عقائد الشيعة الإمامية /  الشهيد محمد باقر الصدر / فدك في التاريخ

فدك بمعناها الحقيقي والرمزي

"بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء، فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين"

قرين الزهراء أمير المؤمنين عليه السلام (نهج البلاغة / تنظيم صبحي الصالح: 416)

 

الموقع

فدك: قرية في الحجاز، بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة، وهي أرض يهودية في مطع تاريخها المأثور. وكان يسكنها طائفة من اليهود، ولم يزالوا على ذلك حتى السنة السابعة حيث قذف الله بالرعب في قلوب أهليها فصالحوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على النصف من فدك وروي أنه صالحهم عليها كلها.

 

فدك في أدوارها الأولى

وابتدأ بذلك تاريخها الإسلامي، فكانت ملكا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأنها مما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، ثم قدمها لابنته الزهراء، وبقيت عندها حتى توفي أبوها صلى الله عليه وآله وسلم فانتزعها الخليفة الأول رضى عنه الله -على حد تعبير صاحب الصواعق المحرقة- وأصبحت من مصادر المالية العامة وموارد ثروة الدولة يومذاك، حتى تولى عمر الخلافة فدفع فدكا إلى ورثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبقيت فدك عند آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن تولى الخلافة عثمان بن عفان فأقطعها مروان بن الحكم على ما قيل، ثم يهمل التاريخ أمر فدك بعد عثمان فلا يصرح عنها بشيء.

ولكن الشيء الثابت هو أن أمير المؤمنين عليا انتزعها من مروان على تقدير كونها عنده في خلافة عثمان كسائر ما نهبه بنو أمية في أيام خليفتهم.

 

في عهد أمير المؤمنين

وقد ذكر بعض المدافعين عن الخليفة في مسألة فدك أن عليا لم يدفعها عن المسلمين بل اتبع فيها سيرة أبي بكر، فلو كان يعلم بصواب الزهراء وصحة دعواها ما انتهج ذلك المنهج. ولا أريد أن أفتح في الجواب بحث التقية على مصراعيه وأوجه بها عمل أمير المؤمنين، وإنما أمنع أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام قد سار على طريقة الصديق، فإن التاريخ لم يصرح بشيء من ذلك، بل صرح بأن أمير المؤمنين كان يرى فدك لأهل البيت، وقد سجل هذا الرأي بوضوح في رسالته إلى عثمان بن حنيف كما سيأتي.

فمن الممكن أنه كان يخص ورثة الزهراء وهم أولادها وزوجها بحاصلات فدك، وليس في هذا التخصيص ما يوجب إشاعة الخبر، لأن المال كان عنده وأهله الشرعيون هو وأولاده. كما يحتمل أنه كان ينفق غلاتها في مصالح المسلمين برضى منه ومن أولاده عليهم الصلاة والسلام، بل لعلهم أوقفوها وجعلوها من الصدقات العامة.

 

في فترة الأمويين

ولما ولي معاوية بن أبي سفيان الخلافة أمعن في السخرية وأكثر من الاستخفاف بالحق المهضوم، فأقطع مروان بن الحكم ثلث فدك، وعمر بن عثمان ثلثها، ويزيد ابنه ثلثها الآخر، فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت كلها لمروان بن الحكم أيام ملكه، ثم صفت لعمر بن عبد العزيز بن مروان، فلما تولى هذا الأمر رد فدك على ولد فاطمة عليها السلام وكتب إلى واليه على المدينة أبى بكر بن عمرو بن حزم يأمره بذلك، فكتب إليه: (إن فاطمة عليها السلام قد ولدت في آل عثمان وآل فلان وفلان فعلى من أرد منهم؟ فكتب إليه: أما بعد، فإني لو كتبت إليك أمرك أن تذبح بقرة لسألتني ما لونها فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقسمها في ولد فاطمة عليها السلام من علي عليه السلام)، فنقمت بنو أمية ذلك على عمر بن عبد العزيز وعاتبوه فيه وقالوا له: (هجنت فعل الشيخين). وقيل: إنه خرج إليه عمر بن قيس في جماعة من أهل الكوفة فلما عاتبوه على فعله قال لهم: (إنكم جهلتم وعلمت، ونسيتم وذكرت، إن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم حدثني عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (فاطمة بضعة مني يسخطها ما يسخطني، ويرضيني ما أرضاها) وإن فدك كانت صافية على عهد أبي بكر وعمر ثم صار أمرها إلى مروان فوهبها لعبد العزيز أبي فورثتها أنا واخوتي عنه فسألتهم أي يبيعوني حصتهم منها فمن بائع وواهب حتى استجمعت لي فرأيت أن أردها على ولد فاطمة)، فقالوا له: (فإن أبيت إلا هذا فأمسك الأصل وأقسم الغلة، ففعل). ثم انتزعها يزيد بن عبد الملك من أولاد فاطمة فصارت في أيدي بني مروان حتى انقرضت دولتهم.

 

في فترة العباسيين

فلما قام أبو العباس السفاح بالأمر وتقلد الخلافة ردها على عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب ثم قبضها أبو جعفر المنصور في خلافته من بني الحسن وردها المهدي بن المنصور على الفاطميين ثم قبضها موسى بن المهدي من أيديهم.

ولم تزل في أيدي العباسيين حتى تولى المأمون الخلافة فردها على الفاطميين سنة (210 ه‍ ) وكتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة: أما بعد، فإن أمير المؤمنين بمكانه من دين الله وخلافة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والقرابة به أولى من استن سنته، ونفذ أمره، وسلم لمن منحه منحة وتصدق عليه بصدقة منحته وصدقته، وبالله توفيق أمير المؤمنين وعصمته وإليه في العمل بما يقربه إليه رغبته، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطى فاطمة بنت رسول الله فدك وتصدق بها عليها، وكان ذلك أمرا ظاهرا معروفا لا اختلاف فيه بين آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم تزل تدعي منه ما هو أولى به من صدق عليه، فرأى أمير المؤمنين أن يردها إلى ورثتها ويسلمها إليهم تقربا إلى الله تعالى بإقامة حقه وعدله وإلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتنفيذ أمره وصدقته.

فأمر بإثبات ذلك في دواوينه والكتاب به إلى عماله، فلئن كان ينادى في كل موسم بعد أن قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يذكر كل من كانت له صدقة أو هبة أو عدة ذلك فيقبل قوله وتنفذ عدته، إن فاطمة (رضي الله عنها) لأولى بأن يصدق قولها فيما جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لها، وقد كتب أمير المؤمنين إلى المبارك الطبري -مولى أمير المؤمنين- يأمره برد فدك على ورثة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحدودها وجميع حقوقها المنسوبة إليها وما فيها من الرقيق والغلات وغير ذلك، وتسليمها إلى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لتولية أمير المؤمنين إياهما القيام بها لأهلها.

فاعلم ذلك من رأى أمير المؤمنين وما ألهمه الله من طاعته ووفقه له من التقرب إليه وإلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأعلمه من قبلك، وعامل محمد بن يحيى ومحمد بن عبد الله بما كنت تعامل به المبارك الطبري، وأعنهما على ما في عمارتها ومصلحتها ووفور غلاتها إن شاء الله والسلام.

ولما بويع المتوكل على الله انتزعها من الفاطميين وأقطعها عبد الله بن عمر البازيار وكان فيها إحدى عشرة نخلة غرسها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده الكريمة، فوجه عبد الله بن عمر البازيار رجلا يقال له: بشران بن أبي أمية الثقفي إلى المدينة فصرم تلك النخيل ثم عاد إلى البصرة ففلج. وينتهي آخر عهد الفاطميين بفدك بخلافة المتوكل ومنحه إياها عبد الله ابن عمر البازيار.

هذه إلمامة مختصرة بتاريخ فدك المضطرب الذي لا يستقيم على خط ولا يجمع على قاعدة، وإنما حاكت أكثره الأهواء، وصاغته الشهوات على ما اقتضته المطامع والسياسات الوقتية، وعلى هذا فلم يخل هذا التاريخ من اعتدال واستقامة في أحايين مختلفة، وظروف متباعدة، حيث توكل فدك إلى أهلها وأصحابها الأولين.

ويلاحظ أن مشكلة فدك كانت قد حازت أهمية كبرى بنظر المجتمع الإسلامي وأسياده، ولذا ترى حلها يختلف باختلاف سياسة الدولة، ويرتبط باتجاه الخليفة العام نحو أهل البيت مباشرة، فهو إذا استقام اتجاهه، واعتدل رأيه، رد فدك على الفاطميين، وإذا لم يكن كذلك وقع انتزاع فدك في أول القائمة من أعمال ذلك الخليفة.

 

القيمة المعنوية والمادية لفدك

ويدلنا على مدى ما بلغته فدك من القيمة المعنوية في النظر الإسلامي قصيدة دعبل الخزاعي التي أنشأها حينما رد المأمون فدك ومطلعها:

أصبح وجه الزمان قد ضحكا         برد مأمون هاشم فدكـــــــــــا

وقد بقيت كلمة بسيطة وهي أن فدك لم تكن أرضا صغيرة أو مزرعا متواضعا كما يظن البعض، بل الأمر الذي أطمئن إليه أنها كانت تدر على صاحبها أموالا طائلة تشكل ثروة مهمة وليس علي بعد هذا أن أحدد الحاصل السنوي منها وإن ورد في بعض طرقنا الارتفاع به إلى أعداد عالية جدا.

ويدل على مقدار القيمة المادية لفدك أمور:

(الأول) ما سيأتي من أن عمر منع أبا بكر من ترك فدك للزهراء لضعف المالية العامة مع احتياجها إلى التقوية لما يتهدد الموقف من حروب الردة وثروات العصاة.

ومن الجلي أن أرضا يستعان بحاصلاتها على تعديل ميزانية الدولة، وتقوية مالياتها في ظروف حرجة كظرف الثورات والحروب الداخلية لا بد أنها ذات نتاج عظيم.

(الثاني) قول الخليفة لفاطمة في محاورة له معها حول فدك: (إن هذا المال لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما كان مالا من أموال المسلمين يحمل النبي به الرجال وينفقه في سبيل الله)، فإن تحميل الرجال لا يكون إلا بمال مهم تتقوم به نفقات الجيش.

(الثالث) ما سبق من تقسيم معاوية فدك أثلاثا، وإعطائه لكل من يزيد ومروان وعمرو بن عثمان ثلثا، فإن هذا يدل بوضوح على مدى الثروة المجتناة من تلك الأرض، فإنها بلا شك ثروة عظيمة تصلح لأن توزع على امراء ثلاثة من أصحاب الثراء العريض والأموال الطائلة.

(الرابع) التعبير عنها بقرية كما في معجم البلدان، وتقدير بعض نخليها بنخيل الكوفة في القرن السادس الهجري كما في شرح النهج لابن أبي الحديد.

 

عودة لصفحة الشهيد محمد باقر الصدر