عقائد الشيعة الإمامية /  الشهيد محمد باقر الصدر / فدك في التاريخ

فدك في التاريخ بحث للسيد محمد باقر الصدر

على مسرح الثورة

"فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون" الزهراء عليها السلام

 

تمهيد

وقفت لا يخالجها شك فيما تقدم عليه، ولا يطفح عليها موقفها الرهيب بصبابة من خوف أو ذعر، ولا يمر على خيالها الذي كان جديا كلم الجد، تردد في تصميمها، ولا تساورها هاجسة من هواجس القلق والارتباك، وها هي الان في أعلى القمة من استعدادها النبيل، وثباتها الشجاع على خطتها الطموح، وأسلوبها الدفاعي، فقد كانت بين بابين لا يتسعان لتردد طويل، ودرس عريض، فلا بد لها من اختيار أحدهما وقد اختارت الطريق المتعب من الطريقين الذي يشق سلوكه على المرأة بطبيعتها الضعيفة لما يكتنفه من شدائد ومصاعب تتطلب جرأة أدبية، وملكة بيانية مؤثرة، وقدرة على صب معاني الثورة كلها في كلمات وبراعة وفنية في تصوير النقمة، ونقد الأوضاع القائمة تصويرا ونقدا يجعلان في الألفاظ معنى من حياة، وحظا من خلود، لتكون الحروف جنود الثورة الخيرة، وسندها الخالد في تاريخ العقيدة، ولكنه الأيمان والاستبسال في سبيل الحق الذي يبعث في النفوس الضعيفة نقائضها، ويفجر في الطبائع المخذولة قوة لا تتعرض لضعف ولا تردد. ولذا كان اختيار الثائرة لهذا الطريق مما يوافق طبعها، ويلتئم مع شخصيتها المركزة على الانتصار للحق، والاندفاع في سبيله.

وكانت حولها نسوة متعددات من حفدتها ونساء قومها كالنجوم المتناثرة يلتففن بها بغير انتظام، وهن جميعا سواسية في هذا الاندفاع والالتياع، وقائدتهن بينهن تستعرض ما ستقدم عليه من وثبة كريمة تهيئ لها العدة والذخيرة، وهي كلما استرسلت في استعراضها ازدادت رباطة جأش، وقوة جنان، وتضاعفت قوة الحق التي تعمل في نفسها، واشتدت صلابة في الحركة، وانبعاثا نحو الدفاع عن الحقوق المسلوبة، ونشاطا في الاندفاع، وبسالة في الموقف الرهيب، كأنها قد استعارت في لحظتها هذه قلب رجلها العظيم، لتواجه به ظروفها القاسية وما حاكت لها يد القدر -أستغفر الله- بل ما قدر لها المقدر الحكيم من مأساة مروعة تهد الجبل وتزلزل الصعب الشامخ. وكانت في لحظتها الرهيبة التي قامت فيها بدور الجندي المدافع شبحا قائما ترتسم عليه سحابة حزن مرير، وهي شاحبة اللون، عابسة الوجه، مفجوعة القلب، كاسفة البال، منهدة العمد، ضعيفة الجانب، مائعة الجسم، وفي صميم نفسها، وعميق فكرها، المتأملة إشعاعة بهجة، وإثارة طمأنينة، وليس هذا ولا ذاك استعذابا لأمل باسم، أو سكونا إلى حلم لذيذ، أو استقبالا لنتيجة حسنة مترقبة، بل كانت الإشعاعة إشعاعة رضا بالفكرة، والاستبشار بالثورة، وكانت الطمأنينة ثقة بنجاح، لا هذا الذي نفيناه بل على وجه آخر، وإن في بعض الفشل الآجل إيجابا لنجاح عظيم وكذلك وقع، فقد قامت أمة برمتها تقدس هذه الثورة النائرة بل تستمد منها ثباتها واستبسالها في هذا الثبات.

ودفعتها أفكارها في وقفتها تلك إلى الماضي القريب يوم كانت موجات السعادة تلعب بحياتها السعيدة، ويوم كان نفس أبيها يصعد، ونسمه يهبط. وكان بيتها قطب الدولة العتيد، ودعامة المجد الراسخة المهيمنة على الزمن الخاشع المطيع.

ولعل أفكارها هذه ساقتها إلى تصور أبيها صلى الله عليه وآله وسلم وهو يضمها إلى صدره الرحيب، ويحوطها بحنانه العبقري، ويطبع على فمها الطاهر قبلاته التي اعتادتها منه، وكانت غذاءها صباحا ومساء.

ثم وصلت إلى حيث بلغت سلسلة الزمن، فيواجهها الواقع العابس وإذا بالزمان غير الزمان وها هو بيتها مشكاة النور ورمز النبوة والإشعاعة المتألقة المحلقة بالسماء، مهدد بين الفينة والفينة، وها هو ابن عمها الرجل الثاني في دنيا الإسلام باب علم النبوة، ووزيرها المخلص، وهارونها المرجى، الذي لم يكن لينفصل ببدايته الطاهرة عن بداية النبوة المباركة، فهو ناصرها في البداية، وأملها الكبير في النهاية، يخسر أخيرا خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتقوض معنوياته النورية التي شهدت لها السماء والأرض جميعا، وتسقط سوابقه الفذة عن الاعتبار ببعض المقاييس التي تم اصطلاحها في تلك الأحايين.

وهنا بكت بكاء شقيا ما شاء الله لها أن تبكي، ولم يكن بكاء بمعناه الذي يظهر على الأسارير، ويخيم على المظاهر، بل كان لوعة الضمير، وارتياع النفس، وانتفاضة الحسرات في أعماق القلب، وختمت طوافها الأليم هذا بعبرتين ندتا من مقلتيها.

ثم لم تطل وقفتها، بل اندفعت كالشرارة الملتهبة وحولها صويحباتها حتى وصلت إلى ميدان الصراع، فوقفت وقفتها الخالدة، وأثارت حربها التي استعملت فيها ما يمكن مباشرته للمرأة في الإسلام، وكادت ثورتها البكر أن تلتهم الخلافة لولا أن عاكسها شذوذ الظرف، وتناثرت أمامها العقبات.

 

أجواء الحدث

تلك هي الحوراء الصديقة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ريحانة النبوة، ومثال العصمة، وهالة النور المشعة، وبقية الرسول بين المسلمين -في طريقها إلى المسجد- وقد خسرت أبوة في أزهى الأبوات في تاريخ الإنسان، وأفيضها حنانا، وأكثرها إشفاقا، وأوفرها بركة.

وهذه كارثة من شأنها أن تذيق المصاب بها مرارة الموت أو أن تظهر له الموت حلوا شهيا، وأملا نيرا.

وهكذا كانت الزهراء حينما لحق أبوها بالرفيق الأعلى، وطارت روحه الفرد إلى جنان ربها راضية مرضية.

ثم لم تقف الحوادث المرة عند هذا الحد الرهيب، بل عرضت الزهراء لخطب آخر قد لا يقل تأثيرا في نفسها الطهور، وإيقادا لحزنها، وإذكاء لأساها عن الفاجعة الأولى كثيرا وهو خسارة المجد الذي سجلته السماء لبيت النبوة على طول التاريخ، وأعني بهذا المجد العظيم سيادة الأمة وزعامتها الكبرى، فقد كان من تشريعات السماء أن يسوس آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمته وشيعته، لأنهم مشتقاته ومصغراته، وإذا بالتقدير المعاكس يصرف مراكز الزعامة عن أهلها، ومناصب الحكم عن أصحابها، ويرتب لها خلفاء وامراء من عند نفسه.

وبهذا وذاك خسرت الزهراء أقدس النبوات والأبوات، وأخلد الرئاسات والزعامات بين عشية وضحاها، فبعثها نفسها المطوقة بآفاق من الحزن والأسف إلى المعركة ومجالاتها، ومباشرة الثورة والاستمرار عليها.

والحقيقة التي لا شك فيها أن أحدا ممن يوافقها على مبدئها ونهضتها لم يكن ليمكنه أن يقف موقفها، ويستبسل استبسالها في الجهاد إلا وأن يكون أكلة باردة، وطعمة رخيصة للسلطات الحاكمة التي كانت قد بلغت يومذاك أوج الضغط والشدة. فعلى الإشارة عتاب، وعلى القول حساب، وعلى الفعل عقاب، فلم يكن ليختلف عما نصطلح عليه اليوم بالأحكام العرفية، وهو أمر ضروري للسلطات يومئذ في سبيل تدعيم أساسها، وتثبيت بنيانها.

أما إذا كان القائم المدافع بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبضعته، وصورته الناضرة، فهي محفوظة لا خوف عليها بلا شك، باعتبار هذه النبوة المقدسة، ولما للمرأة في الإسلام عموما من حرمات وخصائص تمنعها وتحميها من الأذى.

 

مستمسكات الثورة

ارتفعت الزهراء بأجنحة من خيالها المطهر إلى آفاق حياتها الماضية ودنيا أبيها العظيم التي استحالت حين لحق سيد البشر بربه إلى ذكرى في نفس الحوراء متألقة بالنور، تمد الزهراء في كل حين بألوان من الشعور والعاطفة والتوجيه، وتشيع في نفسها ضروبا من البهجة والنعيم، فهي وإن كانت قد تأخرت عن أبيها في حساب الزمن أياما أو شهورا، ولكنها لم تنفصل عنه في حساب الروح والذكرى لحظة واحدة.

وإذن ففي جنبيها معين من القوة لا ينضب، وطاقة على ثورة كاسحة لا تخمد، وأضواء من نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونفس محمد تنير لها الطريق، وتهديها سواء السبيل.

وتجردت الزهراء في اللحظة التي اختمرت فيها ثورة نفسها عن دنيا الناس، واتجهت بمشاعرها إلى تلك الذكرى الحية في نفسها لتستمد منها قبسا من نور في موقفها العصيب، وصارت تنادي: إلي يا صور السعادة التي أفقت منها على شقاء لا يصطبر عليه... إلي يا أعز روح علي، وأحبها إلي... حدثيني وأفيضي علي من نورك الإلهي، كما كنت تصنعين معي دائما.

إلي يا أبي أناجيك إن كانت المناجاة تلذ لك، أبثك همومي كما اعتدت أن أفعل في كل حين، وأخبرك أن تلك الظلال الظليلة التي كانت تقيني من لهيب هذه الدنيا لم يعد لي منها شيء.

قد كان بعدك أبناء وهنبثة            لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب

إلي يا ذكريات الماضي العزيز حدثيني حديثك الجذاب ورددي على مسامعي كل شيء لأثيرها حربا لا هوادة فيها على هؤلاء الذين ارتفعوا أو ارتفع الناس بهم إلى منبر أبي ومقامه، ولم يعرفوا لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم حقوقهم، ولا لبيتهم حرمة تصونه من الإحراق والتخريب، ذكريني بمشاهد أبي وغزواته ألم يكن يقص علي ألوانا من بطولة أخيه وصهره واستبساله في الجهاد، وتفوقه على سائر الأنداد، ووقوفه إلى صف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أشد الساعات، وأعنف المعارك التي فر فيها فلان وفلان وتقاصر عن اقتحامها الشجعان. أيصح بعد هذا أن نضع أبا بكر على منبر النبي وننزل بعلي عما يستحق من مقام.

خبريني يا ذكريات أبي العزيز أليس أبو بكر هو الذي لم يأتمنه الوحي على تبليغ آية للمشركين؟ وانتخب للمهمة عليا، فماذا يكون معنى هذا إن لم يكن معناه أن عليا هو الممثل الطبيعي للاسلام الذي يجب أن تستند إليه كل مهمة لا يتيسر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرتها.

إني لأتذكر بوضوح ذلك اليوم العصيب الذي أرجف فيه المرجفون لما استخلف أبي عليا على المدينة وخرج إلى الحرب، فوضعوا لهذا الاستخلاف ما شاؤوا من تفاسير، وكان علي ثابتا كالطود لا تزعزعه مشاغبات المشاغبين، وكنت أحاول أن يلتحق بأبي ليحدثه بحديث الناس، وأخيرا لحق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم رجع متهلل الوجه ضاحك الأسارير، تحمله الفرحة إلى قرينته الحبيبة ليزف إليها بشرى لا بمعنى من معاني الدنيا بل بمعنى من معاني السماء. فقص علي كيف استقبله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورحب به وقال له: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)، وهارون موسى كان شريكا له في الحكم، وإماما لامته، ومعدا لخلافته، فلابد أن يكون هارون محمد صلى الله عليه وآله وسلم وليا للمسلمين وخليفته فيهم من بعده.

ولما وصلت إلى هذه النقطة من أفكارها المتدفقة صرخت إن هذا هو الانقلاب الذي أنذر تعالى في كتابه إذ قال: "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم). فها هم الناس قد انقلبوا على أعقابهم، واستولى عليهم المنطق الجاهلي الذي تبادله الحزبان في السقيفة حين قال أحدهما: (نحن أهل العزة والمنعة، وأولوا العدد والكثرة، وأجابه الاخر: من ينازعنا سلطان محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونحن أولياؤه وعترته) وسقط الكتاب والسنة في تلك المقاييس ثم أخذت تقول:

يا مبادئ محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي جرت في عروقي منذ ولدت كما يجري الدم في العصب، إن عمر الذي هجم عليك في بيتك المكي الذي أقامه النبي مركزا لدعوته قد هجم على آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دارهم وأشعل النار فيها أو كاد...

يا روح أمي العظيمة إنك ألقيت علي درسا خالدا في حياة النضل الإسلامي بجهادك الرائع في صف سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم وسوف أجعل من نفسي خديجة علي في محنته القائمة.

لبيك لبيك يا أماه إني أسمع صوتك في أعماق روحي يدفعني إلى مقاومة الحاكمين.

فسوف أذهب إلى أبي بكر لأقول له: (لقد جئت شيئا فريا، فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة) ولأنبه المسلمين إلى عواقب فعلتهم والمستقبل القاتم الذي بنوه بأيديهم وأقول: (لقد لقحت فنظرة ريثما تحلب، ثم احتلبوها طلاع القعب دما عبيطا، وهناك يخسر المبطلون، ويعرف التالون، غب ما أسس الأولون).

ثم اندفعت إلى ميدان العمل وفي نفسها مبادئ محمد صلى الله عليه وآله وسلم وروح خديجة، وبطولة علي، وإشفاق عظيم على هذه الأمة من مستقبل مظلم.

 

طريق الثورة

لم يكن الطريق الذي اجتازته الثائرة طويلا، لأن البيت الذي انبعث منه شرر الثورة ولهيبها هو بيت علي عليه السلام، بالطبع الذي كان يصطلح عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيت النبوة، وهو جار المسجد لا يفصل بينهما سوى جدار واحد، فلعلها دخلته من الباب المتصل به، والمؤدي إليه من دارها مباشرة، كما يمكن أن يكون مدخلها الباب العام. ولا يهمنا تعيين أحد الطريقين، وإن كنت أرجح أنها سلكت الباب العام لأن سياق الرواية التاريخية التي حكت لنا هذه الحركة الدفاعية يشعر بهذا، فإن دخولها من الباب الخاص لا يكلفها سيرا في نفس المسجد، ولا اجتياز طريق بينه وبين بيتها، فمن أين للراوي أن يصف مشيها، وينعته بأنه لا يخرم مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو لم يكن معها بالطبع؟! ولو تصورنا أنها سارت في نفس المسجد، لا ينتهي سيرها بالدخول على الخليفة، وإنما يبتدي بذلك، لأن من دخل المسجد صدق عليه أنه دخل على من فيه، وإن سار في ساحته من أن الراوي يجعل دخولها على أبي بكر متعقبا لمشيها، وهذا وغيره يكون قرينة على ما استقريناه.

 

النسوة

وتدلنا الرواية على أن الزهراء كانت تصحب معها نسوة من قومها وحفدتها كما سبق ذكره، ومرد هذه الصحبة وذلك الاختيار للباب العام إلى أمر واحد، وهو تنبيه الناس، وكسب التفاتهم باجتيازها في الطريق مع تلك النسوة ليجتمعوا في المسجد، ويتهافتوا حيث ينتهي بها السير بقصد التعرف على ما تريده، وتعزم عليه من قول أو فعل، وبهذا تكون المحاكمة علنية تعيها أسماع عامة المسلمين في ذلك الوسط المضطرب.

 

ظاهرة

سبق أن الرواية التاريخية جاءت تنص على أن الزهراء لم تكن لتخرم في مشيتها مشية أبيها صلى الله عليه وآله وسلم. ويتسع لنا المجال لفلسفة هذا التقليد الدقيق، فلعله كان طبيعة قد جرت عليها في موقفها هذا بلا تكلف ولا اعتناء خاص، وليس هذا ببعيد فإنها (صلوات الله عليها) قد اعتادت أن تقلد أباها وتحاكيه في سائر أفعالها وأقوالها، ويحتمل أن يكون لهذه المشابهة المتقنة وجه آخر بأن كانت الحوراء قد عمدت في موقفها يومذاك إلى تقليد أبيها في مشيه عن التفات وقصد فأحكمت التمثيل، وأجادت المحاكاة، فلم تكن لتخرم مشية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأرادت بهذا أن تستولي على المشاعر وإحساس الناس، وعواطف الجمهور بهذا التقليد الباهر الذي يدفع بأفكارهم إلى سفر قصير، وتجول لذيذ في الماضي القريب حيث عهد النبوة المقدس، والأيام الضواحك التي قضوها تحت ظلال نبيهم الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون في إرهاف هذه الاحساسات وصقلها صقلا عاطفيا ما يمهد للزهراء الشروع في مقصودها، ويوطئ القلوب لتقبل دعوتها الصارخة، واستجابة استنقاذها الحزين، ونجاح محاولتها اليائسة أو شبه اليائسة. ولذا ترى أن الراوي نفسه أثرت عليه هذه الناحية أيضا من حيث يشعر أو لا يشعر، ودفعه تأثره هذا إلى تسجيلها فيما سجل من تصوير الحركة الفاطمية.

صرخة باركتها الزهراء، ورعتها السماء فكانت عند اندلاعها محط الثقل الذي تركز عنده الحق المذبوح، والمحاولة اليائسة التي شاعت حولها ابتسامات أمل استحالت بعد انتهائها إلى عبوس مرير، ويأس ثابت، واستسلام فرضته حياة الناس الواقعة يومذاك.

ثورة لم تكن لتقصد بها الثائرة نتيجة لها على ما يطرد في الثورات الأخرى بقدر ما كانت تهدف إلى تثبيت الثورة لذاتها، وتسجيلها فيما يسجله التاريخ في سطوره البارزة، فكانت الثورة على هذا بنفسها تؤدي الغرض كاملا غير منقوص، وهذا ما وقع بالفعل وبه نفسر الحكم بنجاحها وإن فشلت كما سنوضحه في موقع آخر من هذا الكتاب.

عودة لصفحة الشهيد محمد باقر الصدر