الواقع لا انفتاحا على الحقيقة، نستطيع حينئذ أن نقدر الخطر الذي يمكن لهذه العناصر أن تولده وهي تجد فجأة فرصة لنشاط واسع في فراغ كبير، مع خلو الساحة من رعاية القائد.

فلم تكن إذن خطورة الموقف بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله شيئا يمكن أن يخفى على أي قائد مارس العمل العقائدي فضلا عن خاتم الأنبياء.

وإذا كان أبو بكر لم يشأ أن يترك الساحة دون أن يتدخل تدخلا ايجابيا في ضمان مستقبل الحكم بحجة الاحتياط للأمر.

وإذا كان الناس قد هرعوا إلى عمر حين ضرب قائلين: "يا أمير المؤمنين لو عهدت عهدا"، وكل ذلك كان خوفا من الفراغ الذي سوف يخلفه الخليفة، بالرغم من التركز السياسي والاجتماعي الذي كانت الدعوة قد بلغته بعد عقد من وفاة الرسول صلى الله عليه وآله.

وإذا كان عمر قد أوصى إلى ستة تجاوبا مع شعور الآخرين بالخطر.

وإذا كان عمر يدرك بعمق خطورة الموقف في يوم السقيفة، وما كان بالإمكان أن تؤدي إليه خلافة أبي بكر بشكلها المرتجل من مضاعفات، إذ يقول: "إن بيعة أبي بكر كانت فلتة غير أن وقى الله شرها".

وإذا كان أبو بكر نفسه يعتذر عن تسرعه إلى قبول الحكم، وتحمل المسؤوليات الكبيرة، بأنه شعر بخطورة الموقف، وضرورة الإقدام السريع على حلها، إذ يقول -وقد عوتب على قبول السلطة-: "إن رسول الله صلى الله عليه وآله قبض، والناس حديثوا عهده بالجاهلية، فخشيت أن يفتتنوا، وأن أصحابي حملونيها".

إذا كان كل ذلك صحيحا، فمن البديهي إذن أن يكون رائد الدعوة ونبيها أكثر شعورا بخطر السلبية، وأكبر ادراكا، وأعمق فهما لطبيعة الموقف ومتطلبات العمل التغييري الذي يمارسه في أمة حديثة عهد بالجاهلية على حد تعبير أبي بكر.

الأمر الثاني:

إن الأمر الثاني الذي يمكن أن يفسر سلبية القائد تجاه مستقبل الدعوة، ومصيرها بعد وفاته، أنه بالرغم من شعوره بخطر هذا الموقف، لا يحاول تحصين الدعوة ضد ذلك الخطر، لأنه ينظر إلى الدعوة نظرة مصلحية، فلا يهمه إلا أن يحافظ عليها ما دام حيا ليستفيد منها، ويستمتع بمكاسبها، ولا يعنى بحماية مستقبلها بعد وفاته.

وهذا التفسير لا يمكن أن يصدق على النبي محمدا صلى الله عليه وآله، حتى إذا لم نلاحظه بوصفه نبيا ومرتبطا بالله سبحانه وتعالى في كل ما يرتبط بالرسالة، وافترضناه قائدا رساليا كقادة الرسالات الأخرى، لان تاريخ القادة الرساليين لا يملك نظيرا للقائد الرسول محمد صلى الله عليه وآله، في إخلاصه لدعوته، وتفانيه فيها، وتضحيته من أجلها إلى آخر لحظة من حياته. وكل تاريخه يبرهن على ذلك، فقد كان صلى الله عليه وآله على فراش الموت وقد ثقل مرضه، وهو يحمل هم معركة كان قد خطط لها، وجهز جيش أسامة لخوضها، فكان يقول: "جهزوا جيش أسامة، أنفذوا جيش أسامة، أرسلوا بعث أسامة"، يكرر ذلك، ويغمى عليه بين الحين والحين.

فإذا كان اهتمام الرسول صلى الله عليه وآله بقضية من قضايا الدعوة العسكرية يبلغ إلى هذه الدرجة، وهو يجود بنفسه على فراش الموت، ولا يمنعه علمه بأنه سيموت قبل أن يقطف ثمار تلك المعركة، عن تبنيه لها، وإن تكون همه الشاغل وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، فكيف يمكن أن نتصور أن النبي لا يعيش هموم مستقبل الدعوة، ولا يخطط لسلامتها، بعد وفاته صلوات الله عليه من الأخطار المرتقبة.

وأخيرا فإن في سلوك الرسول صلى الله عليه وآله في مرضه الأخير رقما واحدا يكفي لنفي الطريق الأول.

وللتدليل على أن القائد الأعظم، نبينا محمد صلى الله عليه وآله كان أبعد ما يكون من فرضية الموقف السلبي تجاه مستقبل الدعوة، لعدم الشعور بالخطر، أو لعدم الاهتمام بشأنه، وهذا الرقم أجمعت صحاح المسلمين جميعا -سنة وشيعة- على نقله، وهو أن الرسول صلى الله عليه وآله لما حضرته الوفاة، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي صلى الله عليه وآله: "ائتوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا" فإن هذه المحاولة من القائد الكريم، المتفق على نقلها وصحتها تدل بكل وضوح على أنه كان يفكر في أخطار المستقبل، ويدرك بعمق ضرورة التخطيط لتحصين الأمة من الانحراف، وحماية الدعوة من التميع والانهيار، فليس إذن من الممكن افتراض الموقف السلبي من النبي صلى الله عليه وآله بحال من لأحوال.

 

 

 

الطريق الثاني (الفرضية الثانية): الايجابية ممثلة بنظام الشورى

إن الطريق الثاني المفترض، هو أن يخطط الرسول القائد صلى الله عليه وآله لمستقبل الدعوة بعد وفاته، ويتخذ موقفا إيجابيا، فيجعل القيمومة على الدعوة، وقيادة التجربة للأمة ممثلة -على أساس نظام الشورى- في جيلها العقائدي الأول الذي يضم مجموع المهاجرين والأنصار، فهذا الجيل الممثل للأمة هو الذي سيكون قاعدة للحكم، ومحورا لقيادة الدعوة في خط نموها.

بالنسبة لهذا الافتراض، يلاحظ هنا أن طبيعة الأشياء، والوضع العام الثابت عن الرسول الأكرم والدعوة والدعاة، يدحض هذه الفرضية، وينفي أن يكون النبي صلى الله عليه وآله قد انتهج هذا الطريق، واتجه إلى ربط قيادة الدعوة بعده مباشرة بالأمة ممثلة في جيلها الطليعي من المهاجرين والأنصار على أساس نظام الشورى.

 

وفيما: يأتي بعض النقاط التي توضح ذلك:

1- النقطة الأولى: لو كان النبي صلى الله عليه وآله قد اتخذ من مستقبل الدعوة بعده موقفا إيجابيا يستهدف وضع نظام الشورى موضع التطبيق، بعد وفاته مباشرة، وإسناد زعامة الدعوة إلى القيادة التي تنبثق عن هذا النظام، لكان من أبده الأشياء التي يتطلبها هذا الموقف الايجابي، أن يقوم الرسول القائد بعملية توعية للأمة والدعوة على نظام الشورى، وحدوده وتفاصيله، وإعطائه طابعا دينيا مقدسا، وإعداد المجتمع الإسلامي إعداد فكريا وروحيا لتقبل هذا النظام، وهو مجتمع نشأ من مجموعة من العشائر، لم تكن قد عاشت -قبل الإسلام- وضعا سياسيا على أساس الشورى، وإنما كانت تعيش، في الغالب، وضع زعامات قبلية وعشائرية تتحكم فيها القوة والثروة وعامل الوراثة إلى حد كبير.

ونستطيع بسهولة أن ندرك أن النبي صلى الله عليه وآله لم يمارس عملية التوعية على نظام الشورى، وتفاصيله التشريعية، ومفاهيمه الفكرية، لان هذه العملية لو كانت قد أنجزت، لكان من الطبيعي أن تنعكس وتتجسد في الأحاديث المأثورة عن النبي صلى الله عليه وآله، وفي ذهنية الأمة، أو على الأقل في ذهنية الجيل الطليعي منها، الذي يضم المهاجرين والأنصار بوصفه هو المكلف بتطبيق نظام الشورى مع أننا لا نجد في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله أي صورة تشريعية محددة لنظام الشورى.

وأما ذهنية الأمة أو ذهنية الجيل الطليعي منها فلا نجد فيها أي ملامح أو انعكاسات محددة لتوعية من ذلك القبيل. فإن هذا الجيل كان يحتوي على اتجاهين :أحدهما: الاتجاه الذي يتزعمه أهل البيت. والآخر: الاتجاه الذي تمثله السقيفة والخلافة التي قامت فعلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله.

فأما الاتجاه الأول: فمن الواضح أنه كان يؤمن بالوصاية والإمامة، ويؤكد على القرابة، ولم ينعكس منه الإيمان بفكرة الشورى.

وأما الاتجاه الثاني: فكل الأرقام والشواهد في حياته وتطبيقه العملي تدل بصورة لا تقبل الشك على أنه لم يكن يؤمن بالشورى، ولم يبنِ ممارساته الفعلية على أساسها، والشيء نفسه نجده في سائر قطاعات ذلك الجيل الذي عاصر وفاة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله من المسلمين.

ونلاحظ بهذا الصدد للتأكد من ذلك، أن أبا بكر -حينما اشتدت به العلة- عهد إلى عمر بن الخطاب، فأمر عثمان أن يكتب عهده، وكتب: "بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد به أبو بكر خليفة رسول الله، إلى المؤمنين والمسلمين: سلام عليكم فإني أحمد الله إليكم. أما بعد: فإني قد استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فاسمعوا وأطيعوا" ودخل عبد الرحمن بن عوف فقال: كيف أصبحت يا خليفة رسول الله؟ فقال: أصبحت موليا، وقد زدتموني علي ما بي، إذ رأيتموني استعملت رجلا منكم، فكلكم قد أصبح ورما أنفه، وكل يطلبها لنفسه.

وواضح من هذا الاستخلاف، وهذا الاستنكار للمعارضة، أن الخليفة لم يكن يفكر بعقلية نظام الشورى، وأنه كان يرى من حقه تعيين الخليفة، وأن هذا التعيين يفرض على المسلمين الطاعة، ولهذا أمرهم بالسمع والطاعة، فليس هو مجرد ترشيح أو تنبيه، بل هو إلزام ونصب.

ونلاحظ أيضا أن عمر رأى هو الآخر. أيضا، أن من حقه فرض الخليفة على المسلمين، ففرضه في نطاق ستة أشخاص، وأوكل أمر التعيين إلى الستة أنفسهم دون أن يجعل لسائر المسلمين أي دور حقيقي في الانتخاب، وهذا يعني أيضا، أن عقلية نظام الشورى لم تتمثل في طريقة الاستخلاف التي انتهجها عمر، كما لم تتمثل، من قبل، في الطريقة التي سلكها الخليفة الأول. وقد قال عمر -حين طلب منه الناس الاستخلاف-: "لو أدركني أحد رجلين فجعلت هذا الأمر إليه لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة، وأبي عبيدة بن الجراح، ولو كان سالم حيا ما جعلتها شورى".

وقد قال أبو بكر لعبد الرحمن بن عوف، وهو يناجيه على فراش الموت: "وددت أني كنت سألت رسول الله صلى الله عليه وآله لمن هذا الأمر، فلا ينازعه أحد"

وحينما تجمع الأنصار في السقيفة لتأمير سعد بن عبادة، قال منهم قائل: "إن أبت مهاجرة قريش فقالوا نحن المهاجرون، ونحن عشيرته وأولياؤه، فقالت طائفة منهم إذن نقول منا أمير ومنكم أمير، لن نرضى بدون هذا منهم أبدا".

وحينما خطب أبو بكر فيهم قال: "كنا معاشر المسلمين المهاجرين أول الناس إسلاما، والناس لنا في ذلك تبع، نحن عشيرة رسول الله وأوسط العرب أنسابا"

وحينما اقترح الأنصار أن تكون الخلافة دورية بين المهاجرين والأنصار رد أبو بكر قائلا: "إن رسول الله لما بعث عظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم فخالفوه وشاقوه وخص الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه، فهم أول من عبد الله في الأرض، وهم أولياؤه وعترته، وأحق الناس بالأمر بعده، لا ينازعهم فيه الا ظالم"

وقال الحباب بن المنذر، وهو يشجع الأنصار على التماسك: "أملكوا عليكم أيديكم إنما الناس في فيئكم وظلكم، فإن أبى هؤلاء فمنا أمير ومنهم أمير"

ورد عليه عمر قائلا: "هيهات لا يجتمع سيفان في غمد، من ذا يخاصمنا في سلطان محمد وميراثه، ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل، أو متجانف لاثم، أو متورط في هلكة"

إن الطريقة التي مارسها الخليفة الأولى والخليفة الثاني للاستخلاف، وعدم استنكار عامة المسلمين لتلك الطريقة، والروح التي سادت على منطق الجناحين المتنافسين من الجيل الطليعي، المهاجرين والأنصار يوم السقيفة، والاتجاه الواضح الذي بدا لدي المهاجرين نحو تقرير مبدأ انحصار السلطة بهم، وعدم مشاركة الأنصار في الحكم، والتأكيد على المبررات الوراثية التي تجعل من عشيرة النبي أولى العرب بميراثه، واستعداد كثير من الأنصار لتقبل فكرة أميرين، أحدهما من الأنصار والآخر من المهاجرين، وإعلان أبى بكر الذي فاز بالخلافة -في ذلك اليوم- عن أسفه لعدم السؤال من النبي عن صاحب الأمر بعده.

كل ذلك يوضح، بدرجة لا تقبل الشك، أن هذا الجبل الطليعي من الأمة الإسلامية -بما فيه القطاع الذي تسلم الحكم، بعد وفاة النبي- لم يكن يفكر بذهنية الشورى، ولم يكن يملك فكرة محددة عن هذا النظام، فكيف يمكن أن نتصور أن النبي صلى الله عليه وآله قد مارس عملية توعية على نظام الشورى تشريعيا وفكريا، وأعد جيل المهاجرين والأنصار لتسلم قيادة الدعوة بعده على أساس هذا النظام، ثم لا نجد لدى هذا الجيل تطبيقا واعيا لهذا النظام أو مفهوما محددا عنه؟

كما أننا لا يمكن أن نتصور -من ناحية أخرى- أن الرسول القائد يضع هذا النظام، ويحدده تشريعيا ومفهوميا، ثم لا يقوم بتوعية المسلمين عليه وتثقيفهم به. وهكذا يبرهن ما تقدم على أن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن طرح الشورى كنظام بديل على الأمة، إذ ليس من الممكن عادة أن تطرح بالدرجة التي تتناسب مع أهميتها، ثم تختفي اختفاء كاملا عن الجميع وعن كل الاتجاهات.

ومما يوضح هذه الحقيقة بدرجة أكبر أن نلاحظ.

أولا: إن نظام الشورى كان نظاما جديدا بطبيعته على تلك البيئة التي لم تكن قد مارست، قبل النبوة، أي نظام مكتمل للحكم. فكان لابد من توعية مكثفة ومركزة عليه كما أوضحنا ذلك.

ثانيا: إن الشورى، كفكرة مفهوم غائم، لا يكفي طرحه هكذا، لإمكان وضعه موضع التنفيذ، ما لم تشرح تفاصيله وموازينه ومقاييس التفضيل عند اختلاف الشورى، وهل تقوم هذه المقاييس على أساس العدد والكم، أو على أساس الكيف والخبرة، إلى غير ذلك مما يحدد للفكرة معالمها ويجعلها صالحة للتطبيق فور وفاة النبي صلى الله عليه وآله.

ثالثا: إن الشورى تعبر في الحقيقة عن ممارسة للأمة -بشكل أو آخر- للسلطة عن طريق التشاور وتقرير مصير الحكم، فهي مسؤولية تتعلق بعدد كبير من الناس هم كل الذين تشملهم الشورى، وهذا يعني أنها لو كانت حكما شرعيا يجب وضعه موضع التنفيذ عقيب وفاة النبي صلى الله عليه وآله لكان لا بد من طرحه على أكبر عدد من أولئك الناس، لان موقفهم من الشورى ايجابي، وكل منهم يتحمل قسطا من المسؤولية.

وكل هذه النقاط تبرهن على أن النبي صلى الله عليه وآله في حالة تبنيه لنظام الشورى، كبديل له بعد وفاته، يتحتم عليه أن يطرح فكرة الشورى على نطاق واسع، وبعمق، وبإعداد نفسي عام، وملء كل الثغرات، وإبراز لكل التفاصيل التي تجعل الفكرة عملية، وطرح للفكرة على هذا المستوى كما وكيفا وعمقا، لا يمكن أن يمارسه الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، ثم تنطمس معالمه لدى جميع المسلمين الذين عاصروه إلى حين وفاته صلوات الله عليه.

وقد يفترض أن النبي صلى الله عليه وآله كان قد طرح فكرة الشورى بالصورة اللازمة، وبالحجم الذي يتطلبه الموقف كما وكيفا، واستوعبها المسلمون، غير أن الدوافع السياسية استيقظت فجأة وحجت الحقيقة وفرضت على الناس كتمان ما سمعوه من النبي فيما يتصل بالشورى وأحكامها وتفاصيلها.

غير أن هذا الافتراض ليس عمليا، لان تلك الدوافع مهما قيل عنها، فهي لا تشمل المسلمين الاعتياديين من الصحابة الذين لم يساهموا في الأحداث السياسية عقب وفاة النبي صلى الله عليه وآله، ولا في بناء هرم السقيفة، وكان موقفهم موقف المترسل، وهؤلاء يمثلون في كل مجتمع جزءا كبيرا من الناحية العددية مهما طغى الجانب السياسي عليه.

فلو كانت الشورى مطروحة من قبل النبي صلى الله عليه وآله بالحجم المطلوب لما اختص الاستماع إلى نصوصها بأصحاب تلك الدوافع، بل لسمعها مختلف الناس، ولانعكست بصورة طبيعية عن طريق الاعتياديين من الصحابة كما انعكست فعلا النصوص النبوية على فضل الإمام عليه السلام ووصايته عن طريق الصحابة أنفسهم، فكيف لم تحل الدوافع السياسية دون أن تصل إلينا مئات الأحاديث -عن طريق الصحابة- عن النبي صلى الله عليه وآله في فضل علي عليه السلام ووصايته ومرجعيته، على الرغم من تعارض ذلك مع الاتجاه السائد وقتئذ، ولم يصلنا شيء ملحوظ من ذلك فيما يتصل بفكرة الشورى.

بل حتى أولئك الذين كانوا يمثلون الاتجاه السائد كانوا في كثير من الأحيان يختلفون في المواقف السياسية، وتكون من مصلحة هذا الفريق أو ذاك أن يرفع شعار الشورى ضد الفريق الآخر، ومع ذلك لم نعهد أن فريقا منهم استعمل هذا الشعار كحكم سمعه من النبي صلى الله عليه وآله، فلاحظوا -على سبيل المثال- موقف طلحة من تعيين أبي بكر لعمر، واستنكاره لذلك، وإعلانه السخط على هذا التعيين، فإنه لم يفكر -على رغم ذلك- أن يلعب ضد هذا التعيين بورقة الشورى، ويشجب موقف أبي بكر، بأنه يخالف ما هو المسموع من النبي صلى الله عليه وآله عن الشورى والانتخاب.

2- النقطة الثانية: إن النبي لو كان قد قرر أن يجعل من الجيل الإسلامي الرائد، الذي يضم المهاجرين والأنصار من صحابته قيما على الدعوة بعده، ومسؤولا عن مواصلة عملية التغيير، فهذا يحتم على الرسول القائد صلى الله عليه وآله أن يعبئ هذا الجيل تعبئة رسالية وفكرية واسعة، يستطيع أن يمسك بالنظرية بعمق ويمارس التطبيق في ضوئها بوعي، ويضع للمشاكل التي تواجهها الدعوة باستمرار حلولها النابعة من الرسالة، خصوصا إذا لا حظنا أن النبي صلى الله عليه وآله كان -وهو الذي بشر بسقوط كسرى وقيصر- يعلم بأن الدعوة مقبلة على فتوح عظيمة، وأن الأمة الإسلامية سوف تضم إليها في غد قريب شعوبا جديدة ومساحة كبيرة وتواجه مسؤولية توعية تلك الشعوب على الإسلام، وتحصين الأمة من أخطار هذا الانفتاح، وتطبيق أحكام الشريعة على الأرض المفتوحة وأهل الأرض، وبالرغم من أن الجيل الرائد من المسلمين كان أنظف الأجيال التي توارثت الدعوة وأكثرها استعدادا للتضحية، بالرغم من كل ذلك، لا نجد فيه ملامح ذلك الاعداد الخاص للقيمومة على الدعوة، والتثقيف الواسع العميق على مفاهيمها. والأرقام التي تبرر هذا النفي كثيرة لا يمكن استيعابها في هذا المجال.

ويمكننا أن نلاحظ بهذا الصدد، أن مجموع ما نقله الصحابة من نصوص عن النبي صلى الله عليه وآله في مجال التشريع لا يتجاوز بضع مئات من الأحاديث، بينما كان عدد الصحابة يناهز اثني عشر ألفا على ما أحصته كتب التاريخ. وكان النبي صلى الله عليه وآله يعيش مع آلاف من هؤلاء في بلد واحد ومسجد واحد، صباحا ومساء، فهل يمكن أن نجد في هذه الأرقام ملامح الإعداد الخاص؟!.

والمعروف عن الصحابة أنهم كانوا يتحاشون من ابتداء النبي صلى الله عليه وآله بالسؤال حتى أن أحدهم كان ينتظر فرصة مجيء أعرابي من خارج المدينة يسأل ليسمع الجواب، وكانوا يرون أن من الترف الذي يجب الترفع عنه السؤال عن حكم قضايا لم تقع بعد.

ومن أجل ذلك قال عمر على المنبر "احرج بالله على رجل سأل عما لم يكن فإن النبي قد بين ما هو كائن" وقال: "لا يحل لأحد أن يسأل عما لم يكن إن الله قد قضى فيما هو كائن"

وجاء رجل يوما إلى ابن عمر يسأله عن شيء فقال له ابن عمر: "لا تسأل عما لم يكن، فإني سمعت عمر بن الخطاب يلعن من سال عما لم يكن".

وسأل رجل أبي بن كعب عن مسالة، قال "يا بني أكان الذي سألتني عنه؟ قال: لا، قال: أما لا، فأجلني حتى يكون".

وقرا عمر يوما القرآن، فانتهى إلى قوله تعالى: "فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا"، فقال " كل هذا عرفناه، فما الأبّ؟ ثم قال: هذا لعمر الله هو التكلف، فما عليك أن لا تدري ما الأب، اتبعوا ما بين لكم هداه من الكتاب فاعملوا به، وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه".

وهكذا نلاحظ اتجاها لدى الصحابة إلى العزوف عن السؤال إلا في حدود المشاكل المحددة الواقعة. وهذا الاتجاه هو الذي أدى إلى ضآلة عدد النصوص التشريعية التي نقلوها عن الرسول صلى الله عليه وآله، وهو الذي أدي -بعد ذلك- إلى الاحتياج إلى مصادر أخرى غير الكتاب والسنة، كالاستحسان والقياس وغيرهما من ألوان الاجتهاد التي يتمثل فيها العنصر الذاتي للمجتهد، الأمر الذي أدى إلى تسرب شخصية الإنسان بذوقه وتصوراته الخاصة إلى التشريع.

وهذا الاتجاه أبعد ما يكون عن عملية الإعداد الرسالي الخاص التي كانت تتطلب تثقيفا واسعا لذلك الجيل وتوعية له على حلول الشريعة للمشاكل التي سوف يواجهها عبر قيادته.

وكما أمسك الصحابة عن مبادرة النبي بالسؤال، كذلك أمسكوا عن تدوين آثار الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسنته على رغم أنها المصدر الثاني من مصادر الإسلام، وأن التدوين كان هو الأسلوب الوحيد للحفاظ عليها وصيانتها من الضياع والتحريف، فقد أخرج الهروي في ذم الكلام عن طريق يحيى بن سعد عن عبد الله بن دينار قال: لم يكن الصحابة، ولا التابعون، يكتبون الأحاديث، وإنما كانوا يؤدونها لفظا ويأخذونها حفظا. بل إن الخليفة الثاني -على ما في طبقات ابن سعد- ظل يفكر في الموقف الأفضل تجاه سنة الرسول، واستمر به التفكير شهرا ثم أعلن منعه عن تسجيل شيء من ذلك. وبقيت سنة الرسول الأعظم التي هي أهم مصدر للإسلام بعد الكتاب الكريم، في ذمة القدر يتحكم فيها النسيان تارة، والتحريف أخرى، وموت الحفاظ ثالثة، طيلة مائة وخمسين سنة تقريبا.

ويستثنى من ذلك اتجاه أهل البيت، فإنهم دأبوا على التسجيل والتدوين منذ العصر الأول، وقد استفاضت رواياتنا عن أئمة أهل البيت بأن عندهم كتابا ضخما مدونا بإملاء رسول صلى الله عليه وآله وخط علي بن أبي طالب عليه السلام فيه جميع سنن رسول الله صلى الله عليه وآله.

فهل ترى بربك أن ذلك الاتجاه الساذج -إن كانت المسألة مسألة سذاجة- الذي ينفر من السؤال عن واقعة قبل حدوثها ويرفض تسجيل الجديدة وقيادتها في أهم وأصعب مراحل مسيرتها الطويلة؟؟! أو هل ترى بربك أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله كان يترك سنته مبعثرة بدون ضبط وتسجيل مع أنه يأمر بالتمسك بها؟ أو لم يكن من الضروري إذا كان يمهد لفكرة الشورى حقا أن يحدد للشورى دستورها ويضبط سنته لكي تسير الشورى على منهاج ثابت محدد لا تتلاعب به الأهواء؟.

أو ليس التفسير الوحيد المعقول لهذا الموقف من النبي أنه كان قد أعد الإمام عليا للمرجعية وزعامة التجربة بعده، وأودعه سنته كاملة، وعلمه ألف باب من العلم.

وقد أثبت الأحداث بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله أن جيل المهاجرين والأنصار، لم يكن يملك أي تعليمات محددة عن كثير من المشاكل الكبيرة التي كان من المفروض أن تواجهها الدعوة بعد النبي صلى الله عليه وآله، حتى أن المساحة الهائلة من الأرض، التي امتد إليها الفتح الإسلامي، لم يكن لدي الخليفة والوسط الذي يسنده، أي تصور محدد عن حكمها الشرعي، وعما إذا كانت تقسم بين المقاتلين أو تجعل وقفا على المسلمين عموما.

فهل يمكننا أن نتصور أن النبي صلى الله عليه وآله يؤكد للمسلمين أنهم سوف يفتحون أرض كسرى وقيصر، ويجعل من جيل المهاجرين والأنصار القيم على الدعوة، والمسؤول عن هذا الفتح، ثم لا يخبره بالحكم الشرعي الذي يجب أن يطبقه على تلك المساحة الهائلة من الدنيا التي سوف يمتد إليها الإسلام؟.

بل إننا نلاحظ أكثر من ذلك أن الجيل المعاصر للرسول صلى الله عليه وآله لم يكن يملك تصورات واضحة محددة حتى في مجال القضايا الدينية التي كان النبي صلى الله عليه وآله يمارسها مئات المرات، وعلى مرأى ومسمع من الصحابة.

ونذكر على سبيل المثال لذلك، الصلاة على الميت، فإنها عبادة كان النبي صلى الله عليه وآله قد مارسها علانية مئات المرات، وأداها في مشهد عام من المشيعين والمصلين، وبالرغم من ذلك يبدو أن الصحابة كانوا لا يجدون ضرورة معرفة هذه العبادة ما دام النبي صلى الله عليه وآله يؤديها، وما داموا يتابعون فيها النبي صلى الله عليه وآله في عدد التكبيرات في صلاة الميت.

فقد أخرج الطحاوي عن إبراهيم قال: "قبض رسول الله، والناس مختلفون في التكبير على الجنازة لا تشاء أن تسمع رجلا يقول سمعت رسول الله يكبر خمسا، وآخر يقول سمعت رسول الله يكبر أربعا، فاختلفوا في ذلك حتى قبض أبو بكر، فلما ولي عمر، ورأى اختلاف الناس في ذلك، شق عليه جدا، فأرسل إلى رجال من أصحاب رسول الله فقال: "إنكم معاشر أصحاب رسول الله متى تختلفون على الناس يختلفون من بعدكم، ومتى تجتمعون على أمر يجتمع الناس عليه، فانظروا ما تجتمعون عليه، فكأنما أيقظهم، فقالوا: نعم ما رأيت يا أمير المؤمنين".

وهكذا نجد أن الصحابة كانوا في حياة النبي صلى الله عليه وآله يتكلون غالبا على شخص النبي صلى الله عليه وآله، ولا يشعرون بضرورة الاستيعاب المباشر للأحكام والمفاهيم ما داموا في كنف النبي صلى الله عليه وآله.

وقد تقول إن هذه الصورة التي عرضت عن الصحابة، وما فيها من أرقام على عدم كفايتهم للقيادة يتعارض مع ما نؤمن به جميعا من أن التربية النبوية أحرزت درجة هائلة من النجاح، وحققت جيلا رساليا رائعا!.

والجواب: إنا بما قدمناه قد حددنا الصورة الواقعية لذلك الجيل الواسع الذي عاصر وفاة النبي صلى الله عليه وآله دون أن نجد في ذلك ما يتعارض مع التقييم الايجابي بدرجة عالية للتربية النبوية التي مارسها الرسول صلى الله عليه وآله في حياته الشريفة، لأننا في نفس الوقت الذي نؤمن فيه بأن التربية النبوية كانت مثلا ربانيا رائعا وبعثا رساليا متميزا في تاريخ العمل النبوي على مر الزمن نجد أن الإيمان بذلك والوصول إلى تقييم حقيقي لمحصول هذه التربية ونتائجه، لا يقوم على أساس ملاحظة الكم، بصورة منفصلة عن الكيف.

ومن أجل توضيح ذلك خذ هذا المثال، نفترض مدرسا يدرس عددا من طلبة اللغة الانكليزية وآدابها، ونريد أن نقيم قدرته لتدريسية فإننا لا نكتفي بمجرد دراسة مدى ما وصل إليه هؤلاء الطلبة من ثقافة واطلاع على اللغة الانكليزية وآدابها، وإنما نربط ذلك بتحديد الزمن الذي مارس فيه المدرس تدريسه لهؤلاء الطلبة وبتحديد الوضع القبلي لهم، ودرجة قربهم أو بعدهم مسبقا عن أجواء اللغة الانكليزية وآدابها، وحجم الصعاب والعقبات الاستثنائية التي واجهت عملية التدريس، وأعاقت سيره الطبيعي، والهدف الذي كان المدرس يتوخاه من تدريس طلبته آداب تلك اللغة، ونسبة المحصول النهائي لعملية التدريس إلى حالات تدريس أخرى مختلفة.

ففي مجال تقييم التربية النبوية يجب أن نأخذ بعين الاعتبار:

أولا: قصر الفترة الزمنية التي مارس النبي صلى الله عليه وآله فيها تربيته، لأنها لا تتجاوز تقريبا عقدين من الزمن بالنسبة إلى أقدم صحبة من القلائل الذين رافقوه في بدايات الطريق، ولا تتجاوز عقدا واحدا من الزمن بالنسبة إلى الكثرة الكاثرة من الأنصار، ولا تتجاوز ثلاث سنوات أو أربع بالنسبة إلى الأعداد الهائلة التي دخلت الإسلام، ابتداء منذ صلح الحديبية، واستمرارا إلى حين فتح مكة.

ثانيا: الوضع المسبق الذي كان هؤلاء يعيشونه من الناحية الفكرية والروحية والدينية والسلوكية قبل أن يبدأ النبي صلى الله عليه وآله بممارسة دوره: وما كانوا عليه من سذاجة وفراغ وعقوبة في مختلف مجالات حياتهم، ولا أجدني بحاجة إلى توضيح إضافي لهذه النقطة، لأنها واضحة بذاتها حيث إن الإسلام لم يكن عملية تغيير في سطح المجتمع، بل هو عملية تغيير في الجذور، وبناء انقلابي لامة جديدة، وهذا يعني الفاصل المعنوي الهائل بين الوضع الجديد الذي بدأ النبي صلى الله عليه وآله تربيته للأمة في اتجاهه.

ثالثا: ما زخرت به تلك الفترة من أحداث وألوان الصراع السياسي والعسكري على جبهات متعددة الأمر الذي ميز طبيعة العلاقة بين الرسول الأعظم وصحابته من نوع العلاقة بين شخص كالسيد المسيح وتلامذته، فلم تكن علاقة مدرس ومرب متفرغ لإعداد تلامذته، وإنما هي العلاقة التي تتناسب مع موقع الرسول كمربّ وقائد حرب ورئيس دولة.

رابعا: ما واجهته الجماعة المسلمة نتيجة احتكاكها بأهل الكتاب، وبثقافات دينية متنوعة من خلال صراعها العقائدي الاجتماعي فقد كان هذا الاحتكاك وما يطرحه على الساحة خصوم الدعوة الجديدة المثقفين بثقافات دينية سابقة، مصدر قلق وإثارة مستمرة وكلنا نعرف أنه شكل بعد ذلك تيارا فكريا إسرائيليا تسرب بصورة عفوية، أو بسوء نية إلى كثير من مجالات التفكير، ونظرة فاحصة في القرآن الكريم تكفي لاكتشاف حجم المحتوى لفكر الثورة المضادة، ومدى اهتمام الوحي برصدها مناقشة أفكارها.

خامسا: إن الهدف الذي كان يسعى المربي الأعظم صلى الله عليه وآله لتحقيقه على المستوى العام، وفي تلك المرحلة هو إيجاد القاعدة الشعبية الصالحة، التي يمكن لزعامة الرسالة الجديدة -في حياته أو بعد وفاته- أن تتفاعل معها، وتواصل عن طريقها التجربة، ولم يكن الهدف المرحلي وقتئذ، تصعيد الأمة إلى مستوى هذه الزعامة نفسها، بما تتطلبه من فهم كامل للرسالة، وتفقه شامل على أحكامها، والتحام مطلق مع مفاهيمها.

وتجديد الهدف في تلك المرحلة، بالدرجة التي ذكرناها كان أمرا منطقيا تفرضه طبيعة العمل التغييري، إذ ليس من المعقول أن يرسم الهدف إلا وفقا لممكنات عملية، ولا إمكان عملي في حالة كالحالة التي واجهها الإسلام إلا ضمن الحدود التي ذكرناها، لان الفاصل المعنوي والروحي والفكري والاجتماعي بين الرسالة الجديدة وبين الواقع الفاسد القائم، وقتئذ، كان لا يمسح بالارتفاع بالناس إلى مستوى زعامة هذه الرسالة مباشرة.

وهذا ما سنشرحه في النقطة التالية ونبرهن عن طريقه على أن استمرار الوصاية على التجربة الانقلابية الجديدة، متمثلة في إمامة أهل البيت وخلافة علي عليه السلام، كانت أمرا ضروريا يفرضه منطق العمل التغييري على مسار التاريخ.

سادسا: إن جزءا كبيرا من الأمة التي تركها النبي صلى الله عليه وآله بوفاته كان يمثل مسلمة الفتح، أي المسلمين الذين دخلوا الإسلام بعد فتح مكة، وبعد ان أصبحت الرسالة الجديدة سيدة الموقف في الجزيرة العربية سياسيا وعسكريا. وهؤلاء لم يتح للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله أن يتفاعل معهم في الفترة القصيرة التي أعقبت الفتح إلا بقدر ضئيل، وكان جل تفاعله معهم بوصفه حاكما، بحكم المرحلة التي كانت الدولة الإسلامية تمر بها، وفي هذه المرحلة برزت فكرة المؤلفة قلوبهم، والتي أخذت موضعها في تشريع الزكاة، وفي إجراءات أخرى ولم يكن هذا الجزء من الأمة مفصولا عن الأجزاء الأخرى بل كان مندمجا فيها، ومؤثرا، ومتأثرا في نفس الوقت.

ففي إطار هذه الأمور الستة نجد أن التربية النبوية أنتجت إنتاجا عظيما، وحققت تحولا فريدا، وأنشأت جيلا صالحا مؤهلا لما استهدفه النبي من تكوين قاعدة شعبية صالحة للالتفات حول الزعامة القائدة للتجربة الجديدة وإسنادها، ولهذا نجد أن ذلك الجيل كان يؤدي دوره كقاعدة شعبية صالحة ما دامت الزعامة القائدة الرشيدة كانت قائمة في شخص النبي، ولو قدر لهذا الزعامة أن تأخذ مسارها الرباني لظلت القاعدة تؤدي دورها الصالح، غير أن هذا لا يعني -بحال من الأحوال- أنها مهيأة فعلا لكي تتسلم هذه الزعامة، وتقود بنفسها التجربة الجديدة، لان هذه التهيئة تتطلب درجة أكبر من الانصهار الروحي والإيماني بالرسالة، وإحاطة أوسع كثيرا بأحكامها ومفاهيمها ووجهات نظرها المختلفة عن الحياة، وتطهيرا أشمل لصفوفها من المنافقين والمندسين والمؤلفة قلوبهم، الذين كانوا لا يزالون يشكلون جزءا من ذلك الجيل له أهميته العددية، ومواقعه التاريخية، كما أن له آثاره السلبية، بدليل حجم ما تحدث به القرآن الكريم عن المنافقين ومكائدهم ومواقفهم، مع تواجد أفراد في ذلك الجيل قد استطاعت التجربة أن تبنيهم بناء رساليا رفيعا، وتصهرهم في بوتقتها، كسلمان وأبي ذر وعمار وغيرهم.

أقول: إن تواجد هؤلاء الأفراد ضمن ذلك الجيل الواسع لا يبرهن على أن ذلك الجيل ككل بلغ إلى الدرجة التي تبرر إسناد مهام التجربة إليه على أساس الشورى.

وحتى أولئك الأفراد الذين مثلوا النمط الرفيع رساليا من ذلك الجيل لا يوجد في أكثرهم ما يبرر افتراض كفايتهم الرسالية لزعامة التجربة من الناحية الفكرية والثقافية على رغم شدة إخلاصهم، وعمق ولائهم، لان الإسلام ليس نظرية بشرية لكي يتحدد فكريا من خلال الممارسة والتطبيق، وتتبلور مفاهيمه عبر التجربة المخلصة، وإنما هو رسالة الله التي حددت فيها الأحكام والمفاهيم وزودت ربانيا بكل التشريعات العامة التي تتطلبها التجربة، فلا بد لزعامة هذه التجربة من استيعاب الرسالة بحدودها وتفاصيلها، ومن وعي بكل أحكامها ومفاهيمها، وبخاصة إذا لاحظنا أن الإسلام كان هو الرسالة الخاتمة من رسالات السماء التي يجب أن تمتد مع الزمن، وتتعدى كل الحدود الوقتية والإقليمية والقومية، الأمر الذي لا يسمح بأن تمارس زعامته التي تشكل الأساس لك ذلك الامتداد، تجارب الخطأ والصواب، التي تتراكم فيها الأخطاء عبر فترة من الزمن حتى تشكل ثغرة تهدد التجربة بالسقوط والانهيار.

وكل ما تقدم يدل على أن التوعية التي مارسها النبي صلى الله عليه وآله على المستوى العام للمهاجرين والأنصار، لم تكن بالدرجة التي يتطلبها إعداد القيادة الواعية الفكرية والسياسية لمستقبل الدعوة وعملية التغيير، وإنما كانت توعية بالدرجة التي نبي القاعدة الشعبية الواعية التي تلتف حول قيادة الدعوة في الحاضر والمستقبل.

وأي افتراض يتجه إلى القول بأن النبي صلى الله عليه وآله كان يخطط لإسناد قيادة التجربة والقيمومة على الدعوة بعده مباشرة إلى جيل المهاجرين والأنصار، يحتوي ضمنا اتهام أذكى وأبصر قائد رسالي في تاريخ العمليات التغييرية، بعدم القدرة على التمييز بين الوعي المطلوب على مستوى القاعدة الشعبية للدعوة والوعي المطلوب على مستوى قيادة الدعوة وإمامتها الفكرية والسياسية.

3- (النقطة الثالثة): إن الدعوة عملية تغيير، ومنهاج حياة جديد، وهي تستهدف بناء أمة من جديد واقتلاع كل جذور الجاهلية ورواسبها من وجودها.

والأمة الإسلامية -ككل- لم تكن قد عاشت في ظل عملية التغيير هذه إلا عقدا واحدا من الزمن على أكثر تقدير، وهذا الزمن القصير لا يكفي -عادة- في منطق الرسالات العقائدية، والدعوات التغييرية، لارتفاع الجيل الذي عاش في كنف الدعوة عشر سنوات فقط إلى درجة من الوعي والموضوعية والتحرر من رواسب الماضي، والاستيعاب لمعطيات الدعوة الجديدة، تؤهله للقيمومة على الرسالة وتحمل مسؤوليات الدعوة ومواصلة عملية التغيير بدون قائد، بل إن منطق الرسالات العقائدية يفرض أن تمر الأمة بوصاية عقائدية فترة أطول من الزمن، تهيؤها للارتفاع إلى مستوى تلك القيمومة.

وليس هذا شيئا نستنتجه استنتاجا فحسب، وإنما يعبر أيضا عن الحقيقة التي برهنت عليها الأحداث بعد وفاه القائد الرسول صلى الله عليه وآله، وتجلت عبر نصف قرن أو أقل من خلال ممارسة جيل المهاجرين والأنصار لإمامة الدعوة والقيمومة عليها، إذ لم يمض على هذه القيمومة ربع قرن حتى بدأت الخلافة الراشدة والتجربة الإسلامية، التي تولى جيل المهاجرين والأنصار قيادتها تنهار تحت وقع الضربات الشديدة التي وجهها أعداء الإسلام القدامى، ولكن من داخل إطار التجربة الإسلامية لا من خارجها، إذ استطاعوا أن يتسللوا إلى مراكز النفوذ في التجربة بالتدريج، ويستغلوا القيادة غير الواعية، ثم صادروا بكل وقاحة وعنف، تلك القيادة، وأجيروا الأمة وجيلها الطليعي الرائد على التنازل عن شخصيته وقيادته، وتحولت الزعامة إلى ملك موروث، يستهتر بالكرامات ويقتل الأبرياء، ويبعثر الأموال، ويعطل الحدود، ويجمد الأحكام، ويتلاعب بمقدرات الناس، وأصبح الفيء والسواد بستانا لقريش، والخلافة كرة يتلاعب بها صبيان بني أمية.

فواقع التجربة بعد النبي، وما تمخض عنه بعد ربع قرن من نتائج يدعم الاستنتاج المتقدم، الذي يؤكد أن إسناد القيادة والإمامية الفكرية والسياسية لجيل المهاجرين والأنصار عقيب وفاة النبي صلى الله عليه وآله مباشرة إجراء مبكر، وقبل وقته الطبيعي ولهذا ليس من المعقول أن يكون النبي قد اتخذ إجراء من هذا القبيل.

 

 

 

 

الطريق الثالث (الفرضية الثالثة): الايجابية ممثلة بالاختيار والتعيين

إن الطريق الثالث المفترض هو الايجابية ممثلة في إعداد ونصب من يقود الأمة وهذا هو الطريق الوحيد الذي بقي منسجما مع طبيعة الأشياء، ومعقولا في ضوء ظروف الدعوة والدعاة، وسلوك النبي صلى الله عليه وآله، وهو أن يقف النبي من مستقبل الدعوة بعد وفاته موقفا إيجابيا، فيختار بأمر الله سبحانه وتعالى -شخصا يرشحه عمق وجوده في كيان الدعوة، فيعده إعداد رساليا وقياديا خاصا، لتمثل فيه المرجعية الفكرية والزعامة السياسية للتجربة، وليواصل بعده بمساندة القاعدة الشعبية الواعية من المهاجرين والأنصار قيادة الأمة وبناءها عقائديا، وتقريبها باستمرار نحو المستوى الذي يؤهلها لتحمل المسؤوليات القيادية. وهكذا نجد أن هذا هو الطريق الوحيد الذي كان بالإمكان أن يضمن سلامة مستقبل الدعوة، وصيانة التجربة في خط نموها وهكذا كان. وليس ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله من النصوص التي تدل على أنه كان يمارس إعداد رساليا وتثقيفا عقائديا خاصا لبعض الدعاة على مستوى يهيئه للمرجعية الفكرية والسياسية، وإنه صلى الله عليه وآله قد عهد إليه بمستقبل الدعوة، وزعامة الأمة من بعده، فكريا وسياسيا، ليس هذا إلا تعبيرا عن سلوك القائد الرسول صلى الله عليه وآله للطريق الثالث الذي كانت تفرضه، وتدل عليه من قبل ذلك طبيعة الأشياء كما عرفنا. ولم يكن هذا الشخص الداعية المرشح للإعداد الرسالي القيادي، والمنصوب لتسلم مستقبل الدعوة، وتزعمها فكريا وسياسيا، إلا علي بن أبي طالب، الذي رشحه لذلك عمق وجوده في كيان الدعوة، وإنه المسلم الأول، والمجاهد الأول في سبيلها عبر كفاحها المرير ضد كل أعدائها، وكذلك عمق وجوده في حياة القائد الرسول صلى الله عليه وآله، وإنه ربيبه الذي فتح عينيه في حجره، ونشأ في كنفه، وتهيأت له من فرص التفاعل معه والاندماج بخطه، ما لم يتوفر لأي إنسان آخر.

والشواهد من حياة النبي والإمام علي، على أن النبي صلى الله عليه وآله كان يعد الإمام إعدادا رساليا خاصا، كثيرة جدا، فقد كان النبي يخصه بكثير من مفاهيم الدعوة وحقائقها، ويبدؤه، بالعطاء الفكري والتثقيف إذا استنفذ الإمام أسئلته، ويختلي به الساعات الطوال في الليل والنهار، يفتح عينيه على مفاهيم الرسالة ومشاكل الطريق، ومناهج العمل إلى آخر يوم من حياته الشريفة.

روى الحاكم في المستدرك بسنده عن أبي إسحاق، سالت القاسم بن العباس "كيف ورث علي رسول الله؟ قال: "لأنه كان أولنا به لحوقا وأشدنا به لزوقا".

وفي حلية الأولياء عن ابن عباس أنه يقول: "كنا نتحدث أن النبي صلى الله عليه وآله عهد إلى علي بسبعين عهدا، لم يعهد إلى غيره".

وروى النسائي في الخصائص عن الإمام علي أنه يقول: "كانت لي منزلة من رسول الله لم تكن لأحد من الخلائق، كنت أدخل على نبي الله كل ليلة، فإن كان يصلي سبح فدخلت، وإن لم يكن يصلي أذن لي فدخلت".

وروي أيضا عن الإمام علي عليه السلام قوله: "كان لي من النبي مدخلان مدخل بالليل ومدخل بالنهار".

وروى النسائي عن الإمام أيضا انه كان يقول: "كنت إذا سألت رسول الله أعطيت، وإذا سكت ابتدأني".

ورواه الحاكم في المستدرك أيضا، وقال: صحيح على شرط الشيخين.

وروي النسائي عن أم سلمة أنها كانت تقول: "والذي تحلف به أم سلمة: إن أقرب الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وآله علي قالت: لما كانت غداة قبض رسول الله، فأرسل إليه رسول الله، وأظنه كان بعثه في حاجة، فجعل يقول: جاء علي؟ ثلاث مرات، فجاء قبل طلوع الشمس، فلما أن جاء عرفنا أن له إليه حاجة، فخرجنا من البيت، وكنا عند رسول الله يومئذ في بيت عائشة، وكنت في آخر من خرج من البيت، ثم جلست وراء الباب، فكنت أدناهم إلى الباب، فأكب عليه علي فكان آخر الناس به عهدا، فجعل يساره ويناجيه".

وقال أمير المؤمنين في خطبته القاصعة الشهيرة، "علمتم موضعي من رسول الله بالقرابة القربية، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد، يضمني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل... ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل لأثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة..."

إن هذه الشواهد، وشواهد أخرى كثيرة، تقدم لنا صورة عن ذلك الإعداد الرسالي الخاص الذي كان النبي صلى الله عليه وآله يمارسه في سبيل توعية الامام على المستوى القيادي للدعوة.

كما إن في حياة الإمام علي عليه السلام بعد وفاة القائد الرسول صلى الله عليه وآله أرقاما كثيرة جدا تكشف عن ذلك الإعداد العقائدي الخاص للإمام علي عليه السلام من قبل النبي صلى الله عليه وآله، بما تعكسه من آثار ذلك الإعداد الخاص ونتائجه. فقد كان الإمام هو المفزع والمرجع لحل أي مشكلة يستعصي حلها على القيادة الحاكمة وقتئذ. ولا نعرف في تاريخ التجربة الإسلامية على عهد الخلفاء واقعة واحدة رجع فهيا الإمام إلى غيره لكي يتعرف على رأي الإسلام وطريقة علاجه للموقف، بينما نعرف في التاريخ عشرات الوقائع التي أحست القيادة الإسلامية الحاكمة بضرورة الرجوع إلى الإمام على رغم تحفظاتها في هذا الموضوع.

وإذا كانت الشواهد كثيرة على أن النبي صلى الله عليه وآله كان يعد الإمام إعداد خاصا لمواصلة قيادة الدعوة من بعده، فالشواهد الفكرية والسياسية رسميا إلى الإمام علي عليه السلام لا تقل عنها كثرة، كما نلاحظ ذلك في حديث الدار، وحديث الثقلين، وحديث المنزلة، وحديث الغدير، وعشرات النصوص النبوية الأخرى.

وهكذا وجد التشيع في إطار الدعوة الإسلامية متمثلا في هذه الأطروحة النبوية التي وضعها النبي صلى الله عليه وآله بأمر من الله. للحفاظ على مستقبل الدعوة.

وهكذا وجد التشيع لا كظاهرة طارئة على مسرح الأحداث، بل كنتيجة ضرورية لطبيعة تكون الدعوة وحاجاتها وظروفها الأصلية التي كانت تفرض على الإسلام أن يلد (التشيع).

وبمعنى آخر كانت تفرض على القائد الأول للتجربة أن يعد للتجربة قائدها الثاني، الذي تواصل على يده ويد خلفائه نموها الثوري، وتقترب نحو اكتمال هدفها التغييري في اجتثاث كل رواسب الماضي الجاهلي وجذوره، وبناء أمة جديدة على مستوى متطلبات الدعوة ومسؤولياتها.

العودة لصفحة الشهيد محمد باقر الصدر