عقائد الشيعة الإمامية /  الشهيد محمد باقر الصدر / فدك في التاريخ

تاريـخ الثـورة

قد كان بعدك أنباء وهنبثــــة        لو كنت شاهدها لم تكثر الخطـب

أبدت رجال لنا نجوى صدورهـم       لما مضيت وحالت دونك التــرب

صبت علي مصائب لو أنـــها       صـــبت على الأيام صرن لياليا

قد كنت أرتع تحت ضل محمــد       لا اختشي ضيما وكان جماليـــا

واليوم أخضع للذليل وأتقــــي       ضيمي وأدفع ظالمي بردائيـــا

 

الزهراء عليها السلام/ منهج دراسة التاريخ

إذا كان التجرد عن المرتكزات، والأناة في الحكم، والحرية في التفكير شروطا للحياة الفكرية المنتجة، وللبراعة الفنية في كل دراسة عقلية مهما يكن نوعها، ومهما يكن موضوعها، فهي أهم الشروط الأساسية لإقامة بناء تاريخي محكم لقضايا أسلافنا ترتسم فيه خطوط حياتهم التي صارت ملكا للتاريخ، ويصور عناصر شخصياتهم التي عرفوها في أنفسهم أو عرفها الناس يومئذ فيهم، ويتسع لتأملات شاملة لكل موضوع من موضوعات ذلك الزمن المنصرم يتعرف بها على لونه التاريخي والاجتماعي ووزنه في حساب الحياة العامة، أو في حساب الحياة الخاصة التي يعني بها الباحث، وتكون مدارا لبحثه، كالحياة الدينية، والأخلاقية، والسياسية إلى غير ذلك من النواحي التي يأتلف منها المجتمع الانساني على شرط أن تستمد هذه التأملات كيانها النظري من عالم الناس المنظور لا من عالم تبتدعه العواطف والمرتكزات، وينشئه التعبد والتقليد، ولا من خيال مجنج يرتفع بالتوافه والسفاسف إلى الذروة، ويبني عليها ما شاء من تحقيق ونتائج، ولا من قيود لم يستطع الكاتب أن يتحرر عنها ليتأمل ويفكر كما تشاء له أساليب البحث العلمي النزيه.

وأما إذا جئنا للتاريخ لا لنسجل واقع الأمر خيرا كان أو شرا، ولا لنجس دراستنا في حدود من مناهج البحث العلمي الخالص، ولا لنجمع الاحتمالات والتقديرات التي يجوز افتراضها ليسقط منها على محك البحث ما يسقط ويبقى ما يليق بالتقدير والملاحظة، بل لنستلهم عواطفنا وموروثاتنا ونستمد من وحيها الأخاذ تاريخ أجيالنا السابقة، فليس ذلك تاريخا لأولئك الأشخاص الذين عاشوا على وجه الأرض يوما ما، وكانوا بشرا من البشر تتنازعهم ضروب شتى من الشعور والاحساس، وتختلج في ضمائرهم ألوان مختلفة من نوازع الخير ونزعات الشر، بل هو ترجمة لأشخاص عاشوا في ذهننا وطارت بهم نفوسنا إلى الآفاق العالية من الخيال.

فإذا كنت تريد أن تكون حرا في تفكيرك، ومؤرخا لدنيا الناس لا روائيا يستوحي من دنيا ذهنه ما يكتب، فضع عواطفك جانبا أو إذا شئت فاملأ بها شعاب نفسك فهي ملكك لا ينازعك فيها أحد، واستثن تفكيرك الذي به تعالج البحث، فإنه لم يعد ملكك بعد أن اضطلعت بمسؤولية التاريخ وأخذت على نفسك أن تكون أمينا ليأتي البحث مستوفيا لشروطه قائما على أسس صحيحة من التفكير والاستنتاج.

كثيرة جدا هذه الأسباب التي تحول بين نقاد التاريخ وبين حريتهم فيما ينقدون، وقد اعتاد المؤرخون أو أكثر المؤرخين بتعبير أصح، أن يقتصروا على ضروب معينة من هندسة الحياة التي يؤرخونها، وأن يصوغوا التاريخ صياغة قد يظهر فيها الجمال الفني أحيانا حينما يتوسع الباحث في انطباعاته عن الموضوع، ولكنها صورة باهتة في أكثر الأحايين ليس فيها ما في دنيا الناس التي تصورهم من معاني الحياة وشؤونها المتدفقة بألوان من النشاط، والحركة، والعمل، وسوف تجد فيما يأتي أمثلة بمقدار ما يتسع له موضوعنا من الزمن الدقيق الذي ندرسه في هذه الفصول أعني الظرف الذي تلا وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقررت فيه المسألة الأساسية في تاريخ الإسلام على شكل لا يتغير، وهي نوع السلطة التي ينبغي أن تتولى أمور المسلمين.

 

تقويم تاريخ صدر الإسلام

كلنا نود أن يكون التاريخ الإسلامي في عصره الأول الزاهر طاهرا كل الطهر، بريئا مما يخالط الحياة الإنسانية من مضاعفات الشر ومزالق الهوى، فقد كان عصرا مشعا بالمثاليات الرفيعة، إذ قام على إنشائه أكبر المنشئين للعصور الإنسانية في تاريخ هذا الكوكب على الإطلاق، وارتقت فيه العقيدة الإلهية إلى حيث لم ترتق إليه الفكرة الإلهية في دنيا الفلسفة والعلم، فقد عكس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم روحه في روح ذلك العصر، فتأثر بها وطبع بطابعها الإلهي العظيم، بل فنى الصفوة من المحمديين في هذا الطابع فلم يكن لهم اتجاه إلا نحو المبدع الأعظم الذي ظهرت وتألقت منه أنوار الوجود وإليه تسير، كما كان أستاذهم الأكبر الذي فنى الوجود المنبسط كله بين عينيه ساعة هبوط الرسالة السماوية عليه، فلم يكن يرى شيئا ولا يسمع صوتا سوى الصوت الإلهي المنبعث من كل صوب وحدب، وفي كل جهة من جهات الوجود، وناحية من نواحي الكون يعلن تقليده الشارة الكبرى.

إن عصرا تلغى فيه قيمة الفوارق المادية على الإطلاق، ويستوي فيه الحاكم والمحكوم في نظر القانون، ومجالات تنفيذه، ويجعل مدار القيمة المعنوية، والكرامة المحترمة فيه تقوى الله التي هي تطهير روحي، وصيانة للضمير، وارتفاع بالنفس إلى آفاق من المثالية الرفيعة، ويحرم في عرفه احترام الغني لأنه غني، وإهانة الفقير لأنه فقير، ولا يفرق فيه بين الأشخاص إلا بمقدار الطاقة الانتاجية (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت). ويتسارع فيه إلى الجهاد لصالح النوع الإنساني الذي معناه إلغاء مذهب السعادة الشخصية في هذه ا لدنيا، وإخراجها عن حساب الأعمال.

(أقول): إن العصر الذي تجتمع له كل هذه المفاخر لهو خليق بالتقديس والتبجيل والإعجاب والتقدير، ولكن ماذا أراني دفعت إلى التوسع في أمر لم أكن أريد أن أطيل فيه؟ وليس لي أن أفرط في جنب الموضوع الذي أحاوله بالتوسع في أمر آخر، ولكنها الحماسة لذلك العصر هي التي دفعتني إلى ذلك، فهو بلا ريب زين العصور في الروحانية والاستقامة. أنا أفهم هذا جيدا، وأوافق عليه متحمسا، ولكني لا أفهم أن يمنع عن التعمق في الدرس العلمي، أو التمحيص التاريخي لموضوع كموضوعات الساعة التي نتكلم عنها من مراحل ذلك الزمن، أو يحظر علينا أن نبدأ البحث في مسألة فدك على أساس أن أحد الخصمين كان مخطئا في موقفه بحسب موازين الشريعة ومقاييسها، أو أن نلاحظ أن قصد الخلافة وفكرة السقيفة لم تكن مرتجلة ولا وليدة يومها إذا دلنا على ذلك سير الحوادث حينذاك، وطبيعة الظروف المحيطة بها.

وأكبر الظن أن كثيرا منا ذهب في تعليل مناقب ذلك العصر ومآثره مذهبا جعله يعتقد أن رجالات الزمن الخالي، وبتعبير أوضح تحديدا أن أبا بكر وعمر وأضرابهما الذين هم من موجهي الحياة العامة يومئذ لا يمكن أن يتعرضوا لنقد أو محاكمة، لأنهم بناة ذلك العصر، والواضعون لحياته خطوطها الذهبية، فتاريخهم تاريخ ذلك العصر، وتجريدهم عن شيء من مناقبهم تجريد لذلك العصر عن مثاليته التي يعتقدها فيه كل مسلم.

وأريد أن أترك لي كلمة مختصرة في هذا الموضوع فيها مادة لبحث طويل، ولمحة من دراسة مهمة قد أعرض لها في فرضة أخرى من فرص التأليف، وأكتفي الان أن أتساءل عن نصيب هذا الرأي من الواقع.

صحيح أن الإسلام في أيام الخليفتين كان مهيمنا، والفتوحات متصلة والحياة متدفقة بمعاني الخير، وجميع نواحيها مزدهرة بالانبعاث الروحي الشامل، واللون القرآني المشع، ولكن هل يمكن أن نقبل أن التفسير الوحيد لهذا وجود الصديق أو الفاروق على كرسي الحكم؟ والجواب المفصل عن هذا السؤال نخرج ببيانه عن حدود الموضوع، ولكنا نعلم أن المسلمين في أيام الخليفتين كانوا في أوج تحمسهم لدينهم، والاستبسال في سبيل عقيدتهم، حتى إن التاريخ سجل لنا (إن شخصا أجاب عمر حينما صعد يوما على المنبر وسأل الناس: لو صرفناكم عما تعرفون إلى ما تنكرون ما كنتم صانعين؟ - إذن كنا نستتيبك فإن تبت قبلناك، فقال عمر: وإن لم؟ - قال نضرب عنقك الذي فيه عيناك. فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من إذا اعوججنا أقام أودنا).

ونعلم أيضا أن رجالات الحزب المعارض -وأعني به أصحاب علي- كانوا بالمرصاد للخلافة الحاكمة، وكان أي زلل وانحراف مشوه للون الحكم حينذاك كفيلا بأن يقلبوا الدنيا رأسا على عقب، كما قلبوها على عثمان يوم اشترى قصرا، ويوم ولى أقاربه، ويوم عدل عن السيرة النبوية المثلى، مع أن الناس في أيام عثمان كانوا أقرب إلى الميوعة في الدين واللين والدعة منهم في أيام صاحبيه.

ونفهم من هذا أن الحاكمين كانوا في ظرف دقيق لا يتسع للتغيير والتبديل في أسس السياسة ونقاطها الحساسة لو أرادوا إلى ذلك سبيلا، لأنهم تحت مراقبة النظر الإسلامي العام الذي كان مخلصا كل الاخلاص لمبادئه، وجاعلا لنفسه حق الأشراف على الحكم والحاكمين، ولأنهم يتعرضون لو فعلوا شيئا من ذلك لمعارضة خطرة من الحزب الذي ما يزال يؤمن بأن الحكم الإسلامي لا بد أن يكون مطبوعا بطابع محمدي خالص، وأن الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يطبعه بهذا الطابع المقدس هو علي - وارث رسول الله ووصيه وولي المؤمنين من بعده.

وأما الفتوحات الإسلامية فكان لها الصدارة في حوادث تلك الأيام ولكننا جميعا نعلم أيضا أن ذلك لا يسجل للحكومة القائمة في أيام الخليفتين بلونها المعروف مجدا في حساب التاريخ ما دام كل شأن من شؤون الحرب ومعداته وأساليبه يتهيأ بعمل أشبه ما يكون بالعمل الاجماعي من الأمة الذي تعبر به عن شخصيتها الكاملة تعبيرا عمليا خالدا، ولا يعبر عن شخصية الحاكم الذي لم يصل إليه من لهيب الحرب شرر، ولم يستقل فيه برأي، ولم يتهيأ له إلا بأمر ليس له فيه أدنى نصيب، فإن خليفة الوقت سواء أكان وقت فتح الشام أو العراق ومصر لم يعلن بكلمة الحرب عن قوة حكومته ومقدرة شخصه على أن يأخذ لهذه الكلمة أهبتها، بل أعلن عن قوة الكلمة النبوية التي كانت وعدا قاطعا بفتح بلاد كسرى وقيصر اهتزت له قلوب المسلمين حماسة وأملا بل إيمانا ويقينا، ويحدثنا التاريخ أن كثيرا ممن اعتزل الحياة العملية بعد رسول الله لم يخرج عن عزلته إلى مجالات العمل إلا حين ذكر هذا الحديث النبوي، فقد كان هو والأيمان المتركز في القلوب القوة هيأت للحرب كل ظروفه وكل رجاله وإمكانياته.

وأمر آخر هيأ للمسلمين أسباب الفوز، وأنالهم النصر في معارك الجهاد لا يتصل بحكومة الشورى عن قرب أو بعد، وهو الصيت الحسن الذي نشره رسول الله للاسلام في آفاق الدنيا، وأطراف المعمورة، فلم يكن يتوجه المسلمون إلى فتح بلد من البلاد إلا كان أمامهم جيش آخر من الدعايات والترويجات لدعوتهم ومبادئهم.

وفي أمر الفتوحات شيء آخر هو الوحيد الذي كان من وظيفة الحاكمين وحدهم القيام به دون سائر المسلمين الذين هيئوا بقية الأمور وهو ما يتلو الفتح من بث الروح الإسلامية، وتركيز مثاليات القرآن في البلاد المفتوحة، وتعميق الشعور الوجداني والديني في الناس الذي هو معنى وراء الشهادتين، ولا أدري هل يمكننا أن نسجل للخليفتين شيئا من البراعة في هذه الناحية، أو نشك في ذلك كل الشك كما صار إليه بعض الباحثين، وكما يدل عليه تاريخ البلاد المفتوحة في الحياة الإسلامية. لقد كانت الظروف كلها تشارك الخليفتين في تكوين الحياة العسكرية المنتجة التي قامت على عهدهما، وفي بناء الحياة السياسية الخاصة التي اتخذاها.

ولا أدري ماذا كان موقفهما لو قدر لهما ولعلي أن يتبادلوا ظروفهم فيقف الصديق والفاروق موقف الأمام ويسود في تلك الظروف التي كانت كلها تشجع على بناء سياسة، ومنهج لحكم جديد، وإنشاء حياة لها من ألوان الترف، وضروب النعيم حظ عظيم، فهل كانا يعاكسان تلك الظروف كما عاكسها أمير المؤمنين؟... فضرب بنفسه مثلا في الاخلاص للمبدأ والنزاهة في الحكم.

وأنا لا أقصد بهذا أن أقول إن الخليفتين كانا مضطرين اضطرارا إلى سيرة رشيدة في الحكم، واعتدال في السياسة والحياة، ومرغمين على ذلك، وإنما أعني أن الظروف المحيطة بهما كانت تفرض عليهما ذلك سواء أكانا راغبين فيه أو مكرهين عليه.

كما أني لا أريد أن أجردهما عن كل أثر في التاريخ، وكيف يسعني شيء من ذلك، وهما اللذان كتبا يوم السقيفة سطور التاريخ الإسلامي كله، وإنما عنيت أنهما كانا ضعيفي الأثر في بناء تاريخ أيامهما خاصة، وما ازدهرت به من حياة مكافحة وحياة فاضلة.

 

مع العقاد في دراسته

أكتب هذا كله وبين يدي كتاب (فاطمة والفاطميون) للأستاذ عباس محمود العقاد، وقد جئته بشوق بالغ لأرى ما يكتب في موضوع الخصومة بين الخليفة والزهراء، وأنا على يقين من أن أيام التعبد بأعمال السالفين وتصويبها على كل تقدير قد انتهت، وأن الزمان الذي يتحاشى فيه عن التعمق في شيء من مسائل الفكر الإنساني دينا كانت، أو مذهبا أو تاريخا أو أي شيء آخر قد مضى مع ما مضى من تاريخ الإسلام بعد أ ن طال قرونا. ولعل الخليفة الأول كان هو أول من أعلن ذلك المذهب عندما صرخ في وجه من سأله عن مسألة الحرية الإنسانية والقدر وهدده وتوعده ولكن أليس قد أراحنا الله تعالى من هذا المذهب الذي يسئ إلى روح الإسلام؟.

وإذن فكان لي أن أتوقع بحثا لذيذا يتحفنا به الأستاذ في موضوع الخصومة من شتى نواحيها، ولكن الواقع كان على عكس ذلك، فإذا بكلمة الكتاب حول الموضوع قصيرة وقصيرة جدا وإلى حد أستبيح لنفسي أن أنقلها وأعرضها عليك دون أن أطيل عليك، فقد قال:

(والحديث في مسألة فدك هو كذلك من الأحاديث التي لا تنتهي إلى مقطع للقول متفق عليه، غير أن الصدق فيه: لا مراء أن الزهراء أجل من أن تطلب ما ليس لها بحق وأن الصديق أجل من أن يسلبها حقها الذي تقوم به البينة عليه، ومن أسخف ما قيل أنه إنما منعها فدك مخافة أن ينفق علي من غلتها على الدعوة إليه، فقد ولي الخلافة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ولم يسمع أن أحدا بايعهم لمال أخذه منهم ولم يرد ذكر شيء من هذا في إشاعة ولا في خبر يقين، وما نعلم تزكية لذمة الحكم من عهد الخليفة الأول أوضح بينة من حكمه في مسألة فدك، فقد كان يكسب برضى فاطمة ويرضى الصحابة برضاها وما أخذ من فدك شيئا لنفسه فيما ادعاه عليه مدع، وإنما هو الحرج في ذمة الحكم بلغ أقصاه بهذه القضية بين هؤلاء الخصوم الصادقين المصدقين رضوان الله عليهم أجمعين انتهى).

ونلاحظ قبل كل شيء أن الأستاذ شاء أن يعتبر البحث في مسألة فدك لونا من ألوان النزاع التي ليس لها قرار، ولا يصل الحديث فيه إلى نتيجة فاصلة ليقدم بذلك عذره عن التوفر على دراستها، واعتقد أن في محاكمات هذا الكتاب التي سترد عليك جوابا عن هذا، ونلاحظ أيضا أنه بعد أن جعل مسألة فدك من الأحاديث التي لا تنتهي إلى مقطع للقول متفق عليه، رأى أن فيها حقيقتين لا مراء فيهما ولا جدال: (أحدهما) أن الصديقة أرفع من أن تنالها تهمة بكذب. و (الأخرى) أن الصديق أجل من أن يسلبها حقها الذي تثبته البينة. فإذا لم يكن في صحة موقف الخليفة واتفاقه مع القانون جدال، ففيم الجدال الذي لا قرار له؟! ولم لا تنتهي مسألة فدك إلى مقطع للقول متفق عليه؟!

وأنا أفهم أن للكاتب الحرية في أن يسجل رأيه في الموضوع أي موضوع كما يشاء وكما يشاء له تفكيره بعد أن يرسم للقارئ مدارك ذلك الرأي وبعد أن يدخل تقديرات المسألة كلها في الحساب ليخرج منها بتقدير معين، ولكني لا أفهم أن يقول أن المسألة موضوع لبحث الباحثين ثم لا يأتي إلا برأي مجرد عن المدارك يحتاج إلى كثير من الشرح والتوضيح وإلى كثير من البحث والنظر، فإذا كانت الزهراء أرفع من كل تهمة فما حاجتها إلى البينة؟ وهل تمنع التشريعات القضائية في الإسلام عن أن يحكم العالم استنادا إلى علمه؟ وإذا كانت تمنع عن ذلك فهل معنى هذا أن يجوز في عرف الدين سلب الشيء من المالك؟ هذه أسئلة، ومعها أسئلة أخرى أيضا في المسألة تتطلب جوابا علميا، وبحثا في ضوء أساليب الاستنباط في الإسلام.

وأريد أن أكون حرا؛ وإذن فإني أستميح الأستاذ أن الاحظ أن تزكية موقف الخليفة والصديقة معا أمر غير ممكن، لأن الأمر في منازعتهما لو كان مقتصرا على مطالبة الزهراء بفدك وامتناع الخليفة عن تسليمها له لعدم وجود مستمسك شرعي يحكم بواسطته لها بما تدعيه، وانتهاء المطالبة إلى هذا الحد، لو سعنا أن نقول إن الزهراء طلبت حقها في نفس الأمر والواقع، وإن الخليفة لما امتنع عن تسليمه لها لعدم تهيؤ المدرك الشرعي الذي تثبت به الدعوى تركت مطالبتها، لأنها عرفت أنها لا تستحق فدك بحسب النظام القضائي وسنن الشرع، ولكننا نعلم أن الخصومة بينهما أخذت أشكالا مختلفة حتى بلغت مبلغ الاتهام الصريح من الزهراء وأقسمت على المقاطعة.

وإذن فنحن بين اثنتين: إحداهما أن نعترف بأن الزهراء قد ادعت بإصرار ما ليس لها بحق في عرف القضاء الإسلامي والنظام الشرعي وإن كان ملكها في واقع الأمر، والأخرى أن نلقي التبعة على الخليفة ونقول إنه قد منعها حقها الذي كان يجب عليه أن يعطيها إياه أو يحكم لها بذلك على فرق علمي بين التعبيرين يتضح في بعض الفصول الآتية، فتنزيه الزهراء عن أن تطلب طلبا لا ترضى به حدود الشرع، والارتفاع بالخليفة عن أن يمنعها حقها الذي تسخو به عليها تلك الحدود لا يجتمعان إلا إذا توافق النقيضان.

ولنترك هذا إلى مناقشة أخرى، فقد اعتبر الأستاذ حكم الخليفة في مسألة فدك أوضح بينة ودليل على تزكيته وثباته على الحق وعدم تعديه عن حدود الشريعة لأنه لو أعطى فدك لفاطمة لأرضاها بذ لك وأرضى الصحابة برضاها. ولنفترض معه أن حدود القانون الإسلامي هي التي كانت تفرض عليه أن يحكم بأن فدك صدقة، ولكن ماذا كان يمنعه عن أن ينزل للزهراء عن نصيبه ونصيب سائر الصحابة الذين صرح الأستاذ بأنهم يرضون بذلك؟... أكان هذا محرما في عرف الدين أيضا؟ أو أن أمرا ما أوحى إليه بأن لا يفعل ذلك، بل ماذا كان يمنعه عن تسليم فدك للزهراء بعد أن أعطته وعدا قاطعا بأن تصرف حاصلاتها في وجوه الخير والمصالح العامة؟

وأما ما استسخفه الكاتب من تعليل لحكم الخليفة فسوف نعرف في هذا الفصل ما إذا كان سخيفا حقا. إذا عرفنا أن مرتكزات الناس ليست وحيا من السماء فلا تقبل شكا ولا جدالا، وأن درس مسائل السالفين ليس كفرا، ولا زندقة، ولا تشكيكا في أعلام النبوة كما كانوا يقولون، فلنا أن نتساءل عما بعث الصديقة إلى البدء بمنازعتها حول فدك على ذلك الوجه العنيف الذي لم يعرف أو لم يشأ أن يعرف هيبة للسلطة المهيمنة، أو جلالا للقوة المتصرفة، يعصم الحاكمين من لهيبها المتصاعد، وشررها المتطاير، وبقي الحكم من إشعاعة نور متألقة تلقي ضوءا عليه، فتظهر للتاريخ حقيقته مجردة عن كل ستار، بل كانت بداية المنازعة ومراحلها نذير ثورة مكتسحة أو ثورة بالفعل عندما اكتملت في شكلها الأخير، ويومها الأخير، تحمل كل ما لهذا المفهوم من مقدمات ونتائج، ولا تتعرض لضعف أو تردد.

وما عساه أن يكون هدف السلطة الحاكمة، أو بالأحرى هدف الخليفة رضى عنه الله نفسه في أن يقف مع الحوراء على طرفي الخط، أولم يكن يخطر بباله أن خطته هذه تفتح له بابا في التاريخ في تعداد أولياته، ثم يذكر بينها خصومة أهل البيت؟! فهل كان راضيا بأوليته هذه مخلصا لها حتى يستبسل في امتناعه، وموقفه السلبي، بل الإيجابي المعاكس؟ أو أنه كان منقاد للقانون، وملتزما بحرفيته في موقفه هذا كما يقولون، فلم يشأ أن يتعد حدود الله تبارك وتعالى في كثير أو قليل، وإن لموقفه الغريب تجاه الزهراء صلة بموقفه في السقيفة، وأعني بهذه الصلة الاتحاد في الغرض، أو اجتماع الغرضين على نقطة واحدة، وبالأحرى أن تقوم على داثرة واحدة متسعة اتساع دولة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها آمال بواسم، وموجات من الأحلام ضحك لها الخليفة كثيرا وسعى في سبيلها كثيرا أيضا.

 

بواعث الثورة

إننا ندرك بوضوح، ونحن نلاحظ الظرف التاريخي الذي حف بالحركة الفاطمية، أن البيت الهاشمي المفجوع بعميده الأكبر قد توفرت له كل بواعث الثورة على الأوضاع القائمة، والانبعاث نحو تغييرها وإنشائها إنشاء جديدا، وأن الزهراء قد اجتمعت لها كل إمكانيات الثورة ومؤهلات المعارضة التي قرر المعارضون أن تكون منازعة سلمية مهما كلف الأمر.

وإننا نحس أيضا إذا درسنا الواقع التاريخي لمشكلة فدك ومنازعاتها بأنها مطبوعة بطابع تلك الثورة، ونتبين بجلاء أن هذه المنازعات كانت في واقعها ودوافعها ثورة على السياسة العليا وألوانها التي بدت للزهراء بعيدة عما تألفه من ضروب الحكم، ولم تكن حقا منازعة في شيء من شؤون السياسة المالية، والمناهج الاقتصادية التي سارت عليها خلافة الشورى، وإن بدت على هذا الشكل في بعض الأحايين.

وإذا أردنا أن نمسك بخيوط الثورة الفاطمية من أصولها، أو ما يصح أن يعتبر من أصولها، فعلينا أن ننظر نظره شاملة عميقة لنتبين حادثتين متقاربتين في تاريخ الإسلام، كان أحدهما صدى للاخر وانعكاسا طبيعيا له، وكانا معا يمتدان بجذور هما وخيوطهما الأولى إلى حيث قد يلتقي أحدهما بالآخر أو بتعبير أصح إلى النقطة المستعدة في طبيعتها إلى أن تمتد منها خيوط الحادثتين.

أحدهما: الثورة الفاطمية على الخليفة الأول التي كادت أن تزعزع كيانه السياسي، وترمي بخلافته بين مهملات التاريخ.

والاخر: موقف ينعكس فيه الأمر فتقف عائشة أم المؤمنين بنت الخليفة الموتور في وجه علي زوج الصديقة الثائرة على أبيها.

وقد شاء القدر لكلتا الثائرتين أن تفشلا مع فارق بينهما مرده إلى نصيب كل منهما من الرضا بثورتها، والاطمئنان الضميري إلى صوابها وحظ كل منهما من الانتصار في حساب الحق الذي لا التواء فيه وهو أن الزهراء فشلت بعد أن جعلت الخليفة يبكي ويقول: أقيلوني بيعتي، والسيدة عائشة فشلت فصارت تتمنى أنها لم تخرج إلى حرب ولم تشق عصا طاعة.

هاتان الثورتان متقاربتان في الموضوع والأشخاص فلماذا لا تنتهيان إلى أسباب متقاربة وبواعث متشابهة.

ونحن نعلم جيدا سر الانقلاب الذي طرأ على السيدة عائشة حين إخبارها بأن عليا ولي الخلافة يرجع إلى الأيام الالى في حياة علي وعائشة حينما كانت المنافسة على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين زوجته وبضعته.

ومن شأن هذه المنافسة أن تتسع في آثارها فتثبت مشاعر مختلفة من الغيظ والتنافر بين الشخصين المتنافسين وتلف بخيوطها من حولهما من الأنصار والأصدقاء، وقد اتسعت بالفعل في أحد الطرفين فكان ما كان بين السيدة عائشة وعلي، فلا بد أن تتسع في الطرف الآخر فتعم من كانت تعمل أم المؤمنين على حسابه في بيت النبي.

نعم إن انقلاب أم المؤمنين إنما هو من وحي ذكريات تلك الأيام التي نصح فيها علي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يطلقها في قصة الإفك المعروفة.

وهذا النصح إن دل على شيء فإنه يدل على انزعاجه منها ومن منافستها لقرينته، وعلى أن الصراع بين زوج الرسول وبضعته كان قد اتسع في معناه وشمل عليا وغير علي ممن كان يهتم بنتائج تلك المنافسة وأطوارها.

 

دوافع الخليفة الأول في موقفه

نعرف من هذا أن الظروف كانت توحي إلى الخليفة الأول بشعور خاص نحو الزهراء وزوج الزهراء، ولا ننسى أنه هو الذي تقدم لخطبتها فرده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم تقدم علي إلى ذلك فأجابه النبي إلى ما أراد. وذاك الرد وهذا القبو ل يولدان في الخليفة إذا كان شخصا طبيعيا يشعر بما يشعر به الناس، ويحس كما يحسون شعورا بالخيبة والغبطة لعلي - إذا احتطنا في التعبير - وبأن فاطمة كانت هي السبب في تلك المنافسة بيه وبين علي التي انتهت بفوز منافسه.

ولنلاحظ أيضا أن أبا بكر هو الشخص الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليقرأ سورة التوبة على الكافرين، ثم أرسل وراءه وقد بلغ منتصف الطريق ليستدعيه ويعفيه من مهمته لا لشئ إلا لأن الوحي شاء أن يضع أمامه مرة أخرى منافسه في الزهراء الذي فاز بها دونه.

ولا بد أنه كان يراقب ابنته في مسابقتها مع الزهراء على الأولية لدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويتأثر بعواطفها كما هو شأن الاباء مع الأبناء.

وما يدرينا لعله اعتقد في وقت من الأوقات أن فاطمة هي التي دفعت بأبيها إلى الخروج لصلاة الجماعة في المسجد يوم مهدت له أم المؤمنين التي كانت تعمل على حسابه فهي بيت النبي أن يؤم الناس ما دام النبي مريضا.

إن التاريخ لا يمكننا أن نترقب منه شرح كل شيء شرحا واضحا جليا غير أن الأمر الذي تجمع عليه الدلائل أن من المعقول جدا أن يقف شخص مرت به ظروف كالظروف الخاصة التي أحاطت بالخليفة من علي وفاطمة موقفه التاريخي المعروف، وأن امرأة تعاصر ما عاصرته الزهراء في أيام أبيها من منافسات حتى في شباك يصل بينها وبين أبيها حري بها أن لا تسكت إذا أراد المنافسون أن يستولوا على حقها الشرعي الذي لا ريب فيه.

 

أبعاد قضية فدك السياسية

هذه هي الثورة الفاطمية في لونها العاطفي وهو لون من عدة ألوان أوضحها وأجلاها اللون السياسي الغالب على أساليبها وأطوارها.

وأنا حين أقول ذلك لا أعني بالسياسة مفهومها الرائج في أذهان الناس هذا اليوم المركز على الالتواء والافتراء، وإنما أقصد بها مفهومها الحقيقي الذي لا التواء فيه. فالممعن في دراسة خطوات النزاع وتطوراته والأشكال التي اتخذها لا يفهم منه ما يفهم من قضية مطالبة بأرض، بل يتجلى له منها مفهوم أوسع من ذلك ينطوي على غرض طموح يبعث إلى الثورة ويهدف إلى استرداد عرش مسلوب وتاج ضائع ومجد عظيم وتعديل أمة انقلبت على أعقابها.

وعلى هذا كانت فدك معنى رمزيا يرمز إلى المعنى العظيم ولا يعني تلك الأرض الحجازية المسلوبة، وهذه الرمزية التي اكتسبتها فدك في التي ارتفعت بالمنازعة من مخاصمة عادية منكمشة في أفقها، محدودة في دائرها إلى ثورة واسعة النطاق رحيبة الأفق.

أدرس ما شئت من المستندات التاريخية الثابتة للمسألة، فهل ترى نزاعا ماديا، أو ترى اختلافا حول فدك بمعناها المحدود وواقعها الضيق، أو ترى تسابقا على غلات أرض مهما صعد بها المبالغون وارتفعوا؟ فليست شيئا يحسب له المتنازعون حسابا.

كلا! بل هي الثورة على أسس الحكم، والصرخة التي أرادت فاطمة أن تقتلع بها الحجر الأساسي الذي بني عليه التاريخ بعد يوم السقيفة.

ويكفينا لإثبات ذلك أن نلقي نظرة على الخطبة التي خطبتها الزهراء في المسجد أمام الخليفة وبين يدي الجم المحتشد من المهاجرين والأنصار، فإنها دارت أكثر ما دارت حول امتداح علي والثناء على مواقفه الخالدة في الإسلام وتسجيل حق أهل البيت الذين وصفتهم بأنهم الوسيلة إلى الله في خلقه وخاصته ومحل قدسه وحجته في غيبه، وورثة أنبيائه في الخلافة والحكم. وإلفات المسلمين إلى حظهم العاثر واختيارهم المرتجل وانقلابهم على أعقابهم، وورودهم غير شربهم، وإسنادهم الأمر إلى غير أهله، والفتنة التي سقطوا فيها، والدواعي التي دعتهم إلى ترك الكتاب ومخالفته فيما يحكم به في موضوع الخلافة والإمامة.

فالمسألة إذن ليست مسألة ميراث ونحلة إلا بالمقدار الذي يتصل بموضوع السياسة العليا، وليست مطالبة بعقار أو دار، بل هي في نظر الزهراء (مسألة إسلام وكفر، ومسألة إيمان ونفاق، ومسألة نص وشورى).

وكذلك نرى هذا النفس السياسي الرفيع في حديثها مع نساء المهاجرين والأنصار، إ ذ قالت فيما قالت: (أين زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة، ومهبط الروح الأمين والطبين بأمر الدنيا والدين ألا ذلك هو الخسران المبين، وما الذي نقموا من أبي الحسن، نقموا والله نكير سيفه، وشدة وطأته، ونكال وقعته، وتنمره في ذات الله، تالله لو تكافؤوا عن زمام نبذه إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاعتلقه وسار إليهم سيرا سجحا لا تكلم حشاشه، ولا يتعتع راكبه، ولأوردهم منهلا نميرا فضفاضا تطفح فضفاضه، ولأصدرهم بطانا قد تحير بهم الرأي غير متحل بطائل إلا بغمر الناهل وردعه سورة الساغب، ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض، وسيأخذهم الله بما كانوا يسكبون، ألا هلم فاستمع وما عشت أراك الدهر عجبا وإن تعجب فقد أعجبك الحادث إلى أي لجأ استندوا وبأي عروة تمسكوا، لبئس المولى ولبئس العشير، ولبئس للظالمين بدلا. استبدلوا والله الذنابى بالقوادم والعجز بالكاهل فرغما لمعاطس قو م يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ألا أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، ويحهم (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون).

ولم يؤثر عن نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهن خاصمن أبا بكر في شيء من ميراثهن، أكن أزهد من الزهراء في متاع الدنيا، وأقرب إلى ذوق أبيها في الحياة؟ أو أنهن اشتغلن بمصيبة رسول الله ولم تشتغل بها بضعته، أو أن الظروف السياسية هي التي فرقت بينهن فأقامت من الزهراء معارضة شديدة، ومنازعة خطرة دون نسوة النبي اللاتي لم تزعجهن أوضاع الحكم.

وأكبر الظن أن الصديقة كانت تجد في شيعة قرينها، وصفوة أصحابه الذين لم يكونوا يشكون في صدقها من يعطف شهادته على شهادة علي وتكتمل بذلك البينة عند الخليفة. أفلا يفيدنا هذا أن الهدف الأعلى لفاطمة الذي كانوا يعرفونه جيدا ليس هو إثبات النحلة أو الميراث، بل القضاء على نتائج السقيفة؟ وهو لا يحصل بإقامة البينة في موضوع فدك، بل بأن تقدم البينة لدى الناس جميعا على أنهم ضلوا سواء السبيل. وهذا ما كانت تريد أن تقدمه الحوراء في خطتها المناضلة.

ولنستمع إلى كلام الخليفة بعد أن انتهت الزهراء من خطبتها وخرجت من المسجد، فصعد المنبر وقال: (أيها الناس ما هذه الرعة إلى كل قالة! أين كانت هذه الأماني في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ألا من سمع فليقل، ومن شهد فليتكلم، إنما هو ثعالة شهيده ذنبه، مرب لكل فتنة (هو الذي يقول: كروها جذعة بعد ما هرمت، يستعينون بالضعفة، ويستنصرون بالنساء)، كأم طحال أحب أهلها إليها البغي. ألا إني لو أشاء أ ن أقول لقلت ولو قلت لبحت، إني ساكت ما تركت)، ثم التفت إلى الأنصار وقال: (قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم وأحق من لزم عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنتم، فقد جاءكم فآويتم ونصرتم، ألا إني لست باسطا يد ا ولا لسانا على من لم يستحق ذلك (منا).

وهذا الكلام يكشف لنا عن جانب من شخصية الخليفة، ويلقي ضوءا على منازعة الزهراء له، والذي يهمنا الان ما يوضحه من أمر هذه المنازعة وانطباعات الخليفة عنها، فإنه فهم حق الفهم أن احتجاج الزهراء لم يكن حول الميراث أو النحلة، وإنما كان حربا سياسية كما نسميها اليوم وتظلما لقرينها العظيم الذي شاء الخليفة وأصحابه من يبعدوه عن المقام الطبيعي له في دنيا الإسلام، فلم يتكلم إلا عن علي فوصفه بأنه ثعالة وأنه مرب لكل فتنة، وأنه كأم طحال، وأن فاطمة ذنبه التابع له، ولم يذكر عن الميراث قليلا أو كثيرا.

ولنلاحظ ما جاءت به الرواية في صحاح السنة من أن عليا والعباس كانا يتنازعان في فدك في أيام عمر بن الخطاب، فكان علي يقول إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعلها في حياته لفاطمة، وكان العباس يأبى ذلك ويقول هي ملك رسول الله وأنا وارثه، ويتخاصمان إلى عمر، فيأبى أن يحكم بينهما ويقول: (أنتما أعرف بشأنكما أما أنا قد سلمتها إليكما).

فقد نفهم من هذا الحديث إذا كان صحيحا أن حكم الخليفة كان سياسيا موقتا وإن موقفه كان ضرورة من ضرورات الحكم في تلك الساعة الحرجة، وإلا فلم أهمل عمر بن الخطاب رواية الخليفة وطرحها جانبا وسلم فدك إلى العباس وعلي، وموقفه منهما يدل على أنه سلم فدك إليهما على أساس أنها ميراث رسول الله لا على وجه التوكيل، إذ لو كان على هذا الوجه لما صح لعلي والعباس أن يتنازعا في أن فدك هل هي نحلة من رسول الله لفاطمة أو تركة من تركاته التي يستحقها ورثته؟ وما أثر هذا النزاع لو فرض أنها في رأي الخليفة مال للمسلمين وقد وكلهما في القيام عليه؟ ولفض عمر النزاع وعرفهما أنه لا يرى فدك مالا موروثا ولا من أملاك فاطمة، وإنما أوكل أمرها إليهما لينوبا عنه برعايتها وتعاهدها، كما أن عدم حكمه بفدك لعلي وحده معناه أنه لم يكن واثقا بنحلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدك لفاطمة فليس من وجه لتسليمها إلى علي والعباس إلا الإرث.

وإذن ففي المسألة تقديران: (أحدهما) أن عمر كان يتهم الخليفة بوضع الحديث في نفي الإرث. (والاخر) أنه تأوله وفهم منه معنى لا ينفي التوريث ولكن لم يذكر تأويله، ولم يناقش به أبا بكر حينما حدث به وسواء أصح هذا أو ذاك، فالجانب السياسي في المسألة ظاهر، وإلا فلماذا يتهم عمر الخليفة بوضع الحديث إذا لم يكن في ذلك ما يتصل بسياسة الحكم يومئذ، ولماذا يخفي تأويله وتفسيره، وهو الذي لم يتحرج عن إبداء مخالفته للنبي أو الخليفة الأول فيما اعترضهما من مسائل.

وإذا عرفنا أن الزهراء نازعت في أمر الميراث بعد استيلاء الحزب الحاكم عليه، لأن الناس لم يعتادوا أن يستأذنوا الخليفة في قبض مواريثهم أو في تسليم المواريث إلى أهلها، فلم تكن فاطمة في حاجة إلى مراجعة الخليفة، ولم تكن لتأخذ رأيه وهو الظالم المنتزي على الحكم في رأيها، فالمطالبة بالميراث لابد أنها كانت صدى لما قام به الخليفة من تأميمه للتركة على ما نقول اليوم، والاستيلاء عليها.

(أقول): إذا عرفنا هذا وإن الزهراء لم تطالب بحقوقها قبل أن تنتزع منها، تجلى لدينا أن ظرف المطالبة كان مشجعا كل التشجيع للمعارضين على أن يغتنموا مسألة الميراث مادة خصبة لمقاومة الحزب الحاكم على أسلوب سلمي كانت تفرضه المصالح العليا يومئذ، واتهامه بالغصب والتلاعب بقواعد الشريعة والاستخفاف بكرامة القانون.

 

قضية فدك في ضوء الظروف الموضوعية

وإذا أردنا أن نفهم المنازعة في أشكالها وأسبابها في ضوء الظروف المحيطة بها، وتأثيرها، كان لزاما علينا أن نعرض تلك الظروف عرضا مستعجلا ونسجل صورة واضحة الألوان للعهد الانقلابي بالمقدار الذي يتصل بغرضنا.

ولا أعني بالانقلاب حين أصف عهد الخليفة الأول بذلك إلا مفهومه الحقيقي المنطبق على تلون السلطة الحاكمة بشكل جمهوري يتقوم بالثورة ويكتسب صلاحياته من الجماعات المنتخبة، ونزعها لشكلها الأول الذي يستمد قوته وسلطته من السماء.

فقد كانت تلك اللحظة التي ضرب بها بشيرين سعد على يد الخليفة نقطة التحول في تاريخ الإسلام التي وضعت حدا لأفضل العهود وأعلنت عهد آخر نترك تقريضه للتاريخ.

 

مسألة موت الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم

وقد كان ذلك في اليوم الذي حانت فيه الساعة الأخيرة في تاريخ النبوات التي قطعت أقدس أداة وصل بين السماء والأرض وأبركها وأفيضها خيرا ونعمة وأجودها صقلا للإنسانية إذ لفظ سيد البشر نفسه الأخير وطارت روحه إلى الرفيق الأعلى فكان قاب قوسين أو أدنى، فهرع الناس إلى بيت النبوة الذي كان يشرق بأضوائه لتوديع العهد المحمدي السعيد وتشييع النبوة التي كانت مفتاح مجد الأمة، وسر عظمتها، واجتمعوا حوله تتقاذفهم شتى الخواطر وترتسم في أفكارهم ذكريات ممن روعة النبوة وجلال النبي العظيم. وقد خيل إليهم أن هذه السنوات العشر التي نعموا فيها برعاية خير الأنبياء، وأبر الاباء كانت حلما لذيذا تمتعوا به لحظة من زمان وازدهرت به الإنسانية برهة من حياتها، وهاهم قد أفاقوا على أسوأ ما يستيقظ عليه نائم.

وبينما كان المسلمون في هذه الغمرة الطاغية، والصمت الرهيب لا ينطق منهم أحد بكلمة، وقد اكتفوا في تأبين الراحل العظيم بالدموع والحسرات والخشوع والذكريات، إذ يفاجؤون بصوت يجلجل في الفضاء ويقطع خيط الصمت الذي لف المجتمعين وهو يعلن أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يمت ولا يموت حتى يظهر دينه على الدين كله وليرجعن فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممن أرجف بموته: (لا أسمع رجلا يقول مات رسول الله إلا ضربته بسيفي).

والتفت الأنظار إلى مصدر الصوت ليعرفوا القائل، فوجدوا عمر بن الخطاب قد وقف خطيبا بين الناس وهو يجلجل برأيه في شدة لا تقبل نزاعا وشاعت الحياة في الناس من جديد فتكلموا وتحدثوا في كلام عمر والتف بعضهم حوله.

وأكبر الظن أن قوله وقع من أكثرهم موقع الاستغراب والتكذيب، وحاول جماعة منهم أن يجادلوه في رأيه ولكنه بقي شديدا في قوله ثابتا عليه والناس يتكاثرون حوله ويتكلمون في شأنه ويعجبون لحاله حتى جاء أبو بكر، وكان حين توفي النبي في منزله بالسنح، والتفت إلى الناس وقال: (من كان يعبد محمدا فإنه قد مات، ومن كان يعبد الله فإنه حي لا يموت. قال الله تعالى: (إنك ميت وإنهم ميتون) وقال: (أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم)، ولما سمع عمر ذلك أذعن واعترف بموت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: (كأني سمعتها - يعني الآية - (الان).

ونحن لا نرى في هذه القصة ما يراه كثير من الباحثين من أن الخليفة كان بطل ذلك ا لظرف العجيب، والرجل الذي تهيأت له معدات الخلافة بحكم موقفه من رأي عمر، لأن المسألة ليست والأهمية بهذا الحد ولم يحدثنا التاريخ عن شخص واخذ انتصر لعمر في رأيه، فلم يكن إلا رأيا شخصيا لا خطر له ولا شأن للقضاء عليه.

وقد يكون من حق البحث أن الاحظ أن شرح الخليفة لحقيقة الحال في خطابه الذي وجهه إلى الناس كان شرحا باهتا في غير حد لا يبدو عليه من مشاعر المسلمين المتحرقة في ذلك اليوم شيء، بل لم يزد في بيان الفاجعة الكبرى على أن قال: (إن من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات). وقد كان الموقف يتطلب من أبي بكر إذا كان يريد أن يقدم في نفسه زعيما لتلك الساعة تأبينا للفقيد الأعظم يتفق مع العواطف المتدفقة بالذكريات الحسرات يومئذ.

ومن الذي كان يعبد سيد الموحدين حتى يقول من كان يعبد محمدا فإنه قد مات؟ وهل كان في كلام عمر معنى يدل على أنه كان يعبد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ أو كانت قد سرت موجة من الارتداد والإلحاد في ذلك المجتمع المؤمن الذي كان يعتصر دموعه من ذكرياته، وصبره، وتماسكه من عقيدته حتى يعلن لهم أن الدين ليس محدودا بحياة رسول الله لأنه ليس بالإله المعبود.

إذن فلم يكن لكلام أبي بكر الذي خاطب به الناس صلة بموقفهم ولا علاقة برأي عمر، ولا انسجام مع عواطف المسلمين في ذلك اليم وشؤونهم، وقد سبقه به غيره ممن حاول مناقشة الفاروق كما سيأتي.

 

مسألة السقيفة وموقف الإمام علي عليه السلام

وكان يعاصر هذا الاجتماع الذي تكلمنا عنه اجتماع آخر للأنصار عقدوه في سقيفة بني ساعدة برئاسة سعد بن عبادة زعيم الخزرج ودعاهم فيه إلى إعطائه الرئاسة والخلافة فأجابوه. ثم ترادوا الكلام فقالوا: (فإن أبى المهاجرون وقالوا: نحن أولياؤه وعترته، فقال قوم من الأنصار نقول: منا أمير ومنكم أمير، فقال سعد: فهذا أومل الوهن، وسمع عمر الخبر، فأتى منزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه أبو بكر فأرسل إليه أن اخرج إلي، فأرسل إني مشغول، فأرسل إليه عمر أن اخرج فقد حدث أمر لا بد أن تحضره، فخرج فأعلمه الخبر، فمضيا مسرعين نحوهم ومعهما أبو عبيدة، فتكلم أبو بكر فذكر قرب المهاجرين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم أولياؤه وعترة، ثم قال: نحن الامراء وأنتم الوزراء لا نفتات عليكم بمشورة، ولا نقضي دونكم الأمور، فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال: يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإن الناس في ظلكم ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ولا يصدر أحد إلا عن رأيكم، أنتم أهل العزة والمنعة وأولو العدد والكثرة وذوو البأس والنجدة وإنما ينظر الناس ما تصنعون فلا تختلفوا فتفسد عليكم أموركم فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنهم أمير، فقال عمر: هيهات لا يجتمع سيفان في غمد، والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم ولا تمتنع العرب أن تولي أمرها من كانت النبوة منهم، من ينازعنا سلطان محمد ونحن أولياؤه وعشيرته. فقال الحباب بن منذر: يا معشر الأنصار املكوا أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فإن أبوا عليكم فاجلوهم من هذه البلاد وأنتم أحق بهذا الأمر منهم فإنه بأسيافكم دان الناس بهذا الدين أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب أنا أبو شبل في عرينة الأسد، والله إن شئتم لنعيدها جذعة، فقال عمر: إذن يقتلك الله، قال: بل إياك يقتل. فقال أبو عبيدة: يا معشر الأنصار إنكم أول من نصر فلا تكونوا أول من بدل وغير، فقام بشير ابن سعد والد النعمان بن بشير فقال: يا معشر الأنصار ألا إن محمدا من قريش وقومه أولى به وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر. فقال أبو بكر: هذا عمر وأبو عبيدة بايعوا أيهما شئتم، فقالا: والله لا نتولى هذا، الأمر عليك وأنت أفضل المهاجرين وخليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة وهي أفضل الدين، ابسط يدك. فلما بسط يده ليبايعاه سبقهما بشير بن سعد فبايعه، فناداه الحباب ابن المنذر يا بشير غفتك غفاق، أنفست على ابن عمك الأمارة؟ فقال أسيد ابن خضير رئيس الأوس لأصحابه: والله لئن لم تبايعوا ليكونن للخزرج عليكم الفضيلة أبدا، وبايعوا أبا بكر وأقبل الناس يبايعونه من كل جانب.

ونلاحظ في هذه القصة أن عمر هو الذي سمع بقصة السقيفة واجتماع الأنصار فيها وأخبر أبا بكر بذلك، وما دمنا نعلم أن الوحي لم ينزل عليه بذلك النبأ فلا بد أنه ترك البيت النبوي بعد أن جاء أبو بكر وأقنعه بوفاة النبي، فلماذا ترك البيت؟ ولماذا اختص أبا بكر بنبأ السقيفة؟ إلى كثير من هذه النقاط التي لا نجد لها تفسيرا معقولا أولى من أن يكون في الأمر اتفاق سابق بين أبي بكر وعمر وأبي عبيدة على خطة معينة في موضوع الخلافة، وهذا التقدير التاريخي قد نجد له شواهد عديدة تجيز لنا افتراضه.

(الأول) تخصيص عمر لأبي بكر بنبأ السقيفة كما سبق، وإصراره على استدعائه بعد اعتذاره بأنه مشغول حتى أشار إلى الغرض ولمح إليه، خرج مسرعا وذهبا على عجل إلى السقيفة، وكان من الممكن أن يطلب غيره من أعلام المهاجرين بعد اعتذاره عن المجئ، فهذا الحرص لا يمكن أن نفسره بالصداقة التي كانت بينهما، لأن المسألة لم تكن مسألة صداقة، ولم يكن أمر منازعة الأنصار يتوقف على أن يجد عمر صديقا له بل على أن يستعين بمن يوافقه في أحقية المهاجرين أيا كان.

ولا ننسى أن نلاحظ أنه أرسل رسولا إلى أبي بكر، ولم يذهب بنفسه ليخبره بالخبر خوفا ممن انتشاره في البيت وتسامع الهاشميين أو غيرها الهاشميين به، وقد طلب من الرسول في المرة الثانية أن يخبره بحدوث أمر لابد أن يحضره. ونحن لا نرى حضور أبي بكر لازما في ذلك الموضوع إلا إذا كانت المسألة مسألة خاصة وكان الهدف تنفيذ خطة متفق عليها سابقا.

(الثاني) موقف عمر من مسألة وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وادعاؤه أنه لم يمت، ولا يستقيم في تفسيره، أن نقول إن عمر ارتبك في ساعة الفاجعة، وفقد صوابه وادعى ما ادعى، لأن حياة عمر كلها تدل على أنه ليس من هذا الطراز، وخصوصا موقفه الذي وقفه في السقيفة بعد تلك القصة مباشرة. فالذي تؤثر المصيبة عليه إلى حد تفقده صوابه لا يقف بعدها بساعة يحاجج ويجادل ويقاوم ويناضل.

ونحن نعلم أيضا أن عمر لم يكن يرى ذلك الرأي الذي أعلنه في تلك الساعة الحرجة قبل ذلك بأيام أو بساعات حينما اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المرض وأراد أن يكتب كتابا لا يضل الناس بعده، فعارضه عمر وقال: إن كتاب الله يكفينا وأن النبي يهجر، أو قد غلب عليه الوجع كما في صحاح السنة. فكان يؤمن بأن رسول الله يموت وأن مرضه قد يؤدي إلى موته وإلا لما اعترض عليه.

وقد جاء في تاريخ ابن كثير أن عمر بن زائدة قرأ الآية التي قرأها أبو بكر على عمر قبل أن يتلوها أبو بكر فلم يقتنع عمر وإنما قبل كلام أبي بكر خاصة واقتنع به.

فما يكون تفسير هذا كله إذا لم يكن تفسيره إن عمر شاء أن يشيع الاضطراب بمقالته بين الناس لينصرفوا إليها وتتجه الأفكار نحوها تفنيدا أو تأييدا ما دام أبو بكر غائبا، لئلا يتم في أمر الخلافة شيء ويحدث أمر لا بد أن يحضره أبو بكر - على حد تعبيره - وبعد أن أقبل أبو بكر اطمأن باله، وأمن من تمام البيعة للبيت ا لهاشمي ما دام للمعارضة صوت في الميدان، وانصرف إلى تلقط الأخبار حادسا بما سيقع، فظفر بخبر ما كان يتوقعه.

(الثالث) شكل الحكومة التي تمخضت عنها السقيفة، فقد تولى أبو بكر الخلافة، وأبو عبيدة المال، وعمر القضاء. وفي مصطلحنا اليوم أن الأول تولى السياسة العليا، والثاني تولى السياسة الاقتصادية، والثالث تولى السلطات القضائية، وهي الوظائف الرئيسية في مناهج الحكم الإسلامي. وتقسيم المراكز الحيوية في الحكومة الإسلامية يومئذ بهذا الأسلوب على الثلاثة الذين قاموا بدورهم المعروف في سقيفة بني ساعدة لا يأتي بالصدفة على الأكثر ولا يكون مرتجلا.

(الرابع) قول عمر حين حضرته الوفاة: (لو كان أبو عبيدة حيا لوليته). وليست كفاءة أبي عبيدة هي التي أوحت إلى عمر بهذا التمني، لأنه كان يعتقد أهلية علي للخلافة ومع ذلك لم يشأ أن يتحمل أمر الأمة حيا وميتا.

وليست أمانة أبي عبيدة التي شهد له النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها - بزعم الفاروق - هي السبب في ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخصه بالاطراء، بل كان في رجالات المسلمين يومئذ من ظفر بأكثر من ذلك من ألوان الثناء النبوي كما تقرر ذلك صحاح السنة والشيعة.

الخامس) اتهام الزهراء للحاكمين بالحزبية السياسية، كما سنرى في الفصل الآتي.

(السادس) قول أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - للفاروق رضى عنه الله: احلب يا عمر حلبا لك شطره اشدد له اليوم أمره ليرد عليك غدا.

ومن الواضح أنه يلمح إلى تفاهم بين الشخصين على المعونة المتبادلة واتفاق سابق على خطة معينة، وإلا فلم يكن يوم السقيفة نفسه ليتسع لتلك المحاسبات السياسية التي تجعل لعمر شطرا من الحلب.

(السابع) ما جاء في كتاب معاوية بن أبي سفيان إلى محمد بن أبي بكر (رضوان الله عليه) في اتهام أبيه وعمر بالاتفاق على غصب الحق العلوي والتنظيم السري لخطوط الحملة على الأمام، إذ قال له فيما قال: فقد كنا وأبوك نعرف فضل ابن أبي طالب وحقه لازما لنا مبرورا علينا، فلما اختار الله لنبيه (عليه الصلاة والسلام) ما عنده وأتم وعده وأظهر دعوته فأبلج حجته وقبضه إليه (صلوات الله عليه) كان أبوك والفاروق أول من ابتزه حقه وخالفه على أمره، على ذلك اتفقا واتسقا، ثم إنهما دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما وتلكأ عليهما فهما به الهموم وأراد به العظيم.

ونحن نلاحظ بوضوح عطفه طلب أبي بكر وعمر رضى عنه الله للبيعة من الأمام ب‍ (ثم) على كلمتي اتفقا واتسقا وهو قد يشعر بأن الحركة أنت منظمة بتنظيم سابق، وأن الاتفاق على الظفر بالخلافة كان سابقا على الايجابيات السياسية التي قاما بها في ذلك اليوم.

ولا أريد أن أتوسع في دراسة هذه الناحية التاريخية أكثر من هذا، ولكن هل لي أن ألا حظ في ضوء ذلك التقدير التاريخي، أن الخليفة لم يكن زاهدا في الحكم كما صوره كثير من الباحثين، بل قد نجد في نفس المداورة التي قام بها الخليفة في السقيفة دليلا على تطلعه للأمر، فإنه بعد أن أعلن الشروط الأساسية للخليفة شاء أن يحصر المسألة فيه فتوصل إلى ذلك بأن ردد الأمر بين صاحبيه اللذين لن يتقدما عليه، وكانت النتيجة الطبيعية لهذا الترديد أن يتعين وحده للأمر.

فهذا الاسراع الملحوظ من الخليفة إلى تطبيق تلك الصورة التي فدمها للخليفة الشرعي في رأيه على صاحبيه خاصة الذي لم يكن يؤدي إلا إليه، كان معناه أنه أراد أن يسلب الخلافة من الأنصار، ويقر ها في شخصه في آن واحد، ولذا لم يبد ترددا أو ما يشبه التردد لما عرض الأمر عليه صاحباه. وعمر نفسه يشهد لأبي بكر بأنه كان مداورا سياسيا بارعا في يوم السقيفة في حديث طويل له يصفه فيه بأنه أحسد قريش.

ونجد فيما يروى عن الخليفتين في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يدل على هوى سياسي في نفسيتهما، وأنهما كانا يفكران في شيء على أقل تقدير. فقد ورد في طرق العامة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله، قال: لا، قال عمر: أنا هو يا رسول الله، قال: لا ولكن خاصف النعل - يعني عليا).

والمقاتلة على التأويل إنما تكون بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والمقاتل لا بد أن يكون أمير الناس، فتلهف كل من أبي بكر وعمر على أن يكون المقاتل على التأويل مع أن القتال على التنزيل كان متيسرا لهما في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يشاركا فيه بنصيب قد يدل على ذلك الجانب الذي نحاول أن نستكشفه في شخصيتهما.

بل أريد أن أذهب إلى أكثر من هذا فألاحظ أن أناسا متعددين كانوا يعملون في صالح أبي بكر وعمر وفي مقدمتهم عائشة وحفصة اللتان أسرعتا باستدعاء والديهما عندما طلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حبيبه في لحظاته الأخيرة التي كانت تجمع دلائل الظروف على أنها الظرف الطبيعي للوصية ولا بد أنهما هما اللتان عنتهما الرواية التي تقول إن بعض نساء النبي أرسلن رسولا إلى أسامة لتأخيره عن السفر. فإذا علمنا هذا، وعلمنا أن هذا لم يكن بإذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلا لما أمره بالإسراع بالرحيل لما قدم عليه بعد ذلك، وأن سفره مع من معه كان يعيق عن تحقق النتائج التي أنتجها يوم السقيفة، خرجت لدينا قضية مرتبة الحلقات على أسلوب طبيعي يعزز ما ذهبنا إليه من رأي.

ومذهب الشيعة في تفسير ما قام به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تجنيد جيش أسامة معروف، وهو أنه أحس بأن اتفاقا ما بين جملة من أصحابه على أمر معين، وقد يجعل هذا الاتفاق منهم جبهة معارضة لعلي.

ونحن إن شككنا في هذا فلا نشك في أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد جعل أبا بكر وعليا في كفتي الميزان مرارا أمام المسلمين جميعا ليروا بأعينهم أنهما لا يستويان في الميزان العادل. وإلا فهل ترى إعفاء أبي بكر من قراءة التوبة على الكافرين بعد أن كلف بذلك أمرا طبيعيا؟ ولماذا انتظر الوحي وصول الصديق إلى منتصف الطريق لينزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويأمره باسترجاعه وإرسال علي للقيام بالمهمة؟ أفكان عبثا أو غفلة أو أمرا ثالثا؟ وهو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحس بأن المنافس المتحفز لمعارضة ابن عمه ووصيه هو أبو بكر، فشاء وشاء له ربه تعالى أن يرسل أبا بكر ثم يرجعه بعد أن يتسامع الناس جميعا بإرساله ليرسل عليا الذي هو كنفسه ليوضح للمسلمين مدى الفرق بين الشخصين وقيمة هذا المنافس الذي لم يأتمنه الله على تبليغ سورة إلى جماعة، فكيف بالخلافة والسلطنة المطلقة؟!

إذن فنخرج من هذا العرض الذي فرض علينا الموضوع أن نختصره بنتيجتين:

(الأولى) أن الخليفة كان يفكر في الخلافة ويهواها وقد أقبل عليها بشغف ولهفة.

(الثانية) أن الصديق والفاروق وأبا عبيدة كانوا يشكلون حزبا سياسيا مهما لا نستطيع أن نضع له صورة واضحة الخطوط، ولكنا نستطيع أن نؤكد وجوده بدلائل متعددة، ولا أرى في ذلك ما ينقص من شأنهم أو يحط من مقامهم، ولا بأس عليهم أن يفكروا في أمور الخلافة ويتفقوا فيها على سياسة موحدة إذا لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نص في الموضوع، ولا يبرؤهم إذا كان النص ثابتا بعدهم عن الهوى السياسي وارتجال فكرة الخلافة في ساعة السقيفة من المسؤولية أمام الله وفي حكم الضمير.

 

تحليل الموقف في قصة السقيفة

لست الان بصدد تحليل الموقف الذي اشتبك فيه الأنصار مع أبي بكر وعمر وأبي عبيدة وشرح ما يدل عليه من نفسية المجتمع الإسلامي ومزاجه السياسي، وتطبيق قصة السقيفة على الأصول العميقة في الطبيعة العربية، فإن ذلك كله خارج عن الحدود القريبة للموضوع، وإنما أريد أن الاحظ أن الحزب الثلاثي الذي قدر له أن يلي الأمور يومئذ كان له معارضون على ثلاثة أقسام:

الأول: الأنصار الذين نازعوا الخليفة وصاحبيه في سقيفة بني ساعدة ووقعت بينهم المحاورة السابقة التي انتهت بفوز قريش بسبب تركز فكرة الوراثة الدينية في الذهنية العربية وانشقاق الأنصار على أنفسهم، لتمكن النزعة القبلية من نفوسهم.

الثاني: الأمويون الذين كانوا يريدون أن يأخذوا من الحكم بنصيب ويسترجعوا شيئا من مجدهم السياسي في الجاهلية وعلى رأسهم أبو سفيان.

الثالث: الهاشميون وأخصاؤهم كعمار وسلمان وأبي ذر والمقداد رضوان الله عليهم وجماعات من الناس الذين كانوا يرون البيت الهاشمي هو الوارث الطبيعي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحكم الفطرة ومناهج السياسة التي كانوا يألفونها.

واشتبك أبو بكر وصاحباه في النزاع مع القسم الأول في سقيفة بني ساعدة، وركزوا في ذلك الموقف دفاعهم عما زعموا من حقوق على نقطة كانت ذات وجاهة في نظر كثير من الناس، فإن قريشا ما د أمت عشيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخاصته فهي أولى به من سائر المسلمين وأحق بخلافته وسلطانه.

وقد انتفع أبو بكر وحزبه باجتماع الأنصار في السقيفة من ناحيتين:

(الأولى) أن الأنصار سجلوا على أنفسهم بذلك مذهبا لا يسمح لهم بأن يقفوا بعد ذلك إلى صف علي ويخدموا قضيته بالمعنى الصحيح كما سنوضحه قريبا.

(الثانية) أن أبا بكر الذي خدمته الظروف فأقامت منه المدافع الوحيد عن حقوق المهاجرين في مجتمع الأنصار لم يكن ليتهيأ له ظرف أوفق بمصالحه من ظرف السقيفة، إذ خلا الموقف من أقطاب المهاجرين الذين لم يكن لتنتهي المسألة في محضرهم إلى نتيجتها التي سجلتها السقيفة في ذلك اليوم.

وخرج أبو بكر من السقيفة خليفة وقد بايعه جمع من المسلمين الذين أخذوا بوجهة نظره في مسألة الخلافة أو عز عليهم أن يتولاها سعد بن عبادة.

ولم يعبأ الحاكمون بمعارضة الأمويين وتهديد أبي سفيان وما أعلنه من كلمات الثورة بعد رجوعه من سفره الذي بعثه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لجباية الأموال، لعلمهم بطبيعة النفس الأموية وشهواتها السياسية والمادية. فكان من السهل كسب الأمويين إلى جانب الحكم القائم كما صنع أبو بكر فأباح لنفسه أو أباح له عمر بتعبير أصح كما تدل الرواية، أن يدفع لأبي سفيان جميع ما في يده من أموا ل المسلمين وزكواتهم ثم جعل للأمويين بعد ذلك حظا من العمل الحكومي في عدة من المرافق الهامة.

وهكذا نجح الحزب الحاكم في نقطتين، ولكن هذا النجاح جره إلى تناقض سياسي واضح، لأن ظروف السقيفة كانت تدعو الحاكمين إلى أن يجعلوا للقرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم حسابا في مسألة الخلافة ويقروا مذهب الوراثة للزعامة الدينية. غير أن الحال تبدلت بعد موقف السقيفة والمعارضة اتخذت لها لونا جديدا وواضحا كل الوضوح يتلخص في أن قريشا إذا كانت أولى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سائر العرب لأنه منها فبنو هاشم أحق بالأمر من بقية قريش.

وهذا ما أعلنه علي حين قال: إذا احتج عليهم المهاجرون بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت الحجة لنا على لمهاجرين بذلك قائمة، فإن فلجت حجتهم كانت لنا دونهم وإلا فالأنصار على دعوتهم، وأوضحه العباس لأبي بكر في حديث له معه إذ قال له: وأما قولك نحن شجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنكم جيرانها ونحن أغصانها. وقد كان علي الذي تزعم معارضة الهاشميين مصدر رعب شديد في نفوس الحاكمين، لأن ظروفه الخاصة كانت تمده بقوة على لونين من العمل الإيجابي ضد الحكومة القائمة:

(أحدهما) ضم الأحزاب المادية إلى جانبه كالأمويين والمغيرة بن شعبة وأمثالهم ممن كانوا قد بدأوا يعرضون أصواتهم للبيع ويفاوضون الجهات المختلفة في اشترائها بأضخم الأثمان، كما نعرف ذلك من كلمات أبي سفيان التي واجه بها خلافة السقيفة يوم وصوله إلى المدينة، وحديثه مع علي وتحريضه له على الثورة، وميله إلى جانب الخليفة، وسكوته عن المعارضة حينما تنازل له الخليفة عن أموال المسلمين التي كان قد جباها في سفره، وموقف عتاب بن أسيد الذي سنشير إلى سره في هذا الفصل.

وإذن فقد كان الهوى المادي مستوليا على جماعة من الناس يومئذ. ومن الواضح أن عليا كان يتمكن من إشباع رغبتهم بما خلفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الخمس وغلات أراضيه في المدينة وفدك التي كانت ذات نتاج عظيم كما عرفنا في الفصل السابق.

والطور الاخر من المقاومة التي كان علي مزودا بإمكانياتها ما لمح إليه بقوله: (احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة)، وأعني بذلك أن الفكرة العامة يومئذ التي أجمعت على تقديس أهل ا لبيت والاعتراف لهم بالامتياز العظيم بقربهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت سندا قويت للمعارضة.

وقد رأى الحزب الحاكم أن موقفه المادي حرج جدا، لأن أطراف المملكة التي تجبى منها الأموال لا تخضع للحكم الجديد إلا إذا استقرت دعائمه في العاصمة، والمدينة بعد لم تخضع له خضوعا إجماعيا.

ولئن كان أبو سفيان أو غير أبي سفيان قد باع صوته للحكومة، فمن الممكن أن يفسخ المعاملة إذا عرض عليه شخص آخر اتفاقا أكثر منها ربحا، وهذا ما كان يستطيع علي أن يقوم به في كل حين. فيجب والحالة هذه أن تنتزع من علي الذي لم يكن مستعدا للمقابلة في تلك الساعة الأموال التي صارت مصدرا من مصا در الخطر على مصالح الحزب الحاكم ليضمن بقاء الأنصار على نصرتهم، وعدم قدرة المعارضين على إنشاء حزب من أصحاب المطامع والأهواء يومذاك.

ولا يجوز أن نستبعد هذا التقدير لسياسة الفئة المسيطرة ما دام منطبقا على طبيعة السياسة التي لا بد من انتهاجها. وما دمنا نعلم أن الصديق اشترى صوت الحزب الأموي بالمال، فتنازل لأبي سفيان عن جميع ما كان عنده من أموال المسلمين، وبالجاه أيضا إذ ولى ابن أبي سفيان، فقد جاء أن أبا بكر لما استخلف قال أبو سفيان: ما لنا ولأبي فصيل إنما هي بنو عبد مناف، فقيل له أنه قد ولى ابنك قال: وصلته رحم.

فلا غرابة في أن ينتزع من أهل البيت أموالهم المهمة ليركز بذلك حكومته، أو أن يخشى من علي عليه السلام أن يصرف حاصلات فدك وغير فدك على الدعوة إلى نفسه.

وكيف نستغرب ذلك من رجل كالصديق وهو الذي قد اتخذ المال وسيلة من وسائل الاغراء، واكتساب الأصوات حتى اتهمته بذلك معاصرة له من مؤمنات ذلك الزمان فقد ورد أن الناس لما اجتمعوا على أبي بكر قسم قسما بين نساء المهاجرين والأنصار، فبعث إلى امرأة من بني عدي بن النجار قسمها مع زيد بن ثابت فقالت: ما هذا؟ قال: قسم قسمه أبو بكر للنساء، قالت: أتراشوني عن ديني؟ والله لا أقبل منه شيئا. فردته عليه.

وأنا لا أدري من أين جاء إلى الخليفة (رضي الله تعالى عنه) هذا المال ما دامت الزكوات التي جمعها الساعي قد صارت من نصيب بطنه وحد ها، إن لم يكن من بقية الأموال التي خلفها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان أهل البيت يطالبون بها.

وسواء أصح هذا التقدير أو لا، فإن المعنى الذي نحاول فهمه من هذه الرواية هو أن بعض معاصري الصديق أحس 40 بما نحس به على ضوء معلوماتنا التاريخية عن تلك الأيام.

ولا ننس أن نلاحظ أن الظروف الاقتصادية العامة كانت تدعوا إلى الارتفاع بمالية الدولة والاهتمام بإكثارها استعدادا للطوارئ المترقبة، فلعل هذا حدى بالحاكمين إلى انتزاع فدك، كما يتبين ذ لك بوضوح من حديث لعمر مع أبي بكر يمنعه فيه عن تسليم فدك إلى الزهراء ويعلل ذلك بأن الدولة في حاجة إلى المال لانفاقه في توطيد الحكم، وتأديب العصاة، والقضاء على الحركات الانفصالية التي قد يقوم بها المرتدون.

ويظهر من هذا رأي للخليفتين في الملكية الفردية، هو أن للخليفة الحق في مصادرة أموال الناس لانفاقها في أمور المملكة وشؤون الدولة العامة بلا تعويض، ولا استئذان. فليس للفرد ملكية مستقرة لأمواله وعقاره في حال احتياج السلطات إلى شيء منها. وقد ذهب إلى هذا الرأي كثير من الخلفاء الذين انتهى إليهم الأمر بعد أبي بكر وعمر، فامتلأ تاريخهم بالمصادرات التي كانوا يقومون بها، غير أن أبا بكر لم يطبق الرأي إلا في أملاك بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة.

وقد تردد الحزب الحاكم في معالجة الأسلوب الثاني من المعارضة بين الثنتين:

(إحداهما) أن لا يقر للقرابة بشأن في الموضوع، ومعنى هذا أنه ينزع عن خلافة أبي بكر ثوبها الشرعي الذي ألبسها إياه.

(والأخرى) أن يناقض نفسه فيظل ثابتا على مبادئه التي أعلنها في السقيفة، ولا يرى حقا للهاشميين ولا امتيازا لهم في مقاييس الرجال، أو يراه لهم ولكن في غير ذلك الظرف يكون معنى المعارضة فيه مقابلة حكم قائم ووضع تعاقد عليه الناس.

واختارت الفئة المسيطرة أن تثبت على آرائها التي روجتها في مؤتمر الأنصار وتعترض على المعارضين بأن مخالفتهم بعد بيعة الناس للخليفة ليست إلا إحداثا للفتنة المحرمة في عرف الإسلام.

وهذا هو الأسلوب الوقتي الذي اتخذه الحاكمون للقضاء على هذا الجانب من المعارضة الهاشمية، وقد ساعدتهم الظروف الإسلامية الخاصة يومئذ على نجاحه كما سنوضحه.

غير أننا نحس ونحن ندرس سياسة الحاكمين بأنهم انتهجوا منذ اللحظة الأولى سياسة معينة تجاه آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقضاء على الفكرة التي أم دت الهاشميين بقوة على المعارضة كما خنقوا المعارضة نفسها. ونستطيع أن نصف هذه السياسة بأنها تهدف إلى إلغاء امتياز البيت الهاشمي، وإبعاد أنصاره والمخلصين له عن المرافق 41 الهامة في جهاز الحكومة الإسلامية يومئذ وتجريده عما له من الشأن والمقام الرفيع في الذهنية الإسلامية.

وقد يعزز هذا الرأي عدة ظواهر تاريخية:

(الأولى) سيرة الخليفة وأصحابه مع علي التي بلغت من الشدة أن عمر هدد بحرق بينه وإن كانت فاطمة فيه، ومعنى هذا إعلان أن فاطمة وغير فاطمة من آلها ليس لهم حرمة تمنعهم عن أن يتخذ معهم نفس الطريقة التي سار عليها مع سعد بن عبادة حين أمر الناس بقتله. ومن صور ذلك العنف وصف الخليفة لعلي بأنه مرب لكل فتنة وتشبيهه له بأم طحال أحب إلى أهلها إليها البغي، وقد قال عمر لعلي بكل وضوح: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منا ومنكم.

(الثانية) أن الخليفة الأول لم يشارك شخصا من الهاشميين في شأن من شؤون الحكم ا لمهمة، ولا جعل فيهم واليا على شبر من المملكة الإسلامية الواسعة مع أن نصيب الأمويين في ذلك كان عظيما.

وأنت تفهم بوضوح أن هذا وليد سياسة متعمدة من محاورة وقعت بين عمر وبان عباس أظهر تخوفه من تولية الثاني حمص، لأنه يخشى إذا صارد الهاشميون ولاة على أقطار المملكة الإسلامية أن يموت وهم كذلك فيحدث في أمر الخلافة ما لا يريد.

ونحن إذا عرفنا من رأي عمر أن ظفر ببيت من البيوت الطامحة إلى السلطان بالولاية في الأقطار الإسلامية يهيؤهم لنيل الخلافة والمركز الأعلى، ولا حظنا أن الأمويين ذوي الألوان السياسية الواضحة كان فيم ولاة احتلوا الصدارة ت في ا لمجالات الإدارية أيام أبي بكر وعمر، وأضفنا إلى ذلك أنه كان يعلم على أقل تقدير بأن الشورى التي ابتكرها سوف تجعل من شيخ الأمويين عثمان خليفة، خرجنا بنتيجة مهمة وتقدير تاريخي تدل على صحته عدة من الظواهر، وهو أن الخليفتين كانا يهيئان للسلطان الأموي أسبابه ومعداته، وهما يعلمان حق العلم أن إنشاء كيان سياسي من جديد للأمويين خصوم بني هاشم القدامى معناه تقديم المنافس للهاشميين في زعيم أموي، وتطور المعارضة الفردية للبيت الهاشمي إلى معارضة بيت مستعد للنزاع والمناقشة أكمل استعداد.

ومن شأن هذه المعارضة أنها تطول وتتسع لأنها ليست متمثلة في شخص بل في بيت كبير، ونستطيع أن نفهم من هذا أن سياسة الصديق وعمر هي التي وضعت الحجر الأساسي لملك بني أمية حتى يضمنا بذلك المنافس لعلي وآل 42 علي على طول الخط.

(الثالثة) عزل الخليفة لخالد بن سعيد بن العاص عن قيادة الجيش الذي وجهه لفتح الشام بعد أن أسندها إليه لا لشئ إلا لأن عمر نبهه إلى نزعته الهاشمية وميله إلى آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وذكره بموقفه تجاههم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ولو كنا نريد التوسع في دراسة هذه الناحية لعطفنا على هذه الشواهد قصة الشورى العمرية التي نزل فيها عمر (رضي الله تعالى عنه) بعلي عليه السلام إلى صف أشخاص خمسة لا يكافئون عليا في شي من معانيه المحمدية، وقد كان الزبير وهو أحد الخمسة يرى يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الخلافة حق شرعي لعلي، فلاحظ كيف انتزع عمر هذا الرأي من عقله وأعده للمنافسة بعد حين، إذ جعله أحد الستة الذين فيهم علي.

وإذن فقد كانت الفئة الحاكمة تحال أن تساوي بين بني هاشم وسائر الناس وترتفع برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الاختصاص بهم لتنتزع بذلك الفكرة التي كانت تزود الهاشميين بطاقة على المعارضة. ولئن اطمأن الحاكمون إلى أن عليا لا يثور عليهم في تلك الساعة الحرجة على الإسلام، فهم لا يأمنون من انتفاضه بعد ذلك في كل حين، ومن الطبيعي حينئذ أن يسارعوا إلى الاجهاز على كلتا قوتيه المادية والمعنوية ما دامت الهدنة قائمة قبل أن يسبقهم إلى حرب أكول.

ومن المعقول بعد هذا أن يقف الخليفة موقفه التاريخي المعروف من الزهراء في قضية فدك، فهو موقف تلاقى فيه الغرضان وتركز على الخطين الأساسيين لسياسته، لأن الدواعي التي بعثته إلى انتزاع فدك كانت تدعوه إلى الاستمرار على تلك الخطة ليسلب بذلك من خصمه الثروة التي كانت سلاحا قويا في عرف الحاكمين يو مذاك، ويعزز بها سلطانه، وإلا فما الذي كان يمنعه عن تسليم فدك للزهراء بعد أن أعطته الوعد القاطع بأن تصرف منتوجاتها في سبيل لخير ووجوه المصلحة العامة؟! إلا أنه خاف منها أن تفسر وعدها بما يتفق مع صرفها لغلات فدك في المجالات السياسية. وما الذي صده عن إرضاء فاطمة بالتنازل لها عن حصته ونصيب ا لصحابة إذا صح أن فدك ملك للمسلمين سوى أنه أراد أن يقوي بها خلافته؟

وأيضا فإننا إذا عرفنا أن الزهراء كانت سندا قويا لقرينها في دعوته إلى نفسه، ودليلا يحتج به أنصار الأمام على أحقيته بالأمر، نستوضح أن الخليفة كان موفقا كل التوفيق في موقفه تجاه دعوى الزهراء للنحلة، وجاريا على المنهج السياسي الذي كان يفرضه عليه الظرف الدقيق، إذ اغتنم الفرصة المناسبة لأفهام المسلمين بصورة لبقة، وعلى أسلوب غير مباشر بأن فاطمة امرأة من النساء ولا يصح أن تؤخذ آراؤها ودعاويها دليلا في مسألة بسيطة كفدك فضلا عن موضوع كالخلافة، وأنها إذا كانت 43 تطلب أرضا ليس لها بحق فمن الممكن أن تطلب لقرينها المملكة الإسلامية كلها وليس له فيها حق.

ونخرج من البحث بنتيجة وهي أن تأميم الصديق لفدك يمكن تفسيره:

1 - بأن الظرف الاقتصادي دعى إلى ذلك.

2 - بأن أبا بكر خشي أن يصرف علي ثروة قرينته في سبيل التوصل إلى السلطان. وإن موقفه من دعاوى الزهراء بعد ذلك واستبساله في رفضها قد يكون مرده إلى هذين السببين:

1 - إلى مشاعر عاطفية كانت تنطوي عليها نفس الخليفة رضى عنه الله عرضنا لجملة من أسبابها فيما سبق.

2 - وحدة سياسية عامة بنى عليها الصديق سيرته مع الهاشميين وقد تبيناها من ظواهر الحكم يومئذ.

 

الإمام علي عليه السلام خصائصه وموقفه من الخلافة

لعل أعظم رقم قياسي ضربه أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام للتضحية في سبيل الإسلام والاخلاص للمبدأ إخلاصا جرده عن جميع الاعتبارات الشخصية وأقام منه حقيقة سامية سمو المبدأ ما بقي للمبدأ حياة هو الرقم الذي سجله بموقفه من خلافة الشورى وقدم بذلك في نفسه مثلا أعلى للتفاني في المبدأ الذي صار شيئا من طبيعته.

إن كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد تمكن من محو ضلال الوثنية، فقد استطاع أن يجعل من علي بما أفاض عليه من حقائق نفسه عينا ساهرة على القضية الإلهية، فنامت فيه الحياة الإنسانية بأهوائها ومشاعرها وصار يحيا بحياة المبدأ والعقيدة.

وإن كان للتضحية الإنسانية الفاضلة كتاب فأعمال علي عنوان ذلك الكتاب المشع بأضواء الخلود.

وإن كان لمبادئ السماء التي جاء بها محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعبير عملي على وجه الأرض فعلي هو تعبيرها الحي على مدى الدهور والأجيال.

وإن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد خلف في أمته عليا والقرآن فإنما جمع بينهما ليكون القرآن تفسيرا لمعاني علي العظيم، ولتكون معاني علي أنموذجا لمثل القرآن الكريم.

وإن كان الله تعالى قد جعل عليا نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في آية المباهلة فلأجل أن يفهم المسلمون أنه امتداد طبيعي لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وشعاع متألق من روحه العظيمة.

وإن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد خرج من مكة مهاجرا خائفا على نفسه وخلف عليا على فراشه ليموت بدلا عنه، فمعنى ذلك أن المبدأ المقدس هو الذي كان يرسم للعظيمين خطوط حياتهما، وإذا كان لا بد للقضية الإلهية من شخص تظهر به وآخر يموت في سبيلها، فيلزم أن يبقى رجلها الأول لتحيا به، ويقدم رجلها الثاني نفسه قربانا لتحيا به أيضا.

وإن كان علي هو الذي أباحت له السماء خاصة النوم في المسجد والدخول فيه جنبا فمفهوم هذا الاختصاص أن في معانيه معنى المسجد لأن المسجد رمز السماء الصامت في دنيا المادة وعلي هو الرمز الإلهي الحي في دنيا الروح والعقيدة.

وإن كانت السماء قد امتدحت فتوة علي وأعلنت عن رضاها عليه إذ قال المنادي: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي، فإنها عنت بذلك أن فتوة علي وحدها هي الرجولة الكاملة التي لا يرتفع إلى مداها إنسان ولا ترقى إلى أفقها بطولة الأبطال وإخلاص المخلصين.

ومن مهزلة الأقدار أن هذه الفتوة التي قدسها الهاتف الإلهي كانت عيبا في رأى مشايخ السقيفة ونقصا في علي يؤاخذ عليه وينزل به عن الصديق الذي لم يكن يمتاز عليه إلا بسنين قضاها كافرا مشركا.

وأنا لا أدري كيف صار الازدواج بين الجاهلية والإسلام في حياة شخص واحد مجدا يمتاز به عمن خلصت حياته كلها لله.

ولئن ظهرت للناس في البحوث الجديدة القوم الطبيعية التي تجعل الأجسام الدائرة حول المحور تسير على خط معين، فلقد ظهرت في علي قبل مئات السنين قوة مثلها ولكنها ليست من حقائق الفيزياء، بل من قوى السماء وهي التي جعلت من علي مناعة طبيعية للاسلام حفظت له مقامه الأعلى ما دام الأمام حيا، ومحورا تدور عليه الحياة الإسلامية لتستمد منه روحانيتها وثقافتها وروحها وجوهرها سواء أكان على رأس ا لحكم أو لا.

وقد علمت هذه القوة عملها السحري في عمر نفسه، فجذبته إلى خطوطها المستقيمة مرارا حتى قال: لولا علي لهلك عمر، وظهر تأثيرها الجبار في التفاف المسلمين حوله في اليوم الذي أسندت فيه مقدرات الخلافة إلى عامة المسلمين، ذلك الالتفاف الفذ الذي يقل مثيله في تاريخ الشعوب.

ونعرف من هذا أن عليا بما جهزته السماء به من تلك القوة، كان ضرورة من ضرورات الإسلام التي لا بد منها وشمسا يدور عليها الفلك الإسلامي بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحسب طبيعته التي لا يمكن أن تقاوم حتى التجأ الفاروق إلى مسيرتها كما عرفت.

ويتجلي لدينا أيضا أن الانقلاب الفجائي في السياسة الحاكمة لم يكن ممكنا يومئذ لأنه - مع كونه طفرة - يناقض تلك القوة الطبيعية المركزة في شخصية الأمام، فكان من الطبيعي أن تسير السياسة الحاكمة في خط منحن حتى تبلغ النقطة التي وصل إليها الحكم الأموي، تفاديا من تأثير تلك القوة الساهرة على الاعتدال والانتظام كما ينحني السائق بسيارته عندما ينحرف بها إلى نقطة معاكسة تحذرا من القوة الطبيعية التي تفرض الاعتدال في السير. وهذا الفصل الرائع من عظمة الأمام يستحق دراسة وافية مستقلة قد نقوم بها في بعض الفرص لنكشف بها عن شخصية علي المعارض للحكم والساهر على قضية الإسلام والموفق بين حماية القوة الحاكمة من الانحراف وبين معارضتها في نفس الوقت.

وإن كانت مواقف الأمام كلها رائعة، فموقفه من الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أكثرها روعة.

وإن كانت العقيدة الإلهية تريد في كل زمان بطلا يفتديها بنفسه، فهي تريد أيضا بطلا يتقبل القران ويعزز به المبدأ، وهذا هوى الذي بعث بعلي إلى فراش الموت وبالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى مدينة النجاة يوم الهجرة الأغر كما أشرنا إليه قريبا، ولم يكن ليتهيأ للأمام في محنته بعد وفاة أخيه أن يقدم لها كلا البطلين، لأنه ضحى بنفسه في سبيل توجيه الخلافة إلى مجراها الشرعي في رأيه لما بقي بعده من يمسك الخيط من طرفيه، وولدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طفلان لا يتهيأ لهما من الأمر ما يريد.

وقف علي عند مفترق طريقين كل منهما حرج وكل منهما شديد على نفسه:

(أحدهما) أن يعلن الثورة المسلحة على خلافة أبي بكر.

(والاخر) أن يسكت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، ولكن ماذا كان يترقب للثورة من نتائج؟ هذا ما نريد أن نتبينه على ضوء الظروف التاريخية لتلك الساعة العصيبة.

إن الحاكمين لم يكونوا ينزلون عن مراكزهم بأدنى معارضة وهم من عرفناهم حماسة وشدة في أمر الخلافة. ومعنى هذا أنهم سيقابلون ويدافعون عن سلطانهم الجديد، ومن المعقول جدا حينئذ أن يغتنم سعد بن عبادة الفرصة ليعلنها حربا أخرى في سبيل أهوائه السياسية، لأننا نعلم أنه هدد الحزب المنتصر بالثورة عندما طلب منه البيعة وقال: (لا والله حتى أرميكم بما في كنانتي وأخضب سنان رمحي وأضرب بسيفي وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني ولو اجتمع معكم الأنس والجن ما بايعتكم). وأكبر الظن أنه تهيب الأقدام على الثورة ولم يجرأ على أن يكون أول شاهر للسيف ضد الخلافة القائمة، وإنما اكتفى بالتهديد الشديد الذي كان بمثابة إعلان الحرب، وأخذ يترقب تضعضع الأوضاع ليشهر سيفه بين السيوف، فكان حريا به أن تثور حماسته ويزول تهيبه ويضعف الحزب القائم في نظره إذا رأى صوتا قويا يجهر بالثورة فيعيدها جذعة ويحاول إجلاء المهاجرين من المدينة بالسيف كما أعلن ذلك المتكلم عن لسانه في مجلس السقيفة.

ولا ننسى بعد ذلك الأمويين وتكتلهم السياسي في سبيل الجاه والسلطان، وما كان لهم من نفوذ في مكة في سنواتها الجاهلية الأخيرة، فقد كان أبو سفيان زعيمها في مقاومة الإسلام والحكومة النبوية، وكان عتاب ابن أسيد بن أبي العاص بن أمية أميرها المطاع في تلك الساعة.

وإذا تأملنا ما جاء في تاريخ تلك الأيام من أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما توفي ووصل خبره إلى مكة وعامله عليها عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية استخفى عتاب وارتجت المدينة وكاد أهلها يرتدون، فقد لا نقتنع بما يعلل به رجوعهم عن الارتداد من العقيدة والأيمان. كما أني لا أؤمن بأن مرد ذلك التراجع إلى أنهم رأوا في فوز أبي بكر فوزهم وانتصارهم على أهل المدينة كما ذهب إليه بعض الباحثين، لأن خلافة أبي بكر كانت في اليوم الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأكبر الظن أن خبر الخلافة جاءهم مع خبر الوفاة، بل تعليل القضية في رأيي أن الأمير الأموي عتاب بن أسيد شاء أن يعرف اللون السياسي الذي اتخذته أسرته في تلك الساعة، فاستخفى وأشاع بذلك الاضطراب حتى إذا عرف ان أبا سفيان قد رضي بعد سخط وانتهى مع الحاكمين إلى نتائج في صالح البيت الأموي ظهر مرة أخرى للناس وأعاد الأمور إلى مجاريها. وعليه فالصلة السياسية بين رجالات الأمويين كانت قائمة في ذلك الحين. وهذا التقدير يفسر لنا القوة التي تكمن وراء أقوال أبي سفيان حينما كان ساخطا على أبي بكر وأصحابه، إذ قالك إني لأرى عجاجة لا يطفيها إلا الدم، وقال عن علي والعباس: أما والذي نفسي بيده لأرفعن لهما من أعضادهما. فالأمويون قد كانوا متأهبين للثورة والانقلاب، وقد عرف علي منهم ذلك بوضوح حينما عرضوا عليه أن يتزعم المعارضة ولكنه عرف أنهم ليسوا من الناس الذين يعتمد على تأييدهم، وإنما يريدون الوصول إلى أغراضهم عن طريقه، فرفض طلبهم، وكان من المنتظر حينئذ أن يشقوا عصا الطاعة إذا رأوا الأحزاب المسلحة تتناحر، ولم يطمئنوا إلى قدرة الحاكمين على ضما ن مصالحهم، ومعنى انشقاقهم حينئذ إظهارهم للخروج عن الدين وفصل مكة عن المدينة.

وإذن فقد كانت الثورة العلوية في تلك الظروف إعلانا لمعارضة دموية تتبعها معارضات دموية ذات أهواء شتى، وكان فيها تهيئة لظرف قد يغتنمه المشاغبون ثم المنافقون.

ولم تكن ظروف المحنة تسمح لعلي بأن يرفع صوته وحده في وجه الحكم القائم، بل لتناحرت ثورات شتى، وتقاتلت مذاهب متعددة الأهداف والأغراض، ويضيع بذلك الكيان الإسلامي في اللحظة الحرجة التي يجب أن يلتف فيها المسلمون حول قيادة موحدة، ويركزوا قواهم لصد ما كان يترقب أن تتمخض عنه الظروف الدقيقة من فتن وثورات.

إن عليا الذي كان على أتم استعداد لتقديم نفسه قربانا للمبدأ في جميع أدوار حياته منذ أن ولد في البيت الإلهي وإلى أن قتل فيه، قد ضحى بمقامه الطبيعي ومنصبه الإلهي فهي سبيل المصالح العليا التي جعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصيا عليها وحارسا لها.

وفقدت بذلك الرسالة المحمدية الكبرى بعض معناها، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أمره ربه بتبليغ دعوته والأنذار برسالته جمع بني عبد المطلب وأعلن عن نبوته بقوله: (إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به). وعن إمامة أخيه بقوله: (إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا) ومعنى ذلك أن إمامة علي تكملة طبيعية لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأن الرسالة السماوية قد أعلنت عن نبوة محمد الكبير صلى الله عليه وآله وسلم وإمامة محمد الصغير في وقت واحد.

إن عليا الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وربى الإسلام معه - فكانا ولديه العزيزين - كان يشعر بإخوته لهذا الإسلام. وقد دفعه هذا الشعور إلى افتداء أخيه بكل شيء حتى أنه اشترك في حروب الردة التي أعلنها المسلمون يو مذاك، ولم يمنعه تزعم غيره لها عن القيام بالواجب المقدس، لأن أبا بكر إن كان قد ابتزه حقه ونهب تراثه، فالاسلام قد رفعه إلى القمة وعرف له أخوته الصادقة وسجلها بأحرف من نور على صفحات الكتاب الكريم.

وصمد الأمام على ترك الثورة ولكن ماذا يفعل؟ وأي أسلوب يتخذه لموقفه؟ هل يحتج على الفئة الحاكمة بنصوص النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكلماته التي أعلنت أن عليا هو القطب المعد لأن يدور عليه الفلك الإسلامي والزعيم الذي قدمته السماء إلى أهل الأرض؟؟

تردد هذا السؤال في نفسه كثيرا ثم وضع له الجواب الذي تعينه ظروف محنته وتلزمه به طبيعة الأوضاع القائمة، فسكت عن النص إلى حين.

 

مسألة عدم الاحتجاج بالنص

ونحن نتبين من الصورة المشوشة التي عرفناها عن تلك الظروف والأوضاع أن الاعتراض بتلك النصوص المقدسة والاحتجاج بها في ساعة ارتفع فيها المقياس الزئبقي للأفكار المحمومة والأهواء الملتهبة التي سيطرت على الحزب الحاكم إلى الدرجة العالية، كان من التقدير المعقول افتراض النتائج السيئة له، لأن أكثر النصوص التي صدرت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شأن الخلافة لم يكن قد سمعها إلا مواطنوه في المدينة من مهاجرين وأنصار فكانت تلك النصوص إذن الأمانة الغالية عند هذه الطائفة التي لابد أن تصل عن طريقهم إلى سائر الناس في دنيا الاسلام يومئذ وإلى الأجيال المتعاقبة والعصور المتتالية. ولو احتج الأمام على جماعة أهل المدينة بالكلمات التي سمعوها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شأنه وأقام منها دليلا على إمامته وخلافته كان الصدى الطبيعي لذلك أن يكذب الحزب الحاكم صديق الأمة في دعواه وينكر تلك النصوص التي تمحو من خلافة الشورى لونها الشرعي وتعطل منها معنى الدين.

وقد لا يجد الحق صوتا قويا يرتفع به في قبال ذلك الإنكار، لأن كثيرا من قريش وفي مقدمتهم الأمويون كانوا طامحين إلى مجد السلطان ونعيم الملك، وهم يرون في تقديم الخليفة على أساس من النص النبوي تسجيلا لمذهب الإمامة الإلهية. ومتى تقررت هذه النظرية في عرف الحكم الإسلامي كان معناها حصر الخلافة في بني هاشم آل محمد الأكرمين وخروج غيرهم من المعركة خاسرا. وقد نلمح هذا اللون من التفكير في قول عمر لابن عباس معللا إقصاء علي عن الأمر: (إن قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوة) * فقد يدلنا هذا على أن إسناد الأمر إلى علي في بداية الأمر كان معناه في الذهنية العامة حصر الخلافة في الهاشميين، وليس لذلك تفسير أولي من أن المفهوم لجمهرة من الناس يومئذ من الخلافة العلوية تقرير شكل ثابت للخلافة يستمد شرعيته من نصوص السماء لا من انتخاب المنتخبين. فعلي إن وجد نصيرا من علية قريش يشجعه على مقاومة الحاكمين، فإنه لا يجد منهم عضدا في مسألة النص إذا تقدم إلى الناس يحدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد سجل الخلافة لأهل بيته حين قال: إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي الخ.

وأما الأنصار فقد سبقوا جميع المسلمين إلى الاستخفاف بتلك النصوص، والاستهانة بها، إذ حدت بهم الشراهة إلى الحكم إلى عقد مؤتمر في سقيفة بني ساعدة ليصفقوا على يد واحد منهم. فلن يجد علي فيهم إذا استدل بالنصوص النبوية جنودا للقضية العادلة وشهودا عليها، لأنهم إذا شهدوا على ذلك يسجلون على أنفسهم تناقضا فاضحا في يوم واحد وهذا ما يأبونه على أنفسهم بطبيعة الحال.

وليس في مبايعة الأوس لأبي بكر أو قول من قال: لا نبايع إلا عليا مناقضة كتلك المناقضة، لأن المفهوم البديهي من تشكيل مؤتمر السقيفة أن مسألة الخلافة مسألة انتخاب لا نص، فليس إلى التراجع عن هذا الرأي في يوم إعلانه من سبيل.

وأما اعتراف المهاجرين بالأمر فلا حرج فيه لأن الأنصار لم يجتمعوا على رأي واحد في السقيفة وإنما كانوا يتذاكرون ويتشاورون، ولذا نرى الحباب بن المنذر يحاول بث الحماسة في نفوسهم والاستمالة بهم إلى رأيه بما جلجل به في ذلك الاجتماع من كلام وهو يوضح أنهم جمعوا لتأييد فكرة لم يكن يؤمن بها إلا بعضهم.

وإذن فقد كان الأمام يقدر أنه سوف يدفع الحزب الحاكم إلى إنكار النصوص والاستبسال في هذا الإنكار إذا جاهر بها ولا يقف إلى جانبه حينئذ صف ينتصر له في دعواه، لأن الناس بين من قادهم الهوى السياسي إلى إنكار عملي للنص يسد عليهم مجال التراجع بعد ساعات، وبين من يرى أن فكرة النص تجعل من الخلافة وقفا على بني هاشم لا ينازعهم فيها منازع. وإذا سجلت الجماعة الحاكمة وأنصارها إنكارا للنص واكتفى الباقون بالسكوت في الأقل فمعنى هذا أن النص يفقد قيمته الواقعية وتضيع بذلك مستمسكات الإمامة العلوية كلها ويؤمن ا لعالم الإسلامي الذي كان بعيدا عن مدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على إنكار المنكرين لأنه منطق القوة الغالب في ذلك الزمان.

لنلاحظ ناحية أخرى فإن عليا لو ظفر بجماعة توافقه على دعواه، وتشهد له بالنصوص النبوية المقدسة، وتعارض إنكار الفئة الحاكمة، كان معنى ذلك أن ترفض هذه الجماعة خلافة أبي بكر وتتعرض لهجوم شديد من الحاكمين ينتهي بها إلى الاشتراك في حرب مع الحزب الحاكم المتحمس لكيانه السياسي إلى حد بعيد، فإنه لا يسكت عن هذا اللون من المعارضة الخطرة. فمجاهرة علي بالنص كانت تجره إلى المقابلة العملية، وقد عرفنا سابقا أنه لم يكن مستعدة لاعلان الثورة على الوضع القائم والاشتراك مع السلطات المهيمنة في قتال.

ولم يكن للاحتجاج بالنص أثر واضح من أن تتخذ السياسة الحاكمة احتياطاتها وأساليبها الدقيقة لمحو تلك الأحاديث النبوية من الذهنية الإسلامية، لأنها تعرف حينئذ أن فيها قوة خطر على ا لخلافة القائمة ومادة خصبة لثورة المعارضين في كل حين.

وإني أعتقد أن عمر لو التفت إلى ما تنبه إليه الأمويون بعد أن احتج الأمام بالنصوص في أيام خلافته، واشتهرت بين شيعته، من خطرها لاستطاع أن يقطعها من أصولها، ويقوم بما لم يقدر الأمويون عليه من إطفاء نورها. وكان اعتراض الأمام بالنص في تلك الساعة ينبهه إلى ما يجب أن ينتهجه من أسلوب فأشفق على النصوص المقدسة أن تلعب بها السياسة وسكت عنها على مضض، واستغفل بذلك خصومه، حتى إن عمر (رضي الله تعالى عنه) نفسه صرح بأن عليا هو ولي كل مؤمن ومؤمنة بنص النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ثم ألم يكن من المعقول أن يخشى الأمام على كرامة حبيبه وأخيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تنتقض وهي أغلى عنده من كل نفيس - إذا جاهر بنصوص النبي صلى الله عليه وآله وسلم - وهو لم ينس موقف الفاروق من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين طلب دواة ليكتب كتابا لا يضل الناس بعده أبدا، فقال عمر: (إن النبي ليهجر أو قد غلب عليه الوجع). وقد اعترف فيما بعد لابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يريد أن يعين عليا للخلافة وقد صده عن ذلك خوفا من الفتنة.

وسواء أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريد أن يحرر حق علي في الخلافة أو لا، فإن المهم أن نتأمل موقف عمر من طلبه، فهو إذا كان مستعدا لاتهام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجها لوجه بما ينزهه عنه نص القرآن 51، وضرورة الإسلام، خوفا من الفتنة، فما الذي يمنعه عن اتهام آخر له بعد وفاته مهما تلطفنا في تقديره فلا يقل عن دعوى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يصدر عن أمر الله في موضوع الخلافة، وإنما استخلف عليا بوحي من عاطفته، بل كان هذا أولى من تلك المعارضة لأن الفتنة التي تقوم بدعوى على النص أشد مما كان يترقبه عمر من اضطراب فيما إذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد خلف نصت تحريريا بإمامة علي يعلمه الجميع. وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد ترك التصريح بخلافة علي في ساعته الأخيرة لقول قاله عمر، فإن المفهوم أن يترك الوصي الاحتجاج بالنصوص خوفا من قول قد يقوله.

ونتيجة هذا البحث أن سكوت أمير المؤمنين عن النص إلى حين، كان يفرضه عليه:

1 - إنه لم يكن يجد في رجالات تلك الساعة من يطمئن إلى شهادته بذلك.

2 - إن الاعتراض بالنصوص كان من الحري به أن يلفت أنظار الحاكمين إلى قيمتها المادية، فيستعملون شتى الأساليب لخنقها.

3 - إن معنى الاعتراض بها التهيؤ للثورة بأوسع معانيها، وهذا ما لم يكن يريده الامام.

4 - إن اتهام عمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في آخر ساعاته عرف عليا بمقدار تفاني الحاكمين في سبيل مراكزهم، ومدى استعدادهم لتأييدها والمدافعة عنها وجعله يخاف من تكرر شيء من ذلك فيما إذا أعلن عن نصوص إمامته.

 

المواجهة السلمية

انتهى الأمام إلى قرار حاسم، وهو ترك الثورة وعدم التسلح بالنصوص في وجه الحاكمين جهارا وعلانية إلا إذا اطمأن إلى قدرته على تجنيد الرأي العام ضد أبي بكر وصاحبيه، وهذا ما أخذ يحاوله علي في محنته آنذاك.

فبدأ يطوف سرا على زعماء المسلمين ورجالات المدينة، يعظهم ويذكرهم ببراهين الحق وآياته، وإلى جانبه قرينته تعزز موقفه وتشاركه في جهاده السري، ولم يكن يقصد بذلك التطواف إنشاء حزب يتهيأ له القتال به لأننا نعرف أن عليا كان له حزب من الأنصار هتف باسمه، وحاول الالتفاف حوله وإنما أراد أن يمهد بتلك المقابلات لاجماع الناس عليه.

وهنا تجيء مسألة فدك لتحتل الصدارة في السياسة العلوية الجديدة، فإن الدور الفاطمي الذي رسم هارون النبوة خطوطه بإتقان، كان متفقا مع ذلك التطواف الليلي في فلسفته وجديرا بأن يقلب الموقف على الخليفة وينهي خلافة الصديق كما تنتهي القصة التمثيلية لا كما يقوض حكم مركز على القوة والعدة.

وكان الدور الفاطمي يتلخص في أن تطالب الصديقة الصديق بما انتزعه منها من أموا ل، وتجعل هذه المطالبة وسيلة للمناقشة في المسألة الأساسية وأعني بها مسألة الخلافة وإفهام الناس بأن ا للحظة التي عدلوا فيها عن علي عليه السلام إلى أبي بكر كانت لحظة هوس وشذوذ، وأنهم بذلك أخطأوا وخالفوا كتاب ربهم ووردوا غير شربهم.

ولما اختمرت الفكرة في ذهن فاطمة اندفعت لتصحح أوضاع الساعة وتمسح عن الحكم الإسلامي الذي وضعت قاعدته الأولى في السقيفة الوحل الذي تلطخ به، عن طريق اتهام الخليفة الحاكم بالخيانة السافرة، والعبث بكرامة القانون، واتهام نتائج المعركة الانتخابية التي خرج منها أبو بكر خليفة بمخالفة ا لكتاب والصواب.

وقد توفرت في المقابلة الفاطمية ناحيتان لا تتهيئان للأمام فيما لو وقف موقف قرينته.

(إحداهما) إن الزهراء أقدر منه بظروف فجيعتها الخاصة ومكانتها من أبيها، على استثارة العواطف، وإيصال المسلمين بسلك من كهرباء الروح بأبيها العظيم صلوات الله عليه وأيامه الغراء وتجنيد مشاعرهم لقضايا أهل البيت.

(والأخرى) إنها مهما تتخذ لمنازعتها من أشكال فلن تكتسب لون الحرب المسلحة التي تتطلب زعيما يهيمن عليها ما دامت امرأة وما دام هارون النبوة في بيته محتفظا بالهدنة التي أعلنها حتى تجتمع الناس عليه ومراقبا للموقف ليتدخل فيه متى شاء، متزعما للثورة إذا بلغت حدها الأعلى أو مهدئا للفتنة إذا لم يتهيأ له الظرف الذي يريده.

فالحوراء بمقاومتها إما أن تحقق انتقاضا إجماعيا على الخليفة وإما أن لا تخرج عن دائرة الجدال والنزاع ولا تجر إلى فتنة وانشقاق.

وإذن فقد أراد الأمام صلوات الله عليه أن يسمع الناس يومئذ صوته من فم الزهراء ويبقى هو بعيدا عن ميدان المعركة ينتظر اللحظة المناسبة للاستفادة منها، والفرصة التي تجعل منه رجل الموقف. وأراد أيضا أن يقدم لامة القرآن كلها في المقابلة الفاطمية برهانا على بطلان الخلافة القائمة. وقد تم للأمام ما أراد حيث عبرت الزهراء صلوات الله عليها عن الحق العلوي تعبيرا واضحا فيه ألوان من الجمال والنضال.

وتتلخص المعارضة الفاطمية في عدة مظاهر:

(الأول) إرسالها لرسول ينازع أبا بكر في مسائل الميراث ويطالب بحقوقها وهذه هي الخطوة الأولى التي انتهجتها الزهراء صلوات الله عليها تمهيدا لمباشرتها للعمل بنفسها.

(الثاني) مواجهتها بنفسها له في اجتماع خاص وقد أرادت بتلك المقابلة أن تشتد في طلب حقوقها من الخمس وفدك وغيرهما لتعرف مدى استعداد الخليفة للمقاومة.

ولا ضرورة في ترتيب خطوات المطالبة على أسلوب تتقدم فيه دعوى النحلة على دعوى الميراث كما ذهب إلى ذلك أصحابنا، بل قد يغلب على ظني تقدم المطالبة بالإرث، لأن الرواية تصرح بأن رسول الزهراء إنما كان يطالب بالميراث، والأقرب في شأن هذه الرسالة أن تكون أولى الخطوات كما يقضي به التدرج الطبيعي للمنازعة، وأيضا فإن دعوى الإرث أقرب الطريقين إلى استخلاص الحق لثبوت التوارث في التشريع الإسلامي بالضرورة فلا جناح على الزهراء في أن تطلب ابتداء ميراثها من أبيها الذي يشمل في معتقد الخليفة لعدم اطلاعه على النحلة وليس في هذه المطالبة مناقضة لدعوى نحلة فدك إطلاقا، لأن المطالبة بالميراث لم تتجه إلى فدك خاصة وإنما تعلقت بتركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عامة.

(الثالث) خطبتها في المسجد بعد عشرة أيام من وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في شرح النهج لابن أبي الحديد.

(الرابع) حديثها مع أبي بكر وعمر حينما زاراها بقصد الاعتذار منها وإعلانها غضبها عليهما وأنهما أغضبا الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك.

(الخامس) خطابها الذي ألقته على نساء المهاجرين والأنصار حين اجتماعهن عندها.

(السادس) وصيتها بأن لا يحضر تجهيزها ودفنها أحد من خصومها وكانت هذه الوصية الإعلان الأخير من الزهراء عن نقمتها على الخلافة القائمة.

وقد فشلت الحركة الفاطمية بمعنى ونجحت بمعنى آخر.

فشلت لأنها لم تطوح بحكومة الخليفة رضى عنه الله في زحفها الأخير الخطير الذي قامت به في اليوم العاشر من وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ولا نستطيع أن نتبين الأمور التي جعلت الزهراء تخسر المعركة، غير أن الأمر الذي لا ريب فيه أن شخصية الخليفة رضى عنه الله من أهم الأسباب التي أدت إلى فشلها، لأنه من أصحاب المواهب السياسية، وقد عالج الموقف بلباقة ملحوظة نجد لها مثالا فيما أجاب به الزهراء من كلام وجهه إلى الأنصار من خطاب بعد انتهائها من خطبتها في المسجد. فبينما هو يذوب رقة في جوابه للزهراء وإذا به يطوي نفسه على نار متأججة تندلع بعد خروج فاطمة من المسجد، في أكبر الظن، فيقول: ما هذه الرعة إلى كل قالة إنما هو ثعالة شهيده ذنبه - وقد نقلنا الخطاب كاملا فيما سبق - فإن هذا الانقلاب من اللين والهدوء إلى الغضب الفائر يدلنا على مقدار ما أوتي من سيطرة على مشاعره وقدرته على مسايرة الظرف وتمثيل الدور المناسب في كل حين.

ونجحت معارضة الزهراء لأنها جهزت الحق بقوة قاهرة، وأضافت إلى طاقته على الخلود في ميدان النضال المذهبي طاقة جديدة. وقد سجلت هذا النجاح في حركتها كلها وفي محاورتها مع الصد يق والفاروق عند زيارتهما لها بصورة خاصة إذ قالت لهما: أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعرفانه وتفعلان به؟ فقالا: نعم، فقالت: نشدتكما الله ألم تسمعا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة فقد أحبني ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني) قالا: نعم سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت: (فإني اشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ولئن لقيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأشكونكما عنده).

ويصور لنا هذا الحديث مدى اهتمامها بتركيز الاعتراض على خصميها ومجاهرتهما بغضبها ونقمتها لتخرج من المنازعة بنتيجة لا نريد درسها والانتهاء فيها إلى رأي معين لأن ذلك خارج عن دائر ة عنوان هذا البحث ولأننا نجل الخليفة عن أن ندخل معه في مثل هذه المناقشات وإنما نسجلها لتوضيح أفكار الزهراء صلوات الله عليها ووجهة نظرها، فقط، فإنها كانت تعتقد أن النتيجة التي حصلت عليها هي الفوز المؤكد في حساب العقيدة والدين وأعني بها أن الصديق قد استحق غضب الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم بإغضابها، وآذاهما بأذاها لأنهما يغضبان لغضبها ويسخطان لسخطها بنص الحديث النبوي الصحيح، فلا يجوز أن يكون خليفة لله ورسوله. وقد قال الله تبارك وتعالى: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما). (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا). (والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم). (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم). (ومن يحل عليه غضبي فقد هوى).

 

عودة لصفحة الشهيد محمد باقر الصدر