الصفحة الرئيسية \ الشريف المرتضى

 

فإن قالوا: فقد قال تعالى: (فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب) (1) وذلك يبطل الخبر.

قيل لهم: ليس في ذلك بيان المال أيضا وفي الآية ما يدل على أن المراد النبوة والعلم لأن زكريا خاف على العلم أن يندرس.

وأما قوله: (وإني خفت الموالي من ورائي) يدل على ذلك لأن الأنبياء لا تحرص على الأموال حرصا يتعلق خوفها بها وإنما أراد خوفه على العلم أن يضيع فسأل الله تعالى وليا يقوم الدين مقامه.

وقوله: (ويرث من آل يعقوب) يدل على أن المراد العلم والحكمة لأنه لا يرث أموال آل يعقوب في الحقيقة وإنما يرث ذلك غيره، فأما من يقول: المراد في (إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة) لا يدل على إنا لا نورث الأموال فكأنه أراد أن ما جعلوه صدقة في حال حياتهم لا يورثون فركيك (2) من القول لأن إجماع الصحابة بخلافه لأن أحدا لم يتأوله على هذا الوجه لأنه لا يكون في ذلك تخصيص للأنبياء ولا مزية لهم ولأن قوله: (ما تركناه صدقة) جملة من الكلام مستقلة بنفسها ولا وجه إذا لم يكن ذلك فيها أن يجعل من تمام الكلام الأول فكأنه عليه السلام مع بيانه (3) أنهم لا يورثون بين جهة المال الذي خلفوه لأنه كان يجوز أن لا يكون ميراثا ويصرف إلى وجه آخر (4).

____________

(1) مريم 5 و 6.

(2) غ " فباطل ".

(3) المغني 20 ق 1 / 330.

(4) أي " ما تركناه صدقة " جملة مستقلة أتى به أي بهذا القول مع بيان أنه ليس ميراثا لنفي جواز أن يصرف في وجهه.


الصفحة 61
فأما خبر السيف والبغلة (1) والعمامة وغير ذلك فقد قال أبو علي إنه لم يثبت أن أبا بكر دفع ذلك إلى أمير المؤمنين عليه السلام (2) على جهة الإرث، وكيف يجوز ذلك مع الخبر الذي رواه؟ وكيف يجوز لو كان وارثا أن يخصه بذلك ولا إرث له مع العم لأنه عصبة (3) فإن كان وصل إلى فاطمة عليها السلام فقد كان ينبغي أن يكون العباس شريكا في ذلك وأزواج النبي صلى الله عليه وآله، ولوجب أن يكون ذلك ظاهرا مشهورا ليعرف أنهم أخذوا نصيبهم من غير ذلك، أو بدله ولا يجب إذا لم يدفع أبو بكر إليه على جهة الإرث أن لا يحصل في يده، لأنه قد يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله نحله (4) ويجوز أيضا أن يكون أبو بكر رأى الصلاح في ذلك أن يكون بيده لما فيه من تقوية الدين وتصدق ببدله بعد التقويم لأن للإمام أن يفعل ذلك) (5).

وحكي عن أبي علي في البردة والقضيب (إنه لا يمتنع أن يكون جعله عدة في سبيل الله وتقوية على المشركين فتداولته الأئمة (6) لما فيه من التقوية ورأى أن ذلك (7) أولى من أن يتصدق به إن ثبت أنه عليه السلام لم يكن قد نحله غيره في حياته) (8) ثم عارض نفسه بطلب أزواج النبي صلى الله

____________

(1) غ " النعل ".

(2) غ " إلى علي عليه السلام ".

(3) العصبة - بالتحريك - قرابة الرجل لأبيه سموا بذلك لأنهم عصبوا به، أي أحاطوا.

(4) النحلى - بضم النون، وقصر آخرها، والنحلة - بكسر النون -: العطية عن طيب نفس.

(5) المغني 20 ق 1 / 331.

(6) غ " الأمة " تصحيف.

(7) غ " أقوى ".

(8) المغني 20 ق 1 / 333.


الصفحة 62
عليه وآله الميراث وتنازع أمير المؤمنين عليه السلام والعباس فيه بعد موت فاطمة عليها السلام.

وأجاب عن ذلك بأن قال: (يجوز أن يكونوا لم يعرفوا رواية (1) أبي بكر وغيره للخبر.

وقد روي أن عائشة لما عرفتهن الخبر أمسكن (2) وقد بينا أنه لا يمتنع في مثل ذلك أن يخفى على من يستحق الإرث ويعرفه من يتقلد الأمر كما تعرف العلماء والحكام (3) من أحكام المواريث ما لا يعلمه أرباب الإرث وقد بينا أن رواية أبي بكر مع الجماعة أقوى من شاهدين لو شهدا على التركة بدين (4) وهو أقوى من رواية سلمان وابن مسعود ولو رويا ذلك عند القوم كان يجب أن يقبل منهما).

قال: (ومتى تعلقوا بعموم القرآن أريناهم جواز التخصيص بهذا الخبر كما إن عموم القرآن يقتضي كون الصدقات للفقراء وقد ثبت أن آل محمد صلوات الله عليهم لا يحل لهم الصدقة...) (5) يقال له: نحن نبين أولا ما يدل على أنه صلى الله عليه وآله يورث المال، ونرتب الكلام في ذلك الترتيب الصحيح، ثم نعطف على ما أورده ونتكلم عليه.

والذي يدل على ما ذكرناه قوله تعالى مخبرا عن زكريا عليه السلام

____________

(1) في المغني " إن ثبت ذلك فلأنهم لم يعرفوا رواية... ".

(2) غ " لما عرفتهم أمسكوا ".

(3) غ " والحكماء ".

(4) غ " بان بعض تركته في دين ".

(5) المغني 20 ق 1 / 333.


الصفحة 63
(وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا) (1) فخبر أنه خاف من بني عمه لأن الموالي ها هنا هم بنو العم بلا شبهة، وإنما خافهم أن يرثوا ماله فينفقوه في الفساد، لأنه كان يعرف ذلك من خلائقهم وطرائقهم فسأل ربه ولدا يكون أحق بميراثه منهم، والذي يدل على أن المراد بالميراث المذكور في الآية ميراث المال دون العلم والنبوة على ما يقولون، إن لفظة الميراث في اللغة والشريعة جميعا لا يعهد (2) إطلاقها إلا على ما يحق وأن ينتقل على الحقيقة من المورث إلى الوارث كالأموال وما في معناها، ولا يستعمل في غير المال إلا تجاوزا واتساعا، ولهذا لا يفهم من قول القائل:

لا وارث لفلان إلا فلان، وفلان يرث مع فلان بالظاهر، والاطلاق إلا ميراث الأموال والأعراض دون العلوم وغيرها، وليس لنا أن نعدل عن ظاهر الكلام وحقيقته إلى مجازه بغير دلالة، وأيضا فإنه تعالى خبر عن نبيه صلوات الله عليه أنه اشترط في وارثه أن يكون رضيا، ومتى لم يحمل الميراث في الآية على المال دون العلم والنبوة لم يكن للاشتراط معنى، وكان لغوا عبثا، لأنه إذا كان إنما سأل من يقوم مقامه ويرث مكانه فقد دخل الرضا وما هو أعظم من الرضا في جملة كلامه وسؤاله، فلا معنى (3) لاشتراطه ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول اللهم ابعث إلينا نبيا واجعله عاقلا ومكلفا فإذا ثبتت هذه الجملة صح أن زكريا موروث ماله، وصح أيضا بصحتها أن نبينا صلى الله عليه وآله ممن يورث المال، لأن الإجماع واقع على أن حال نبينا عليه السلام لا يخالف حال الأنبياء المتقدمين في

____________

(1) مريم 5 و 6.

(2) ش " لا يفيد ".

(3) ش " فلا مقتضى لاشتراطه ".


الصفحة 64
ميراث المال، فمن مثبت للأمرين وناف للأمرين.

ومما يقوي ما قدمناه أن زكريا خاف بني عمه فطلب وارثا لأجل خوفه، ولا يليق خوفه منهم إلا بالمال دون النبوة والعلم. لأنه عليه السلام كان أعلم بالله تعالى من أن يخاف أن يبعث نبيا من ليس بأهل للنبوة وأن يورث علمه وحكمه من ليس أهلا لها، ولأنه إنما بعث لإذاعة العلم ونشره في الناس فلا يجوز أن يخاف من الأمر الذي هو الغرض في بعثته.

فإن قيل: فهذا يرجع عليكم في الخوف من وراثة المال (1) لأن ذلك غاية الضن (2) والبخل.

قلنا: معاذ الله أن يستوي الحال لأن المال قد يصح أن يرزقه الله تعالى المؤمن والكافر، والعدو والولي، ولا يصح ذلك في النبوة وعلومها. وليس من الضن أن يأسى على بني عمه وهم من أهل الفساد أن يظفروا بماله فينفقوه على المعاصي، ويصرفوه في غير وجوهه المحبوبة، بل ذلك هو غاية الحكمة وحسن التدبير في الدين. لأن الدين يحظر تقوية الفساق وإمدادهم بما يعينهم على طرائقهم المذمومة، وما يعد ذلك شحا ولا بخلا إلا من لا تأمل له.

فإن قيل: فالا جاز أن يكون خاف من بني عمه أن يرثوا علمه وهم من أهل الفساد على ما ادعيتم فيستفسدوا به الناس ويموهونه عليهم؟

قلنا: لا يخلو هذا العلم الذي أشرتم إليه من أن يكون هو كتب علمه وصحف حكمته لأن ذلك قد يسمى علما على طريق المجاز، أو أن

____________

(1) ش " عن إرث المال ".

(2) الضن - بالضاد -: البخل، فالكلمتان مترادفتان على معنى واحد.


الصفحة 65
يكون هو العلم الذي يحل القلوب، فإن كان الأول فهو يرجع إلى معنى المال ويصحح أن الأنبياء عليهم السلام يورثون أموالهم وما في معناها، وإن كان الثاني لم يخل هذا العلم من أن يكون هو العلم الذي بعث النبي صلوات الله عليه بنشره وأدائه، أو أن يكون علما مخصوصا لا يتعلق بالشريعة ولا يجب اطلاع جميع الأمة عليه كعلم العواقب وما يجري في المستقبل من الأوقات وما جرى مجرى ذلك والقسم الأول لا يجوز على النبي صلى الله عليه وآله أن يخاف من وصوله إلى بني عمه وهم من جملة أمته الذين بعث إلى أن يطلعهم (1) على ذلك ويؤديه إليهم وكأنه على هذا الوجه يخاف مما هو الغرض في بعثته.

والقسم الثاني فاسد أيضا لأن هذا العلم المخصوص إنما يستفاد من جهته ويوقف عليه باطلاعه وإعلامه، وليس هو مما يجب نشره في جميع الناس فقد كان يجب إذا خاف من إلقائه إلى بعض الناس فسادا أن لا يلقيه إليه فإن ذلك في يده ولا يحتاج إلى أكثر من ذلك. ومما يدل على أن الأنبياء عليهم السلام يورثون قوله تعالى: (وورث سليمان داود) (2) والظاهر من إطلاق لفظ الميراث يقتضي الأموال وما في معناها على ما دللنا عليه (3) من قبل، ويدل أيضا على ذلك قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) (4) الآية وقد أجمعت الأمة على عموم هذه اللفظة إلا من أخرجه الدليل فيجب أن يتمسك بعمومها لمكان هذه الدلالة، ولا يخرج عن حكمها إلا من أخرجه دليل قاطع فأما تعلق

____________

(1) ش " لاطلاعهم وتأديته إليهم ".

(2) النمل 16.

(3) ش " به من قبل ".

(4) النساء 11.


الصفحة 66
صاحب الكتاب بالخبر الذي رواه أبو بكر وادعاه وأنه استشهد عمر وعثمان وفلانا وفلانا فأول (1) ما فيه أن الذي ادعاه من الاستشهاد غير معروف.

والذي روي أن عمر استشهد هؤلاء النفر لما نازع (2) أمير المؤمنين عليه السلام العباس في الميراث فشهدوا بالخبر المتضمن لنفي الميراث، وإنما معول مخالفينا في صحة الخبر الذي رواه أبو بكر عند مطالبة فاطمة عليها السلام بالميراث على إمساك الأمة عن النكير عليه والرد لقضيته (3) ولو سلمنا استشهاد من ذكر على الخبر لم يكن فيه حجة، لأن الخبر على كل حال لا يخرج من أن يكون غير موجب للعلم، وهو في حكم أخبار الآحاد، وليس يجوز أن يرجع عن ظاهر القرآن بما يجري هذا المجرى، لأن المعلوم لا يخص إلا بمعلوم، وإذا كانت دلالة الظاهر معلومة لم يجز أن يرجع (4) عنها بأمر مظنون، وهذا الكلام مبني على أن التخصيص للكتاب والسنة المقطوع بها (5) بأخبار الآحاد وهو المذهب الصحيح، وقد أشرنا إلى ما يمكن أن يعتمد في الدلالة عليه من أن الظن لا يقابل العلم ولا يرجع عن المعلوم بالظن (6)، وليس لهم أن يقولوا: إن

____________

(1) في الأصل " فالأول ما فيه " وصححناه عن ابن أبي الحديد.

(2) ش " تنازع أمير المؤمنين عليه السلام والعباس ".

(3) علق ابن أبي الحديد على ذلك بقوله: " صدق المرتضى رحمه الله فيما قال، أما عقيب وفاة النبي صلى الله عليه وآله ومطالبة فاطمة عليها السلام بالإرث، فلم يرو الخبر غير أبي بكر وحده، وقيل: إنه رواه معه مالك بن أوس بن الحدثان أما المهاجرون الذين ذكرهم قاضي القضاة، فإنما شهدوا في الخبر في خلافة عمر " (الشرح 16 / 245).

(4) ش " يخرج عنها ".

(5) في الأصل " بهما " وآثرنا نقل ابن أبي الحديد، لأن أخبار الآحاد من السنة ولكن غير مقطوع بها.

(6) ش " بالمظنون ".


الصفحة 67
التخصيص بالأخبار الآحاد (1) مستند أيضا إلى علم وإن كان الطريق مظنونا، ويشيروا إلى ما يدعونه من الدلالة على وجوب العمل بخبر الواحد في الشريعة (2) وإنه حجة لأن ذلك مبني من قولهم على ما لا نسلمه، وقد دل الدليل على فساده (3) من صحة العمل بخبر الواحد، والكلام في أن خبر الواحد يقبل في الشريعة أولا يقبل لا يليق بكتابنا هذا.

والكلام فيه معروف على أنه لو سلم لهم أن خبر الواحد يعمل به في الشرح لاحتاجوا إلى دليل مستأنف على أنه يقبل في تخصيص القرآن لأن ما دل على العمل به في الجملة لا يتناول هذا الموضع كما لا يتناول جواز النسخ به.

وهذا يسقط قول صاحب الكتاب " إن شاهدين لو شهدا أن في التركة حقا لكان يجب أن يصرف عن الإرث، وذلك أن الشهادة وإن كانت مظنونة فالعمل بها استند إلى علم (4)، لأن الشريعة قد قررت العمل بالشهادة ولم تقرر العمل بخبر الواحد وليس له أن يقيس خبر الواحد على الشهادة من حيث اجتمعا في غلبة الظن لأنا لم نعمل على الشهادة من حيث غلبة الظن دون ما ذكرناه من تقرير الشريعة العمل بها، ألا ترى إنا قد نظن صدق الفاسق والمرأة والصبي وكثير ممن يجوز صدقه (5) ولا يجوز العمل بقوله، فبان أن المعول في هذا على المصلحة التي نستفيدها على

____________

(1) في شرح النهج " أخبار الآحاد " على الإضافة لا الصفة.

(2) ش " في الشرع ".

(3) أي حجية خبر الواحد.

(4) ش " استند ".

(5) " ممن يجوز صدقه " ساقطة من شرح نهج البلاغة.


الصفحة 68
طريق الجملة من دليل الشرع وأبو بكر في حكم المدعي لنفسه، والجار إليها بخلاف ما ظنه صاحب الكتاب، وكذلك من شهد له إن كانت شهادة قد وجدت، وذلك أن أبا بكر وسائر المسلمين سوى أهل بيت الرسول صلوات الله عليهم يحل لهم الصدقة، ويجوز أن يصيبوا منها، وهذه تهمة في الحكم والشهادة.

وليس له أن يقول: فهذا يقتضي أن لا يقبل شهادة شاهدين في تركة بأن فيها صدقة لمثل ما ذكرتم، وذلك لأن الشاهدين إذا شهدا بالصدقة فحظهما منها كحظ صاحب الميراث، بل سائر المسلمين وليس كذلك حال تركة الرسول صلى الله عليه وآله لأن كونها صدقة يحرمها على ورثته ويبيحها لسائر المسلمين.

فأما قوله: (نخص القرآن بذلك كما خصصنا في العبد والقاتل) (1) فليس بشئ لأن من ذكر إنما خصصناهما بدليل مقطوع عليه معلوم (2) وليس هذا في الخبر الذي ادعاه.

فأما قوله: (وليس ذلك ينقص للأنبياء عليهم السلام بل هو إجلال لهم) فمن الذي قال له: إنه نقص؟ وكما إنه لا نقص فيه فلا إجلال فيه ولا فضيلة، لأن الداعي وإن كان قد يقوى إلى جمع المال ليخلف على الورثة فقد يقويه أيضا إرادة صرفه في وجوه الخير والبر، وكلا الأمرين يكون داعيا إلى تحصيل المال، بل الداعي الذي ذكرناه أقوى فيما يتعلق بالدين.

فأما قوله: (إن فاطمة عليها السلام لما سمعت ذلك كفت عن

____________

(1) يعني في عدم استحقاقهما في الميراث.

(2) ش " لأنا قد خصصنا من ذكر بدليل معلوم ".


الصفحة 69
الطلب فأصابت أولا وأصابت آخرا) فلعمري أنها كفت عن الطلب الذي هو المنازعة والمشاحة لكنها انصرفت مغضبة متظلمة متألمة والأمر في غضبها وسخطها أظهر من أن يخفى على منصف، فقد روى أكثر الرواة الذين لا يتهمون بتشيع ولا عصبية فيه من كلامها عليها السلام في تلك الحال، وبعد انصرافها عن مقام المنازعة والمطالبة ما يدل على ما ذكرناه من سخطها وغضبها ونحن نذكر من ذلك ما يستدل به على صحة قولنا، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني (1) قال [ حدثني محمد بن أحمد الكاتب ] (2) حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح النحوي (3) قال حدثنا الزيادي (4) قال حدثنا الشرقي بن القطامي (5) عن محمد بن إسحاق (6)

____________

(1) المرزباني: محمد بن عمران، يعد من محاسن الدنيا، صادق اللهجة.

ثقة في الحديث، واسع المعرفة رواية للأدب، وقيل: هو أول من أسس علم البيان ودونه، وبهذا تعرف أنه سابق لعبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني المتوفى سنة 471 في هذا العلم، وللمرزباني من المؤلفات (كتاب ما نزل في القرآن في علي عليه السلام) وهو أول من جمع شعر يزيد بن معاوية بن أبي سفيان واعتنى به، وهو من مشائخ المفيد، وقد أكثر السيد الشريف المرتضى النقل عنه في " الغرر والدرر " توفي المرزباني سنة 384 (انظر مصادر نهج البلاغة وأسانيده).

(2) الزيادة من ابن أبي الحديد، والكاتب هو أبو طاهر محمد بن أحمد بن محمد الكاتب من شيوخ ابن مندة (انظر ابن خلكان 6 / 169).

(3) أحمد بن عبيد بن ناصح أبو جعفر المعروف بأبي عصيدة أديب ديلمي الأصل من موالي بني هاشم تولى تأديب المعتز العباسي من كتبه " عيون الأخبار والأشعار " و " الزيادات في معاني الشعر لابن السكيت في إصلاحه " توفي سنة 273 (انظر الأعلام للزركلي 1 / 159).

(4) الزيادي: عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي النحوي من الموالي من أهل البصرة توفي سنة 129 (خزانة الأدب 1 / 115، وتهذيب التهذيب: 5 / 148).

(5) الشرقي بن القطامي: كوفي اسمه الوليد بن الحصين، والشرقي لقب غلب عليه كان عالما بالنسب وافر الأدب أقدمه المنصور بغداد وضم إليه المهدي ليأخذ من أدبه توفي حدود سنة 155 (تاريخ بغداد 9 / 279 ولسان الميزان 3 / 142).

(6) محمد بن إسحاق بن يسار أبو بكر القرشي بالولاء إمام أصحاب السير، من بحور العلم، ثبت في الحديث، عده الشيخ الطوسي ممن أسند عن الإمام الصادق عليه السلام نشأ بالمدينة، واضطر إلى الخروج منها إلى مصر بسبب تشيعه، ثم قدم على أبي جعفر المنصور وهو بالحيرة، وكتب له المغازي، وسمع منه أهل الكوفة بهذا السبب، وكتابه في السيرة إلى قسمين " مبتدأ الخلق " و " المغازي " والظاهر أنه لم يبق من هذين الكتابين إلا ما اختاره ابن هشام من سيرة النبي صلى الله عليه وآله، وما نقله أصحاب الكتب منهما كالطبري وابن أبي الحديد، توفي ابن إسحاق بغداد سنة 151 ودفن بمقبرة الخيزران في الجانب الشرقي (انظر رجال الطوسي وابن خلكان 4 / 276، تأسيس الشيعة 232).


الصفحة 70
قال: حدثنا صالح بن كيسان (1) عن عروة (2) عن عائشة قال المرزباني وحدثنا أبو بكر أحمد بن محمد (3) المكي قال: حدثنا أبو العينا محمد بن القاسم السيمامي (4) قال حدثنا ابن عائشة (5) قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله أقبلت فاطمة عليها السلام في لمة (6) من حفدتها إلى أبي بكر، وفي الرواية الأولى قالت عائشة: لما سمعت فاطمة عليها السلام

____________

(1) قال الذهبي " صالح بن كيسان أحد الثقاة والعلماء (ميزان الاعتدال 2 / 299).

(2) هو عروة بن الزبير بن العوام أبو عبد الله المدني ولد في أوائل خلافة عمر وتوفي سنة 94 وقد عده ابن أبي الحديد في شرح النهج من المنحرفين عن علي عليه السلام.

(3) أحمد بن محمد بن أبي الموت المكي روى عن البغوي صاحب المسند (انظر ميزان الاعتدال 1 / 151).

(4) أبو العيناء هو عبد الله بن محمد بن القاسم بن خلاد الأهوازي البصري كان أديبا ماهرا، وكان من الظرفاء والأذكياء حاضر النكتة، سريع الجواب نقل ابن خلكان كثيرا من أجوبته ونوادره، وأضر وهو في حدود الأربعين من عمره فسئل يوما:

ما ضرك من العمى، قال شيئان. أحدهما فاتني السبق بالسلام، والثاني ربما ناظرت فهو يكفهر وجهه ويظهر الكراهية حتى لا أراه وأقطع الكلام توفي بالبصرة سنة 283 أو 284.

(5) ابن عائشة: عبيد الله بن محمد بن حفص التيمي نسبة إلى عائشة بنت طلحة لأنها من جداته قال في تقريب التهذيب: ثقة جواد رمي بالقدر ولم يثبت مات سنة 228.

(6) اللمة - بالضم والتخفيف: الترب والشكل.


الصفحة 71
إجماع أبي بكر على منعها فدك لاثت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها (1) وأقبلت في لمة من حفدتها [ ثم اجتمعت الروايتان من هاهنا ] (2) ونساء قومها تطأ ذيولها ما تخرم (3) مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد (4) من المهاجرين والأنصار وغيرهم فنيطت دونها ملاءة (5) ثم أنت أنة أجهش القوم لها بالبكاء (6) وارتج المجلس، ثم أمهلت هنيئة (7) حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم (8) افتتحت كلامها بالحمد لله عز وجل والثناء عليه والصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله ثم قالت: (9)

____________

(1) الجلباب: الملحفة، والجمع جلابيب.

(2) ما بين المعقوفين من شرح نهج البلاغة.

(3) لم تخرم لم تنقص، يقال ما خرم منه شيئا أي ما نقص.

(4) الحشد - كفلس -: الجماعة.

(5) نيطت: علقت ووصلت، والملاءة: الريطة والأزار أيضا.

(6) أجهش بالبكاء: تهيأ له.

(7) ح " هنيهة " والمعنى واحد.

(8) الفورة: الجيشان.

(9) خطبة الزهراء سلام الله عليه في شأن فدك رواها الخلف عن السلف من العلويين في جميع الأجيال إلى زمن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام. وكان مشائخ آل أبي طالب يروونها عن آبائهم ويعلمونها أبناءهم وهم من محاسن الخطب وبدائعها، وفيها عقبة من أريج الرسالة. كما أخرجها من إثبات الرواة غير الشيعة، فقد روى ابن أبي الحديد فصولا منها ضمن جملة من أخبار فدك وما جرى في شأنها وقال في مقدمة ذلك: " الفصل الأول فيما ورد من الأخبار والسير المنقولة من أفواه أهل الحديث وكتبهم. لأن من كتب الشيعة ورجالهم. لأنا مشترطون على أنفسنا أن لا نحفل بذلك، (شرح نهج البلاغة ج 16 / 210) ثم نقل أسانيد لهذه الخطبة تنتهي إلى زينب بنت أمير المؤمنين والإمامين الباقر والصادق وزيد بن علي بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين وإلى عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي عليهم السلام مضافا إلى الأسانيد الأخرى التي ينتهي بعضا إلى عروة بن الزبير عن خالته أم المؤمنين عائشة (رض) والخطبة تجدها كاملة في الجزء الأول من الاحتجاج للطبرسي في باب احتجاج فاطمة عليها السلام وقال أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي المتوفى سنة 693، في كتابه " كشف الغمة في معرفة الأئمة " ج 2 / 108 " نقلتها - أي خطبة الزهراء عليها السلام - من كتاب " السقيفة " لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري عن عمرو بن شبة - توفي سنة 262 - من نسخة مقروءة على مؤلفها المذكور، قرئت في ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة روى عن رجاله من عدة طرق أن فاطمة عليها السلام لما بلغها إجماع أبي بكر على منعها فدكا لاثت خمارها وأقبلت في لميمة من حفدتها الخ " ويظهر من هذا أن الجوهري كان حيا سنة 322.


الصفحة 72
(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) (1) فإن تعزوه (2) تجدوه أبي دون آبائكم، وأخا ابن عمي دون رجالكم، فبلغ الرسالة صادعا بالنذارة (3) مائلا عن سنن المشركين ضاربا ثبجهم (4) يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة آخذا بأكظام (5) المشركين يهشم الأصنام ويفلق الهام، حتى انهزم الجمع، وولوا الدبر، وحتى تفرى (6) الليل عن صبحه، وأسفر الحق عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق (7) الشياطين، وتمت كلمة الاخلاص وكنتم على شفا حفرة من النار نهزة الطامع (8) ومذقة الشارب (9) وقبسة العجلان (10) وموطأ الأقدام، تشربون الطرق (11)

____________

(1) التوبة / 128.

(2) تعزوه: تسندوه.

(3) صدع بالأمر: تكلم به جهارا.

(4) الثبج - بفتحتين - ما بين الكاهل إلى الظهر، وقيل: ثبج كل شئ وسطه.

(5) الأكظام جمع كظم - بالتحريك -: مخرج النفس.

(6) تفرى الليل عن صبحه: انشق.

(7) الشقاشق - جمع شقشقة - الجلدة الحمراء التي يخرجها البعير من جوفه عند هيجانه.

(8) النهزة كالفرصة وزنا ومعنى.

(9) اللبن الممزوج بالماء.

(10) قبسة العجلان مثل في الاستعجال تشبيها بالمقتبس الذي يدخل الدار ريثما يقبس الجذوة من النار.

(11) الطرق - بفتح وسكون - والمطروق أيضا: ماء الغدران الذي تبول فيه الإبل وتبعر.


الصفحة 73
وتقتاتون القد (1) أذلة خاسئين، يتخطفكم الناس من حولكم، حتى أنقذكم الله عز وجل برسوله صلى الله عليه وآله بعد اللتيا والتي (2) وبعد أن مني بسهم الرجال (3) وذؤبان العرب (4) ومردة أهل النفاق (5) (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله) (6) ونجم قرن للشيطان (7) أو فغرت للمشركين فاغرة (8) قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه (9) ويطفئ عادية لهبها، (10) أو قالت: ويخمد لهبهتا بحده مكدودا في ذات الله (11) وأنتم في رفاهية فكهون آمنون وادعون) (12) إلى هاهنا انتهى خبر أبي العيناء عن ابن عائشة، وزاد عروة ابن

____________

(1) القد - بالكسر -: سير يقد من جلد غير مدبوغ.

(2) اللتيا - بالفتح والتشديد - والمراد باللتيا والتي الداهية الصغيرة والكبيرة، وكنى عن الكبيرة بالتصغير تشبيها بالحية فإنها إذا كثر سمها صغرت لأنهم يزعمون أن السم يأكل جسدها، والأصل في المثل أن رجلا من جديس تزوج امرأة قصيرة فقاسى منها الشدائد فطلقها وتزوج طويلة فكانت أشد من الأولى فطلقها فقيل له: ألا تتزوج قال: أبعد اللتيا والتي فذهبت مثلا.

(3) بهم الرجال: شجعانهم.

(4) ذؤبان العرب: لصوصهم وصعاليكهم.

(5) المردة - جمع مارد وهو العاتي.

(6) المائدة / 64.

(7) نجم: ظهر وطلع.

(8) فاغرة المشركين: جماعتهم، والمعنى مجازي مأخوذ من فغر فاه إذا فتحه.

(9) الصماخ - بالكسر - خرق الأذن، وقيل: هو الأذن نفسها والسين لغة فيه والأخمص: ما دخل من باطن القدم فلم يصب الأرض.

(10) العادية: الشر.

(11) مكدودا: متعبا.

(12) الرفاهية والرفاهة من العيش: السعة، والفكه: طيب النفس والودع والوديع الساكن.


الصفحة 74
الزبير عن عائشة.

(حتى إذا اختار الله لنبيه دار أنبيائه ظهرت حسيكة النفاق (1) وسمل جلباب الدين (2) ونطق كاظم الغاوين (3) ونبغ خامل الآفكين (4) وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم (5) وأطلع الشيطان رأسه صارخا بكم، فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرة (6) ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خفافا، وأحمشكم (7) فألفاكم غضبا فوسمتم (8) غير إبلكم، ووردتم غير شربكم، هذا والعهد قريب والكلم رحيب (9) والجرح لما يندمل (10) إنما زعمتم ذلك خوف الفتنة (ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) (11) فهيهات منكم وأنى بكم وأنى تؤفكون (12) وكتاب الله بين

____________

(1) الحسيكة والحسكة والحساكة: الحقد والعداوة وقد وردت الرواية باللفظتين الأوليين.

(2) سمل: أخلق، والجلباب الملحفة والجمع جلابيب.

(3) كاظم - هنا - فاعل الكظوم وهو السكوت.

(4) نبغ الشئ: ظهر، والخامل: الساقط الذي لا نباهة له.

(5) هدر البعير: ردد صوته في حنجرته، والفنيق: الفحل من الإبل، وخطر: اهتز في مشيه تبخترا وهي هنا مجازية، والعرصة - بوزن ضربة - كل بقعة بين الدور واسعة ليس بها بناء والجمع عراص - بكسر العين - وعرصات.

(6) تروى بإعجام الأول وإهمال الثاني كما تروى بالعكس ومعنى الأولى الغفلة والمراد طلبها ومعنى الثانية الحمية والأنفة.

(7) أحمشكم - هنا هيجكم.

(8) الوسم: الكي، وهو علامة كانت العرب تستعملها للإبل.

(9) الكلم: الجرح، والرحيب: الواسع.

(10) اندمل الجرح وأدمل: تماثل وتراجع إلى الشفاء.

(11) التوبة / 49.

(12) هيهات - بتثليث الآخر - اسم فعل بمعنى بعد، وأنى: ظرف مكان بمعنى أين. والإفك: الكذب.


الصفحة 75
أظهركم، زواجره بينة، وشواهده لائحة، وأوامره واضحة، أرغبة عنه تريدون، أم بغيره تحكمون (بئس للظالمين بدلا) (1) (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) (2) ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها تسرون حسوا في ارتغاء (3) ونصبر منكم على مثل حز المدى (4) وأنتم الآن تزعمون ألا إرث لنا (أفحكم الجاهلية تبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يؤمنون) (5).

يا ابن أبي قحافة أترث أباك ولا أرث أبي (لقد جئت شيئا فريا) (6) فدونكها مخطومة مرحولة (7) تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون (ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون) (8) ثم انكفأت إلى قبر أبيها فقالت:


قد كان بعدك أنباء وهنبثة لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب (9)
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها واختل قومك فاشهدهم ولا تغب (10)

____________

(1) الكهف / 50.

(2) آل عمران / 85.

(3) الحسو: الشرب شيئا فشيئا، والارتغاء: شرب الرغوة وهي ما يطفو على فوق اللبن من الماء المشوب به، والمثل يضرب لمن يظهر شيئا ويريد غيره.

(4) الحز: القطع، والمدى جمع مدية وهي السكين.

(5) المائدة: 50.

(6) مريم 27 والفري: الأمر المختلق.

(7) مخطومة من الخطام وهو كل ما يوضع في أنف البعير ليقاد به، والرحل للناقة كالسرج للفرس.

(8) الأنعام / 67.

(9) الهنبثة جمعها هنابث: الأمر الشديد والاختلاط في القول.

(10) في الشعر أقواء وتروى " فاشهدهم قد انقلبوا ".